يشكل التهرب الضريبي مشكلة كبيرة يعاني منها الاقتصاد الأردني وذلك بسبب حجم المبالغ الكبيرة التي لو حصلت لساهمت في خفض عجز الموازنة ورفدها بمصدر جديد للتدفقات النقدية، لا سيما وإن من أهم الأولويات للفريق الاقتصادي هو الحد من التهرب الضريبي وإيجاد مصادر جديدة للتدفقات النقدية الداخلة.

وحسب تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي الأردني فقد قدر حجم الفاقد الضريبي 1.9 مليار دينار تتوزع على النحو التالي: الاعفاءات الضريبية 834 مليون دينار، المتأخرات الضريبية 370 مليون دينار، والتهرب الضريبي 695 مليون دينار. ولكن للأسف على الرغم من أن جميع الخطابات الحكومية لا زالت تؤكد على أهمية الحد من عملية التهرب الضريبي الّا إنه ما زال يحصل على ارض الواقع وبشكل كبير.

في حقيقة الأمر مشكلة التهرب الضريبي ترد إلى العديد من العوامل منها على سبيل المثال العوامل الاجتماعية كالنظرة السائدة بين من المكلفين إلى موضوع التهرب، العوامل الاقتصادية مثل طبيعة الحركة التجارية كالركود مثلاً، وعوامل تشريعية تتعلق بالأنظمة والتعليمات.

وبالتالي من غير الممكن أن يكون هنالك حل واحد سحري للحد من التهرب الضريبي، لا بل يجب أن يكون هنالك بالبداية دراسة مستفيضة لتحديد أهم العوامل الرئيسية التي تؤدي/تساعد في عملية التهرب الضريبي في الأردن، ومن ثم دراسة كل عامل على حدة وبشكل تفصيلي من قبل اشخاص متخصصين وذوي خبرة مشهود لها في مجال هذا العامل لنتمكن فعلاً من الخروج بحلول مناسبة.

ومن وجهة نظري من أهم العوامل التي من الممكن أن تساعد بشكل كبير في الحد من عملية التهرب الضريبي هو دور المحاسب القانوني (المدقق الخارجي). فحسب قانون ضريبة الدخل رقم ( 34) لسنة 2014يجب على جميع المكلف يتنظيم السجلات والمستندات والبيانات المالية اللازمة لتحديد مقدار الضريبة المستحقة عليهم شريطة أن تكون مصادق عليها من محاسب قانوني.

وبالتالي لا بد من وضع بعض الضوابط وتعديل التشريعات لمساعدة المحاسبين القانونيين للقيام بعملهم على اكمل وجه بما يضمن صحة وسلامة القوائم المالية المقدمة لدائرة ضريبة الدخل والمبيعات والتي على أساسها يتم احتساب الضريبة المستحقة، وفيما يلي بعض الاقتراحات.

أولاً: لا بد من وجود جهة محايدة ومستقلة تشرف على عمل المحاسبيين القانونيين في الأردن. حالياً تقوم جمعية المحاسبين القانونيين بهذا الدور وجهودها واضحة في هذا المجال وتشكرعليها، لكنها تبقى جهة غير مستقلة بمعنى الكلمة كون رئيس الجمعية واعضائها هم محاسبون قانونيون عاملون تم انتخابهم من قبل زملائهم، وبالتالي سيبقى هنالك دائماً تضارب في المصالح “conflict of interests”.

ثانياً: كحال باقي المهن الأخرى لربما هنالك فئة قليلة جداً وللأسف من المحاسبين القانونيين الذين لديهم الاستعداد على التصديق «ختم» القوائم المالية للعملاء حتى بدون الاطلاع على بنودها مقابل الحصول على عائد مادي، وبالتالي لا بد من وجود رقابة فعالة للكشف عن مثل هذة الحالات. على سبيل المثال من الممكن أنشاء قسم مستقل يضم موظفين على درجة عالية من الكفاءة والخبرة والاقتدار تابعلديوان المحاسبة على سبيل المثال تكون مهمته الرئيسية فقط الرقابة على المحاسبيين القانونيين والتحقق من إي مخالفات إن وجدت.

ثالثا:يجب منع استخدام المكلفين لنفس المحاسب القانوني لاكثر من ثلاث سنوات متتاليات، وذلك لضمان عدم نشوء علاقة صداقة بين المحاسب القانوني والمكلف من شأنها التأثير على موضوع الاستقلالية. رابعاً: منع المحاسب القانوني من تقديم خدمات الاستشارات الضريبية لنفس العملاء الذين يقومون بتدقيق قوائمهم المالية، وحصر نوع وسقف الأجور للخدمات الأخرى التي يسمح بتقديمها.

خامساً: لا بد من تحديد حد ادنى للأجور التي يتقاضاها المحاسب القانوني وذلك للحد من موضوع التنافس غير الشريف والذي تمارسه فئة قليلة يهمها الربح فقط مما يؤثر سلباً على جودة عملية التدقيق. سادساً: لا بد من تغليظ العقوبات وحصرها في عقوبة الحبس فقط إذا ما ثبت وبشكل قاطع أن المحاسب القانوني قد صادق على القوائم المالية للعميل على الرغم من معرفته الأكيدة بإنها مضللة وفيها تحريف جوهري للوضع المالي للعميل» المكلف»، مما نتج عنه عملية التهرب الضريبي. أو إذا ما شارك المحاسب القانوني وبشكل متعمد بأي عمل نتج عنه عملية تهرب ضريبي مثل إعداد قوائم مالية مزورة للعملاء.