أبواب - وليد سليمان

عراق الامير، هي بلدة ضمن حدود امانة عمان الكبرى، في منطقة وادي السير، وتبعد عن وسط عمان نحو 30 كيلومترا، ويحيط بعراق الأمير مشاهد ساحرة خلابة من الطبيعة بأشجارها الخضراء الحرجية، وغيرها المثمرة مثل الزيتون والرمان والتين.. فهي منطقة رحلات سياحية تكثر فيها الينابيع والمياه الجارية طوال السنة.

ويعود تاريخ قرية عراق الامير الى سنة 350 قبل الميلاد، عندما استقر بها قوم من العمونيين بقيادة أميرهم (طوبيا) في منطقة وادي السير.

وعلى جوانب بعض تلال وجبال منطقة عراق الامير تتواجد الكثير من المغائر والكهوف الاثرية القديمة جدا التي سكنها بعض العمونيين قديماً.

ما هو العراق!

ان كلمة «عراق» تعني التجويف أو المغارة و الكهف في الجبال، او الجبل المقصوص قصا بشكل عمودي من الاعلى الى الاسفل، اي لا يوجد له سفح مائل، وهناك من يقول ان تسمية عراق الامير جاءت بسبب ان قصر عراق الامير الاثري القديم فيه بوابات ومداخل تشبه مداخل الكهوف!.

هذا وتتواجد كهوف منحوتة في الصخر عددها (11) كهفاً في منطقة عراق الامير.

العبد طوبيا العموني

هناك حكاية شعبية او أسطورة تقول: ان أميراً كان يسكن في تلك المنطقة قبل آلاف السنين فاضطر ذات يوم للسفر الطويل خارج إمارته تلك، وكانت له ابنة جميلة وحيدة! فاحتار كيف يتركها وهو مسافر!.

ثم فطن الى عبده الأمين المخلص فتركها برعايته، ولما طال غياب الامير لسنوات، حزنت ابنته وقطعت الامل بعودة ابيها الامير، فتقربت من العبد وتزوجته.. واكراماً لها قام زوجها العبد ببناء قصر جميل يليق بمقامها، وبعد سنوات طويلة عاد الامير فجأة !!.

وعندما اطل من اعالي الجبال الى موقع إمارته، اصابته الدهشة من هذا البناء !! ولاحظ العبد قدوم سيده الامير فشعر بخيانته لأميره وانه لم يحافظ على عهدته (ابنته) حتى يرجع من سفره!! فقام بالحال بشرب السم ليموت ليكفر عن ذنبه.. لذلك سُميّ القصر الذي بناه بقصر العبد طوبيا العموني.

الامير هيركانوس

ولكن الحكاية الاكثر ثباتا في مرويات التاريخ الاثري تقول: يُعتقد ان من بنى هذا القصر (قصر عراق الامير) او (قصر العبد) هو الامير والملك فيما بعد (هيركانوس) وذلك في القرن الثاني او الثالث قبل الميلاد.. وكان هيركانوس هو رئيس الاسرة الطوبية القوية، وكان حاكما لمملكة عمون وآخر ملوك العمونيين في وسط الاردن.

ويقال ان هيركانوس لم يستطع اكمال بناء هذا القصر - حيث لا يوجد له سقف - بسبب تهديد الجيش السلوقي لمنطقته , وكان ذلك في العصر الهلنستي - اي العصر الذي تلا وفاة الاسكندر المقدوني العظيم.

قصر العبد او الأمير!

ومن ناحية معمارية تاريخية فان قصر العبد او قصر الامير قد تم بناؤه بشكل مستطيل، حيث يعتبر مبنى فريدا من نوعه ولا مثيل له في منطقة الشرق الاوسط! حيث البراعة والاتقان والنقوش والتيجان الكورنشية الجميلة والتماثيل للحيوانات القوية، فهو مبني من حجارة ضخمة بيضاء بديعة اللون.

وقد زُيّن القصر من خارجه بتماثيل ضخمة من الاسود واللبؤات والنمور والنسور، حتى ترمز الى القوة والمجد والشعب الشجاع.

وهناك من يقول ان هذا القصر هو عبارة عن ضريح او هيكل او قلعة حصينة، اذ ان هذا المبنى البديع يتألف من طابقين ومن حوله كانت هناك حدائق غناء وبحيرة ماء كالخندق وأسوار بعيدة تحيط به.

ومقاسات هذا القصر ما بين (40) مترا طولا، و(20) مترا عرضا، و(10) امتار ارتفاعا.

اما عن المغائر المنحوتة في الجبل القريب من القصر فقد كانت في صفين علوي وسفلي.. حيث العلوي للسكن، والسفلي لوضع الماشية والحبوب وعند مدخل احد الكهوف يظهر نقش مكتوب باللغة الارامية لكلمة (طوبيا) اي اسم الامير لتلك المنطقة.

لانكستر.. والرحلة الممتعة

«جيرالد لانكستر» عالم الآثار الذي احب الاردن وآثاره، حتى أنه أوصى ان يدفن عند اثار جرش!! كان لانكستر مديرا لدائرة الاثار الاردنية منذ العام 1936 وحتى العام 1956 , حيث اطلع على معظم اثار الاردن البديعة , وألّف الكتب في ذلك , ومنها كتابه (آثار الاردن) عام 1958، وقد جاء في كتابه هذا عن (اثار عراق الامير) - الذي ترجمه الى العربية المؤرخ الراحل المعروف سليمان الموسى - ما يلي:

تقع خرائب هذا البناء الغريب - قصر العبد - في وادي السير الى الغرب من عمان، وتعد الرحلة اليها ممتعة.

