عمان - الرأي -

تابع المركز الوطني لحقوق الإنسان الاحتجاجات السلمية التي قام بها مواطنون إثر الاجراءات الاقتصادية والمالية الاخيرة والتي أقرتها الحكومة بالتشاور مع مجلس الامة، وسجل المركز بشأن ذلك الملاحظات التالية:

نتج عن تلك الاجراءات، وبخاصة رفع جميع اشكال الدعم المباشر عن مادة الطحين، السلعة الحيوية وذات الرمزية الخاصة، زيادة الأعباء على كاهل المواطن. وزاد من هذه الأعباء ما رافق تلك الخطوة من مضاعفات شملت ارتفاع الاسعار، وبشكل خاص أسعار الطاقة.

ضاعف من قلق المواطنين ايضاً التعديلات المقترحة على قانون ضريبة الدخل والتي تسربت قبل الاعلان عنها رسمياً، وأحدثت أثرها السلبي لدى الجمهور كونها تعد مجحفة بحق شريحة واسعة من المواطنين من ذوي الدخل المحدود والطبقة الوسطى باعتبارها تحيد عن مبدأ ’’التكليف التصاعدي مع تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية‘‘ الذي نصت عليه المادة 111 من الدستور.

لم تقتصر الهتافات والشعارات التي اطلقها المحتجون على الاعتراض على اجراءات الحكومة المالية والاقتصادية بل تجاوزت ذلك للتنديد بالحكومة وبسياساتها بشكل عام، مطالبة برحيلها، وبضرورة تغيير النهج الاقتصادي بشكل جذري والجدية في محاربة الفساد المقونن وتحقيق الاصلاح السياسي.

خرجت تلك الهتافات والخطابات والشعارات في حالات عن المستوى والنطاق الذي يحميه الدستور والمعايير الدولية ذات الصلة لتمس سمعة الأشخاص وكرامتهم، بما في ذلك رأس الدولة وأسرته، ما يجعل مساءلة أصحابها قضائياً ممكنة ومشروعة وفق هذه المعايير.

بالمقابل انتهكت اجراءات أجهزة إنفاذ القانون المعايير ذاتها والتي يكفلها كل من الدستور والصكوك الدولية، لا سيما الاجراءات المتعلقة بحجز الحرية، وضمانات المحاكمة العادلة، والحجز الانفرادي في الزنازين لأشخاص لا تنطبق عليهم مواصفات «موقفين خطرين»، وطول أمد التوقيف القضائي، والاحالة الى محكمة أمن الدولة على افعال وتهم لا تعتبر من الجرائم التي هي من اختصاص هذه المحكمة، بصرف النظر عن موقف المركز من استقلالية هذه المحكمة ودستورية محاكمة مدنيين امامها بتهم غير تلك التي يتضمنها قانونها.

وصل الى المركز شكاوى وادعاءات تفيد بأن بعض المسؤولين في اجهزة انفاذ القانون قد انخرطوا في ممارسة ضغوطات بأشكال مختلفة على الموقوفين للتأثير على قناعاتهم وحرية الضمير والرأي لديهم، مقابل تسريع اطلاق سراح ابنائهم المحتجزين لدى هذه الجهات بتهم المساس بالسمعة والتطاول على رأس الدولة.

واكد ان الحق في التعبير في اطار القانون من مسؤولية الدولة وعليها ضمان هذا الحق للمواطنين وحماية ممارسته بدون استثناء فهي مسؤولية الدولة وحدها، ولا يجوز تعريض هذا الحق او اخضاعه لأي قيود او محددات باستثناء ما نصت عليه المواثيق ذات الصلة، وبخاصة المادة (19) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والاعلان العالمي لحقوق الانسان على حد سواء وذلك لحماية حقوق الاشخاص وسمعتهم في هذه الحالة. ويعتبر تجاوز اي مؤسسة أو جهة رسمية لمسؤولية الدولة هذه انتهاكاً جسيماً لمبدأ حكم القانون الذي نادى به جلالة الملك ويأتي في صميم الدستور، مثلما يمس بمبدأ حيادية مثل هذه المؤسسات الرسمية تجاه مختلف فئات المجتمع وبالتزامها كجهة إنفاذ القانون بتطبيق مثل هذا القانون وحماية الحقوق للجميع بدون تمييز.

إن التضييق على الحق في الاحتجاج السلمي ومساءلة السلطات والمسؤولين على الانتقاد للسياسات العامة والممارسات غير السليمة لا يخدم الأمن أو التنمية، وينال من حيوية المجتمع ومناعته مثلما يضعف الثقة بين المواطن والدولة ويساعد على خلق بيئة مواتية لاستشراء الفساد والسلطوية والمحسوبية؛ وهذه مجتمعة تمس حكم القانون وشرعية الحكم.

فمسؤولية الدولة وأجهزتها هي ضمان الحق في الاحتجاج والنقد (دون التجريح) أو الشتم والاساءة الشخصية، ومحاسبة من يقترف مثل هذه الإساءة لكرامة الاخرين وسمعتهم على اساس القانون الذي لا يمكن ان يكون قانوناً اذا لم يكن دستورياً وضاماً لحقوق الإنسان.

ودعا المركز في هذه الظروف غير العادية (داخلياً وخارجياً) التي تمر بها البلاد والمنطقة إلى أن تتضافر جهود جميع السلطات والمؤسسات المعنية للحفاظ على الانجازات التي حققها الاردن في مجال احترام حقوق الانسان وحكم القانون وذلك بخضوع الجميع لسلطانه دون استثناء، والتنبه دائماً الى أن حماية هذه الحقوق وجوهرها احترام كرامة المواطن والإنصات لصوته وحفظ حقه في مخاطبة السلطات العامة ومساءلتها هو جوهر الأمن الناجز.