على مدار أقل من عام، والحديث حول المشهد الاكاديمي يتركز على ملف تعيين واعفاء رؤساء جامعات، وتعمق الحدث وتركز الى حد ان الانطباع يقود الى أن المشكلة الوحيدة التي تعاني منها الجامعات على اختيار الشخص لهذا الموقع، في ضوء التنافس الشديد عليه.

الاستغراب الذي ينتاب المتابع لملف مؤسسات التعليم العالي حول التنافس الشديد لتولي هذه المواقع، فيظل ما تعانيه غالبية تلك المؤسسات من أزمات وصلت حد «الافلاس» في بعضها، ليكون السؤال هل التنافس مرده «إنقاذ» المؤسسات، ام البحث عن موقع وظيفي متقدم، يضفي امتيازات ووضعا اجتماعيا.

وفي حلقة الاثنين الماضي لبرنامج «بلا تردد» الذي تبثه اذاعة الجامعة الاردنية وتقدمه الصحفية المتخصصة بهذا القطاع الزميلة امان السائح، استضاف البرنامج أمين عام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور عاهد الوهادنه، الذي كشف مضمون حديثه عن ارقام مفزعة، منها ما كان سلبيا ومنها ما كان ايجابيا.

ما طرحه الوهادنة، وهو القادم من رحم الجامعات، يدق ناقوس الخطر، ويتطلب وقفة جادة للتعاطي مع واقع مؤسسات التعليم العالي، الذي لا يقتصر على إحداث التغيير الايجابي استبدال شخص باخر، إنما يحتاج الى جملة إجراءات إصلاحية ذات مسؤولية مشتركة وعامة، وليست ذات مسؤولية محدودة او مستقلة.

فهل من المعقول ان تراوح قيمة فاتورة الكهرباء لاحدى الجامعات الرسمية بين (700 الف - مليون دينار)، في وقت نتحدث فيه عن اهمية الطاقة المتجددة والبديلة، ولا نتحدث عن مؤسسة خدمية، بل في مؤسسة تقدم خدمة التعليم، بالاضافة وبحثية ويفترض ان تكون كغيرها من الجامعات «عقل الدولة».

ومن الارقام الايجابية، ان الحكومة، ومنذ ان التزمت مديونية الجامعات عام 2005 ، سددت حتى الان (117) مليون دينار من اصل (124) مليون دينار، بمعنى ان مديونية الجامعات، التي يتخذ البعض منها شماعة لتحقيق التطوير والتحديث والتطوير باتت غير موجودة تقريبا.

وفيما قدم صندوق دعم الطالب الجامعي، منذ اقراره في عام 2004، قدم دعما بين قروض ومنح يقارب (238) مليون دينار، استفاد منها نحو (322) الف طالب، إذ استفاد العام الحالي (43) الف طالب، ما نسبته ثلث الطلبة المقبولين في البرنامج العادي في الجامعات، ليكون السؤال، هل سيستمر في تقديم الدعم للطلبة ؟

للاجابة على هذا السؤال، لابد من الاشارة الى أن الدعم الذي يقدمه الصندوق نوعان احدهما منح (غير مرتجعة)، وقروض ( ملزمة التسديد)، وقدم الصندوق قروضا منذ تأسيسه حوالي (150) مليون دينار استوجب التسديد منها (60) مليون دينار، ما سدد حتى الان فقط (17) مليون دينار.

على مدار (15) عاما تحصلت الجامعات على دعم من الحكومة يقدر بحوالي مليار دينار، يضاف الى ذلك نحو (191) مليون دينار نفقات راسمالية من المنحة الخليجية، فاين ذهبت تلك الاموال، وبماذا استغلت؟ خصوصا وان غالبية موازنات الجامعات تعاني من عجز.

هذه الاموال لم تسلب لم تسرق، لكن قد تكون المشكلة في عدم انعكاسها، عدم وجود دراسات للتحول بجامعاتنا من جامعات أكاديمية بحتة الى جامعات أكاديمية بحثية منتجة، وعدم انتهاج سياسة الترشيد في الانفاق بدءا من اضاءة الغرف والمختبرات والقاعات الدراسية والمكاتب، التي احيانا تكون وكأنها «موظف» تضاء عند بدء الدوام وتستمر حتى نهايته، بغض النظر عن استغلالها في التدريس او كانت فارغة مرورا بالنفقات غير المبررة التي يجب دراستها وحصرها.

واقع الحال يتطلب «وقفة حقيقية» قائمة على اسس علمية لحسن استغلال الواقع والانتقال به الى خطوات الى الامام وعدم الاختباء وراء عباءة «النقص المادي»، وقد يكون هذا التوقيت المناسب لاحداث التغيير، خصوصا في ظل توصيات الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية، الى جانب السير بإجراءات إصدار قوانين جديدة، سيترتب عليها تغييرات هيكلية، يتطلب تنفيذها انظمة وتعليمات واسس.

ويفترض ان تستغل هذه الفترة لاجراء دراسات تقييمية لكثير من الملفات، والحديث عن دراسات وليس استراتيجيات، لتكون نتائج تلك الدراسات عنوانين التطوير والتحديث، في مختلف المجالات، خصوصا ان التشريعات المقبلة تتطلب احداث تغييرات في مختلف المجالس سواء على مستوى المهام او الشخوص، والتي تشير التوقعات انها ستطالهم جميعا على الاغلب.