حيث تسير الدرب من القرية الى جهة الغرب على امتداد الجانب الجنوبي من الوادي , وسرعان ما تبدأ بالانحدار مع المنحنيات.

ومنظر الوادي في فصل الربيع جميل جدا، حيث تنمو الاشجار الباسقة على جانبي النبع، وتكسو التلال خمائل الاعشاب الخضراء وعيدان القمح المتموج.

ويبدو ان المنظر اكثر روعة في فصل الصيف حيث يستطيع الزوار الجلوس تحت ظلال الاشجار الى جانب الماء الجاري.

أشبه بغابات انجلترا

حتى ان الكولونيل (كوندر) الذي ساح في هذه البلاد عام 1881 كتب يصف هذا الوادي قائلاً :

إن المناظر في هذا الوادي والاودية المجاورة تمثل مفارقة شديدة بالنسبة لمناظر الهضبة السهلية، فالينابيع الصافية تجري بين المروج الخضراء، او تشكل شلالات من فوق المرتفعات الصخرية، حيث تنمو شجيرات العليق ونباتات السرخس، وتغطي المنحدرات اشجار البلوط الكثيفة حتى تغدو اشبه بغابات انجلترا.

وهنا وهناك تبدو اطراف التلال ذات الصخور البيضاء. اما من تحت فترى الحجارة الصفراء والحمراء والارجوانية وقمم المرتفعات الصغيرة التي تغطي الارض فوق سهول وادي الاردن.

ولا تلبث الدرب ان تقطع الجدول الى الجانب الشمالي، وتسير قريبا من السيل لمسافة قصيرة، وبعد ان تقطع النبع تستطيع ان ترى منزلا نحت في الصخر على الجانب الجنوبي، وترى النوافذ في الطابق العلوي.

وهذا الحائط يحتوي على طاقات مربعة كثيرة حتى ليحسب بعض الناس ان المنزل كله كان يستعمل لتربية الحمام.

وهنا تبدأ الدرب بالارتفاع قليلا وسرعان ما تكبر الشقة بينهما وبين الجدول، وبالقرب من قرية البصة الصغيرة توجد طاحونة مائية هي اخر الطواحين من نوعها التي ما تزال تستعمل في البلاد.

ثم تقطع واديا صغيرا ممتدا من الشمال، فتمر بشجرة كبيرة تحيط بها بعض القبور، ولا تلبث ان ترى عراق الامير تحتك في الوادي.

كهوف عراق الامير

ويبدأ الطريق بالانحدار تدريجيا حتى تبدو المغائر على اليمين في صفحة المنحدر، وهذه المغائر او الكهوف تنتظم في صفين، اما ابواب مغائر الصف العلوي فتفتح على رواق طويل.

وهذه المغائر ترى المياه تقطر من سقوف بعضها وحيطانها، وهي كبيرة الحجم ولكن نحتها ليس دقيقا.

النقوش وصور الحيوانات

ومن المحزن–ويعود هذا الكلام للباحث الاثري لانكستر في اربعينيات القرن الماضي–ان النقوش التي تمثل صور الحيوانات اصبحت الان مشوهة، وقد تهدم البناء على بعضه، والسبب يعود بالدرجة الاولى الى طريقة البناء غير العادية.

وتوجد في البناء كِوى وفتحات ضيقة، ولكن يبدو انها حفرت بعد اتمام البناء، لان احدى هذه النوافذ اخترقت صورة نافرة (تمثال) لأحد الأُسود.

وللبناء ثلاثة مداخل: واحد في الشمال وآخر في الجنوب، والثالث في الجانب الشرقي.

وربما كان اغرب لمحة من ملامح هذا المكان الغريب تلك الشواهد الحجرية المفروشة على جانبي الطريق، والتي حفر ثقب في رأس كل منها.

ولقد قيل ان هذه الحجارة كانت تستعمل بصورة ما لتسهيل نقل حجارة البناء، او ان انبوباً للماء كان يمر من هذه الثقوب لتزويد القصر بالمياه، وغير ذلك من الاراء... وعلى هذا ؛ فالغرض من هذه الحجارة المثقوبة ما يزال غامضا. وقد دلت الحفريات التي أجريت–في اربعينيات او خمسينيات القرن الماضي–في قصر الامير، انه كان مأهولا في القرنين الرابع والخامس بعد الميلاد، من قبل جماعات من المشردين البيزنطيين الذين اجروا تعديلات وادخلوا اضافات على داخلية البناء، مما أدى الى تدمير كل ما من شأنه ان يدل على تاريخ انشاء هذا القصر. اما اعمال الحفريات التي اجريت خارج الجدران فقد كشفت عن مستوى الارض الحقيقي، واسفرت عن اكتشاف تمثال اسد رائع الصنعة، وكان هذا التمثال قد نحت من حجر ابيض ذي خطوط قرمزية، ثم وضع في صميم البناء على يمين الباب الجنوبي.

ويقول المترجم د.سليمان الموسى موضحا انه ثبت لدى اعمال التنقيب والترميم التي قامت بها دائرة الآثار الاردنية منذ العام 1976–وجود اكتشافات جديدة، فقد تم بناء الواجهتين الشرقية والغربية، وظهر تمثال اسد عند الزاوية الشمالية الغربية كان يقوم بدور نافورة الماء , وفي الموقع تم العثور على تمثال للبؤة وشبلها يلحقان أسداً.