كتب : عصام قضماني

تتداول الأوساط الإقتصادية ملفات عديدة يعلو فيها الصوت مرة ويخفت مرة , لكن الطروحات حولها مستمر وكذلك الجدل , وإن جاز لنا فيما يلي أن نقتطف بعضا من هذه الحوارات والأفكار فنوجزها بمقتطفات مذيلة ببعض الملاحظات وشيء من الحلول المقترحة .

سيبقى الجدل حول الإصلاحات المالية يشغل فضاءات الحوارات وإن كان يخرج عن سياقه في مناخات بعض الأوساط الشعبية ما يصم الأذن عن سماعه بيد أنه في أوساط مجتمع الأعمال يجب أن يكون مسموعا ليس لأنه عقلاني بمبرزات علمية فحسب بل لأنه مؤشر مهم يعكس حقيقة الأوضاع الإقتصادية وقبل ذلك يمثل قراءة مبكرة للنتائج .

ضرائب أعلى أم أقل؟

في موضوع الضرائب ظل السؤال دائما يدور حول نقطة مفصلية , أيهما أفضل للإقتصاد ضرائب أعلى أم أقل , يقول الإقتصادي عصام السلفيتي , أن حكومة سابقة جربت تخفيض الضرائب في فترة ما , والنتيجة الحتمية كانت أن الخزينة حققت عوائد أكبر والأحجية التي لا نراها كانت في زيادة النشاط الإقتصادي وإندفاع الحيوية في مجتمع الأعمال لكن الأهم كان في أن التهرب الضريبي فقد جدواه .

هل كان خيارا أفضل أن يتم توحيد نسب ضريبة المبيعات تخفيضا الى 12% أو 14% لكل السلع سواء تلك الخاضعة لنسبة 16% أو غيرها التي تخضع الى صفر أو 4% أو 6% أو 10% لمعالجة التشوهات بما يتيح قدرا من السيولة يحفز على التجارة وينشط الأسواق ؟.هذه النظرية كان دفع بها الدكتور جواد العناني نائب رئيس الوزراء الأسبق ولا يزال يقول بها .

الخبز معركة الإصلاح وكفى

هناك من يقول أن المعركة الأساسية كان يجب ان تبدأ وتنتهي في تصويب التشوهات في تجارة الطحين ومنه الخبز , وكفا الله الحكومة شر القتال في مواقع أخرى , وهناك من يقول أن الخزينة التي تئن تحت ضغوط المديونية والنفقات الجارية والرواتب وغيرها لم تجد مفرا من فتح الملف على مصراعيه , وفي الأثناء هناك من يراقب نفقات الحكومة ويرى أن فيها إمكانية لمزيد من الضبط ولعل قصة سيارات البلديات مثال أخير على صحة هذا الرأي .

واجهت منظومة الضرائب ولا تزال معارضة قطاعات كثيرة , وبينما كانت تبدي وجهات نظرها أو تقاوم القرارات كل على طريقته كانت هناك وعود بالدراسة , هذه الوعود وتمييع الإجابات مع أنها تخبيء إصرارا على المضي في القرار , لكن عدم الحسم بلا أدنى شك دفع الى حالة من الترقب تعطلت معها الأنشطة , فلا يستورد التاجر ولا يبيع بإنتظار نتائج الدراسة وهذا هو حال المستهلك أيضا , والقطاع الزراعي مثال على ذلك , وقد إنضم الى هذه الحيرة مؤخرا سوق الذهب وتوقف الإستيراد فيه بإنتظار الغاء أو تثبيت الضريبة الخاصة على الذهب الخام والسبائك .

شروط الجنسية..هل تخدم الاستثمار؟

هذا الحديث يعود بنا مجددا الى مراجعة مواقفنا من الاستثمار المحلي , فثمة مسؤولين لا زالوا يتعاملون بحذر وتتملكهم الريبة , عندما يدفع لهم مستثمر أردني بمشروع رغم كل ما يقدم من ضمانات حسن التنفيذ , وبدلا من دعمه ومنحه الفرصة يفتشون عن معيقات ليس أقلها حرمانه من مزايا وحوافز يفضلون منحها للأجنبي , هل المستثمر المحلي نموذج نحتاجه لجذب الأجنبي ؟ كان مثل هذا السؤال ولا زال مطروحا والسبب أن حركة المستثمر المحلي مراقبة من نظيره الأجنبي فنجاحه يعني بالضرورة أن الطريق مفتوحة للأجنبي , لكن معاناته تمثل صورة سيئة تنذر بالخطر .

إشكالات إجرائية

هل كان ينبغي أن تشد الحكومة بذات القوة التي دفعت بها منظومة التصويب الضريبي من وجهة نظرها على تغيير التشريعات والتعمق أكثر في إصلاح القرارات التنفيذية والتأكد من سلامة الإجراءات .

يسأل السلفيتي الذي يرأس مجلس إدارة بنك الإتحاد وهو أيضا رجل أعمال متعدد الأنشطة , ويضيف , في كثير من الأحيان تبدو القوانين ممتازة وإن شاب بعضها شيء من الغموض والحديث هنا ليس فقط عن ضريبة الدخل المعقدة أو ضريبة المبيعات المركبة , بل إن المسار الإجرائي الذي يتخذه مشروع ما أو الحصول على رخصة ما أو تجديد أخرى فدع عنك كلفة التأخير في إتمام المعاملة , سرعان ما ينضم الى مجموعة المعيقات بند إسمه غرامات إستئناف العمل من دون ترخيص لتكتشف أن الفترة التي إستحقت عليها الغرامة هي ذات الفترة التي إستغرقها العمل على تجديد الرخصة , هذا ينسحب على كل القطاعات بدءا بالإنشاءات ومرورا بمزاولة المهن وحتى رخصة بئر ماء مثلا وفروقات تخمين الأراضي بين سعرها السوقي وتقديرات التخمين .

