زيارة الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية والتعاون الدولي الإماراتي إلى عمان ولقائه جلالة الملك عبدالله الثاني وما دار فيها من نقاشات حول قضايا عربية وأردنية وما صدر عنها من تصريحات تظهر عمق العلاقة الأردنية الإماراتية ومدى قدرة الآلية الهادئة التي يتم فيها رسم العلاقة بين الأردن ودولة الإمارات العربية المتحدة، وينقلها إلى مستويات جديدة من التعاون العربي العربي، الذي لا يقوم على أسس تكتيكية مرحلية بل على أسس استراتيجية طويلة المدى، فالقيادتان في كلتا الدولتين تدركان التحديات الكبرى التي تواجهها المنطقة، وعدد المخططات والسيناريوهات المطروحة كحلول ممكنة للإشكاليات العالقة فيه، وكيف يؤثر غياب التنسيق العربي وعدم اتخاذ مواقف موحدة إلى تهديد حقيقي للمنطقة والأمن القومي العربي.

وفي ظل هذه الظروف رأى كل من الأردن والإمارات أنهما قادران على إيجاد تقاطعات عظمى تجمعهما معاً ليكوّنا نواة تحالف نوعي قادر على تقديم نموذج عربي ناضج يعبر عن المصالح العربية العليا، بحيث يكون هذا النموذج من التعاون قابلاً للتعميم في المنطقة، في مواجهة نماذج بديلة اُقترحت وتقوم على المصالح الآنية والرؤية التكتيكية وليست الاستراتيجية، ولا تستطيع تقديم الحلول أو تحقيق مقدمات النجاح على أرض الواقع.

وظهر ذلك جلياً من الموقف الواضح فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية والتأكيد على ضرورة حل عادل وشامل ودائم للقضية الفلسطينية، يقوم على أساس حل الدولتين والعودة إلى حدود الرابع من جزيران عام 1967، وعلى أن تكون القدس عاصمة الدولة الفلسطينية، وهو ما يشكل رفضاً واضحاً لأي قرار يعتبر القدس الموحدة عاصمة لدولة إسرائيل.

المقاربات العقلانية الأردنية الإماراتية لأحداث المنطقة المؤثرة ساعدت على إنتاج تقارب نوعي له جذره التاريخي في العلاقة الإماراتية الأردنية، حيث كان سمو الشيخ زايد آل نهيان، أبو الإمارات العربية المتحدة طيب الله ثراه، يكن حباً خاصاً للأردن، ولم يقف مكتوف اليدين في أية لحظة حرجة مر بها الأردن، وكان المقدام على اتخاذ المبادرة لمساعدة الأردن، فلم يكن يرى الإمارات إلا شقيقة تساندنا وتدعمنا وتعزز مواقفنا العروبية، ولم نكن نخشى الوقوف في وجه الأطماع في المنطقة، لأننا كنا ندرك أن لنا ظهراً قوياً في الخليج هو الإمارات العربية المتحدة.

وتطبيقاً لهذه العلاقة التاريخية يظهر التحالف الأردني الإماراتي كمثال للتوحد العربي، فإذا كانت الفوضى لا تزال تهدد المنطقة من خلال إلغاء الهويات الكبرى الجامعة، وإعلاء الهويات الفرعية المفرقة، واستخدامها لإحداث الخلاف والفرقة، عبر تغذية أحقاد وضغائن تاريخية يتم تصفيتها بأسلحة متطورة وحديثة لتتحول الهوية من مفهوم يجمع إلى مفهوم يفرق، وهو ما يمكن تسميته بحالة الهويات القاتلة، فإنه لا بد من الرجوع إلى الهوية الجامعة والتي هي في هذه الحالة الهوية القومية العربية.

ومع تلاقي الروح العظيمة في كلتا الدولتين (الأردن والإمارات)، في ظل رؤية جلالة الملك عبدالله الثاني وسمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ، وامتلاكهما لمشروع قومي يستند إلى تجارب وطنية يستطيع هذا التحالف أن يشكل نقطة انطلاق لإيجاد محور عريض من الدول العربية التي تدرك أهمية نهوض مشروع عروبي يحول العرب من ساحة تتنافس عليها القوى الإقليمية إلى قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها في حسابات المنطقة.

ورغم مرور الأردن بظروف اقتصادية ومالية صعبة تعود في معظمها إلى أسباب خارجة عن إرادته، فإن الأردن استطاع السير قدماً، واستطاع بمساعدة دولة الإمارات العربية المتحدة الاقتصادية والمالية تجاوز عقبات صعبة خلال الفترة الماضية، وهو ما يؤكد مدى عمق العلاقات بين الدولتين وأفق مستقبلها الاستراتيجي.