تقرأ سفرهم تحترمهم، تعود الى الوراء تكتشف انهم اقرب لك من نفسك، تتذكر ايام الزمن الجميل كيف كان عطاؤه وهيبته ووقاره، كان مهيبا ورجل المرحلة، لا أحد يقف في وجهه، ولا يستطيع كائن من كان ان يعتدي عليه، كان حصناً منيعا متيناً وعالماً جليلاً رغم قلة علمه وصغر سنه، لم نقرأ في سفر الماضي ان أحداً كان يعتدي عليهم، أو ينال من حقوقه الاجتماعية والوظيفية، وكان اذا حصلت مناسبة هو المقدر، واذا عُدّ رجال المجتمع كان المعلمون اول الصفوف، وكانوا وكانوا...، ولكن ما الذي غير إيقاعهم ، ومن كان خلف الاستدارة عليهم؟ وماذا نعمل لأجلهم ؟ إن التغيير في إيقاعات المجتمع الاردني، والتركيز على المادة وتخصصات بعينها افقد المجتمع بوصلته تجاه المعلم، وغدا قطب الرحى ورجل المرحلة من يملك المال بغض النظر عن علمه وأصله وفصله، وكيف حاز ماله، ومن اين ناله، وغدا المعلم في آخر الترتيبة؛ لانه لا يملك المال مع انه يملك رجاحة العقل والعلم، وللأسف في نظر قصيري النظر من يملك العقل ولا يملك المال لا (يقلي بيضة!)، واستمر الايقاع السلبي يرافق حامي عقول النشء الى ان وصلنا الى حد الاستهتار بدوره وعلمه ومسماه، وبات يقف وطالبه امام القاضي؛ وكأنه مجرم وفار من وجه العدالة. في حين حاز صاحب المال على المكانة وأية مكانة ؟!

وحين تتذكر اسماء بعض المعلمين تقف امام صورهم وأسمائهم اعجابا واحتراما لدورهم ورغبتهم في بناء جيل مسلح بالوعي والانتماء والعلم والمعرفة، كانوا يحترقون لأجل ابناء مجتمعهم، ويتحملون تعب الزمان والمكان، تجدهم يسافرون من الاردن الى فلسطين ومن فلسطين الى الاردن ليعلموا ويفنوا ذواتهم لأجل اجيال تحمل رسالتهم الى الحياة، وحين تسمع قصص وحكايات المعلمين الأردنيين في الخليج العربي تشعر بالفخر والتقدير للدور الذي اضطلعوا فيه في النهضة التعليمية في معظم دول الخليج العربي، كانوا هم سفراء الاردن بحق ينالون وسام المحبة من اهلهم في الخليج، واليوم بات لزاماً ان نتذكر عِبر الماضي ونكتب بمداد من ذهب قصص نجاح المعلم الاردني ونقدمها نماذج للمعلمين الجدد كي يهتدوا بمن لبوا النداء وقاموا بالواجب العلمي دون منِةٍ وهم في الذاكرة الوطنية في سجل الخالدين. لن انسى ذلك الزمن الجميل يوم دخلت على طلبتي بعد تخرجي في الجامعة وهم في أول السطر في الصف الاول الابتدائي في إحدى القرى النائية وكأنني اتذكر الحطيئة يوم سجنه عمر بن الخطاب حين بعث اليه باربعة آبيات شعر- مع الفارق- قال في أولها :

ماذا تقول لأفراخ بـذي مَرَخٍ...زغبِ الحواصِل لا ماء ولا شجرُ

وهؤلاء الأطفال صفحات بيضاء ترسم على اديمهم كل ما تريد، وكم كنت سعيدا يومذاك حين انتهى العام وهم يقرأون ويكتبون. نعم مسؤوليتنا تجاه الأبناء والنشء والطلبة لا تقدر بثمن، فلنعمل بصمت ورغبة حقيقية بدافع ذاتي؛ لأننا نرسم المستقبل للاجيال، ولنقرأ ما كتبه جبران ذات يوم:» ما شربت كأساً علقمية...إلا كانت ثمالتها عسلاً ، وما صعدت عقبة حرجة..إلا بلغت سهلاً أخضر ، وما أضعت صديقاً في ضباب السماء إلا وجدته في جلاء الفجر، ولتكن عقولنا وقلوبنا كبراءة الأطفال الذين يرنون الى الحياة والجد، ولنكرم المعلم ونحس به وندافع عنه ونعلي من شأنه ونقرأ أسفاره بجد واحترام ومحبة تليق بدوره وعلمه وعمله....

mohamadq2002@yahoo.com