اما الدولة التي تحمل الرقم 193 في منظمة الامم المتحدة, فهي جمهورية جنوب السودان، الدولة الاحدث في العالم التي انفصلت عن السودان بعد استفتاء التاسع من تموز 2011 لتصبح دولة مستقلة, بعلم ونشيد وطنيين وقوات مسلّحة، نجحت اطراف عديدة في استيلادها, بعد سنوات طويلة من الصراع الدامي الذي اندلع بين حكومات السودان المتعاقِبة ومتمردي الجنوب, الذين لم تكن دوافعهم على الدوام إنفصالية, لكن معظم الحكومات «الثورية» في الشمال ومعظمها جاء الى السلطة على ظهور الدبابات, وبعضها حمل ايديولوجية اسلاموية سعى لفرضها على اهل الجنوب غير المسلمين في غالبيتهم الساحقة، ما استثمره المتربِّصون بالسودان.. ثرواته وموقعه الاستراتيجي وخصوصا جواره المصري والصراع على البحر الاحمر, الذي كانت ذات يوم بحرا عربيا خالصا، ليُراكِم هؤلاء خطايا حكوماته الشمالية وصولا الى تحريض الجنوبيين على الانفصال, وسط حملات اعلامية ضارية ومنسّقة, أدارَتها ووقفت من خلفها لوبيات مختلفة الدوافع, بعضها كنسي وآخر سياسي وغيرها شركات نفط ورابع صهيوني، حتى انتهت الامور الى ما انتهت اليه في الثالث عشر من تموز 2011 (وهو عام اندلاع ثورات الربيع العربي بالمناسبة)... ليُعلَن رسميا ولادة دولة جديدة بات اسمها» جنوب السودان».

مناسبة الحديث عن هذه الدولة الفاشلة التي وقع شعبها المنكوب فريسة صراع قبلي ضارٍ, افضى الى حرب اهلية شرسة افقدتها ما تتوفر عليه من مكونات وامكانات «دولتِية» متواضعة، بين رئيسها المتعصب والمتصهين سيلفا كير ميارديت ونائبه الذي لا يقل عنه وحشية, ولكن ينتمي الى قبيلة منافسة رياك مشار، ما اسفر عن انهيار «الدولة» وتشريد شعبها الذي ارتكبت بحقه جرائم حرب, ادّت الى تخلي عواصم الغرب الاستعماري التي استولدتها عنوة... عنها, ولم ينجح هؤلاء – بل لم يرغبوا – في وقف حمامات الدم والارتكابات البشعة بحق المدنيين.

الدولة الفاشلة هذه التي ارتبط قادتها (قبل انفصالها وبعده) بعلاقات وثيقة مع اسرائيل وزيارات رسمية مُعلَنة (بعد الاستقلال) ووجود قوات عسكرية وخبراء ورجال امن لحماية ميارديت وتدريب حرسه الشخصي، تقدّمَت – جمهورية جنوب السودان–مؤخراً بطلب رسمي لنيل عضوية جامعة الدول العربية، الامر الذي استقبلته بعض عواصم الجوار بترحاب واستعداد للموافقة, فيما وقفت ضده بغضب دولة السودان (الشمالية) رافضة طلباً كهذا, مُعلّلة رفضها بان جنوب السودان دولة «غير عربية» وان لغتها «غير عربية» بل ان احد اسباب انفصالها كان زعم قادتها انهم «غير عرب».

تبريرات كهذه هي التي تدعو للتوقف عندها, بهدف الإضاءة على ما باتت عليه الجامعة العربية نفسها, من ضعف وانهيار وتراجع.. ليس وليد الساعة، بل مراكمة لعقود طويلة تم فيها إفراغ ميثاق الجامعة من محتواه, وتحويلها الى ساحة صراع بين المحاور العربية التي نشأت في ستينيات القرن الماضي، وما لبثت ان خضعت منذ «سبعيناتها»، الى هيمنة محور «واحد», أسهَم في الإجهاز عليها واستتباعها لسياسات اقل ما يمكن ان يُقال فيها انها بالضد من ميثاق ومقاصد عمل الجامعة, الى ان تحوّلت مطالع تسعينيات القرن الماضي حتى هذا اليوم, الى مجرد «ختم مطاطي» في يد هذا المحور, لاستصدار قرارات وبيانات والتعبير عن مواقف ترطن بكل اللغات ما عدا اللغة العربية, التي تعترض الخرطوم على انها ليست لغة شعب جنوب السودان، رغم ان طلب الانضمام للجامعة لم يُبحَث حتى الان امام مجلس الجامعة.الجامعة التي ستحتفل بعد اسبوع من الان بالذكرى «73» لقيامها, ذات الميثاق القديم والمهترئ والرثْ, الذي لا يجرؤ أحد على تعديله او تحديثه او حتى تغيير بعض بنوده, التي اسهم المستعمِرون البريطانيون في وضعه مباشرة او عبر وكلاء.

نحسب ان جنوب السودان لن تستفيد من عضوية الجامعة العربية, ويبدو ان خيارات رئيسها الدموي قصير النظر, قد ضاقت كثيرا فاختار اللجوء الى ورقة محروقة كطلب عضوية الجامعة، بافتراض ان مجلس الجامعة سيوافق «بالإجماع» على طلب كهذا. ناهيك عن ان مَن يرفضون عضوية جنوب السودان بدعوى ان لغة شعبها غير عربية, لم يسألوا انفسهم إن كانت شعوب جزر القمر وجيبوتي والصومال تلهج بهذه اللغة؟ ام ان نسبة الناطقين بها لا تتجاوز الـ5% على ما تقول الاحصاءات, وبالرغم من ذلك هي ذات عضوية كاملة في الجامعة التي لا تجمع؟.

ربما كان على سيلفا كير ميارديت دعوة حكومة الخرطوم لفتح حوار شامل معها, لإعادة الامور الى ما كانت عليه قبل استفتاء 9/7/2011 او الإلتقاء على صيغة «وحدوية» جديدة.. فيدرالية او كونفدرالية, بعد ان ثبت له وللجنوبيين... الذين غرّر بهم قادتهم, ان لا مستقبل لدولة كهذه تفتقد كل مقومات دولة مستقلة لها مستقبل وقابلة للحياة والاستمرار والتقدّم.بدل الحصول على عضوية في منظمة اقليمية فاشلة كالجامعة العربية, لن تُفيدها في شيء.

kharroub@jpf.com.jo