تحدثنا في المقال السابق عن المجتمع تكتل أفراد’ ونتابع الحديث ذا الصلة بما قبله حول تشكيل الكتل في المجتمع. فمن المستحيل ان يشكل المجتمع كله كتلة واحدة. ولكنه قد يشكل كتلا مختلفة تجمع كل منها بين عدد كبير جدا من الآراء المختلفة في حد ذاتها, المتقاربة في حدودها الكبرى, وتصبها في قالب واحد محدد, يعطي هذه الكتلة معنى الحزب اذا كان مايجمعهم فكرة سياسية, ومعنى النقابة اذا جمعتهم مصلحة المهنة, ومعنى الجمعية العلمية اذا جمعتهم محبة العلم , ومعنى الجمعية التعاونية الاستهلاكية اذا جمعتهم مصلحة الاستهلاك, وهكذا.

والمجتمع الصحيح هو الذى يجد فراغا لكل هذه الكتل مهما تضاربت مصالحها, واختلفت وجهات نظرها. والفرد الصحيح العامل المنتج هو الذي يحاول ان يلائم بين نفسه, أي بين انطباعاته وتأثراته الشخصية المحضة التي لايشارك فيها أحد غيره, وبين انطباعات غيره وتأثراته حتى يكون مع غيره كتلة ذات صفة وأثر وحتى يصل الى هدفه في المدى الذي يريد. وما أسهل ان يضيع صوت الانسان ورأيه وحقه حين يعلنه منفردا في مجتمع يضم الملايين, كل منهم له صوت ورأي وحق. ولكنه يتحول الى قوة جبارة حين يضيف صوته الى أصوات غيره من الذين يطالبون بمثل حقه, أو بشيء قريب منه.

فاذا تمكن الافراد من التكتل حول أهداف معينة واضحة, في أحزاب, أو نقابات, أو جمعيات, فقد تمكنوا من بيان رأيهم في الاتجاهات التى يريدونها, بالشكل الذي يتفق مع آمالهم ورغباتهم. والمجتمع الصالح, هو المجتمع الذي يحاول ان يحقق في تكونه, ماامكن من هذه الاتجاهات حتى يرضى أكبر عدد ممكن من الأفراد تاركا للبقية حق السعي لتحقيق اتجاهاتهم كذلك.

ان أساس المجتمع كله, في اعتقادي, يجب أن يهدف الى مصلحة الفرد, كما يفهمها الفرد نفسه, لا كما يفهمها عنه المجتمع. فاذا تمكن الفرد والمجتمع من أن يلتقيا على مستوى واحد, أو مستوى متقارب, فقد تحقق التوازن بين الاثنين وهو مانبغي ومايبغي جميع المتطلعين الى الاصلاح.

ولكن كيف يمكن لهذا التوازن أن يتحقق ؟ وما الذي نقصده من تقارب مستوى الفرد ومستوى المجتمع. وهل من المعقول ان يحقق كل فرد في المجتمع مايصبو اليه؟ وهل من المعقول اذا كان مايصبو اليه هذا لايتحقق الا على حساب الأفراد الآخرين, ان نترك له المجال ليحقق مايصبو اليه ؟ وهل اذا كان الفرد يرى ان يقتل جاره أو ان يستولي على أثاث بيته, نتيح له هذا لأن هذا هو رأيه,وتلك نتيجة تجربته الشخصية.ثم ماهي مصلحة الفرد؟ أهي في أن يعيش مترفا, أو أن يعيش كسولا ؟ أو أن يكسب دون أن يجهد في سبيل الكسب؟ أو أن يتعلم , أو ان يسافر في كثير من الرحلات, أو ان يتزوج ويشكل أسره , أو ان يجاهد في اصلاح المجتمع كما يرى هو وجوب اصلاحه, أو ان يمتهن مهنة معينة دون غيرها؟ الحقيقة ان كل واحدة من هذه تصلح هدفا لأي فرد من أفراد المجتمع.فما هو المقصود من أن يكون هدف المجتمع دائما الفرد؟ هل نتيح لكل من هؤلاء ان يحقق ما يريد دون أن نعترض سيبله ؟

واضح ان المجتمع لايمكن أن يحقق لكل انسان مايريد ومايبغى, ولا سيما اذا كانت هذه الرغبات مبعثها الغرائز الوضعية ولا يمكن أن يوزع الآمال المختلفة والرغائب المتناقضة التى تزخر بها نفوس الأفراد على أفراد المجتمع جميعا بحيث يصيب كلا منهم مايصيب زميله في المجتمع. ولكن على المجتمع وظيفة كبرى هي ان يؤمن لكل انسان المجال الواسع الذي يتيح له أن يحقق امكانياته وميوله بالشكل الذي تؤهله له مؤهلاته دون أن يجد حدودا أو قيودا من فقر أو وراثه أو بيئة أو طبقة أو قوانين جائرة. الغاية من المجتمع هي أن يتمكن كل انسان من تحقيق ذاته ومن تحويل امكانياته الزاخرة الى قوى فعلية, وان يعمل على الاستفادة من جهد كل مواطن حسب مايؤهله له جهده ومقدرته. والمجتمع الصالح هو المجتمع الذي يرى فيه كل فرد انه قد اتاح له الفرصة ليبرز مافيه. ويحقق مايطلع اليه. ويرفعه الى مستوى المواطن الصالح الذي يعرف ماله من حقوق وماعليه من واجبات. وهذا ما نتحدث عنه في المقال القادم.

* نائب رئيس جمعية المتقاعدين المدنيين