قيمة المهنة وعائدها

نعم نحتاج الى طاقات كل أبناء البلد من الشباب المتعلمين وهناك لوم كبير على غياب خطط تنمية مهارات مهنية وتشجيع الشباب على الإنخراط في مهن برفع قيمتها الإجتماعية والمادية , لكن الفجوة تبدو عميقة بين الأجيال , فبين هو في سدة التخطيط وإصدار القرارات وبين الأجيال الشابة نقطة مهمة تتمثل في غياب الإستماع بقناعة لما يقوله هذا الجيل وفي نهاية الطريق نقف لنسأل .. لماذا ينجح الأردني في مجال تخصصه وفي غير مجال تخصصه في الخارج , ويفشل أو لا يعمل لكي ينجح هنا في بلده ؟ هل البئية الحاضنة أم التشريعات أم سيادة القانون ومفهومه أن الجميع أمامه سواء بسواء . دعونا نبحث عن أجيالنا التي ذهبت لتتعلم في الخارج ولم تعد ولا ترغب في العودة , يقول السلفيتي , ويضيف يمكن هنا أن نجد الإجابة .

هذه الأجيال الشابة لا تريد أن تحكم وهي لا تتطلع الى منافسة الوزراء والمسؤولين من الأجيال السابقة في الحكومة والقطاع الخاص مناصبهم , هي تريد فقط أن ترى أفكارها للبلد ومستقبله النور .

قبل أن نسأل , لماذا يغادر المستثمر الأردني للبحث عن فرص خارج الحدود ونحن نقرأ إحتلالهم للمراتب الأولى كمستثمرين في أسواق دبي وأبوظبي وتركيا وغيرها علينا أن نفتش عن الأسباب .

تقول الحكومة أنها إتخذت قرارات هامة وغير مسبوقة لتشجيع الاستثمارات ومنها منح الجنسية , هناك من يقول أن الحصول على الجنسية بالنسبة لرجل أعمال أردني شاب أسهل بكثير في بلد أوروبي أو في كندا وحتى الولايات المتحدة , على الأقل لا يطالبونك هناك بتجميد أموال في رصيد غير متحرك وبفائدة صفر في البنك , أليس من الأفضل أن يتحرك هذا المال في السوق ؟.

ربما من المفيد أن تعكس الحكومة هذه المزايا لتمنح للمستثمر الأردني الذي بات وحيدا يقارع القوانين في ميدان الإستثمار , إذ سرعان ما تدفع الى الملل كثرة الإجراءات وتعدد الدوائر التي تزج أنوفها في التراخيص والموافقات وكثرة الناصحين والراغبين في منح إستشارات جبرية وتعدد الضرائب والرسوم وتنوعها وكثرة نقاطها غير المتبرعين للوساطة بأجر من أصحاب النفوذ ومن بعض الموظفين.

السياحة..قرارات متأخرة

لا زالت القناعة راسخة بأن في السياحة إمكانيات أكبر تمكن من تحقيق إيرادات أعلى , وهناك أيضا من يضيف على ذلك بأن قرارات التحفيز في هذا القطاع دائما تأتي متأخرة ومثال ذلك القرارات الأخيرة التي أتخذت فيما يتعلق بالسياحة العلاجية , وقد ناضل رئيس جمعية المستشفيات الخاصة الدكتور فوزي الحموري كثيرا للظفر بهذا الإنجاز , لكن سؤالا لا زال يطرحه حتى اللحظة هل سنتمكن من تعويض ما فات ,ويفسر هذا السؤال فيقول , جموع كثيرة إستبدلت فعلا العلاج في الأردن بدول أخرى وقد تمكنت تلك الأسواق فعلا من إجتذابها بمزايا كبيرة تفوق حتى تلك التي منحت اخيرا .

هناك ملاحظات جديرة , وبينما كان السؤال الأهم مطروحا ولا زال على المائدة عبر كل الحوارات والندوات , هل هناك مصلحة بالإستثمار ؟ أي مسؤول يجيب عن هذا السؤال بنعم وبحماس وتنظير كبيرين , لكن المشكلة في الممارسات وفي الإجراءات , وفي سؤال بالمقابل , لماذا يقاتل المستثمر للحصول على فرصة إن لم يكن مقتنعا بها وبفوائدها له وللمجتمع , أم أن بعض المعرقلين يظنونه سفيها يريد أن يهدر المال .

ضريبة الدخل .. حقل تجارب

قريبا سنعود بقانون ضريبة الدخل الى مربعه الأول في جدل جديد وخلاف جدي , يسأل السلفيتي , أما آن لهذا القانون أن يترجل ليمشي ثابتا على الأرض لفترة طويلة؟

كل عامين هناك قانون جديد لضريبة الدخل , وما أن يسلك وتهدأ العواصف من حوله ويعتاده الناس ومجتمع الأعمال حتى يعاود الكرة تجديدا أو تعديلا , هذا حقل تجارب ممتد بلا نهاية لأن معيار أي ضريبة هي ما تتركه من أثر على الإقتصاد وتنافسيته والنمو و الاستثمار الجديد، بينما أن كل قوانين الضرائب في الأردن كانت دائما تتحرى إيرادات الخزينة من أي مصدر كان .