في انتظار الثاني عشر من أيار القريب, بما هو موعد الانتخابات البرلمانية العراقية التي ستجري هذه المرة بعد «النصر» الذي تحقق على داعش، وخصوصا بعد انهيار معادلة التحالفات والاصطفافات السياسية التي سادت طوال المرحلة التي تلت الاحتلال الاميركي, عندما نهضَت على تحالف «شيعي ـــ كردي» نال «حصة» الاسد في نظام المحاصصة الطائفية والمذهبية الذي ساد وما يزال، رغم الانتكاسات والخلافات والصراعات التي حصلت بين الاطراف المتحالفة ذاتها’ وبينها وبين من اعتبروها قسمة «ضيزى» ولكن في اطار قبولهم قواعد اللعبة, التي رعاها وباركها وأشرف على تنفيذها واستمرارها المحتلّ الاميركي, بهذه الكيفية او تلك ما دام يُمسك بالخيوط ويرى ان الافرقاء.. يسارهم ويمينهم، متدينهم كما من يدّعي العلمانية, لا يخرجون على الاطار المحدّد والمرسوم..ولم يكن مقتدى الصدر كما قادة الحزب الشيوعي العراقي, وممثلهم الذي شارك في اول «مجلس حكم» شكّله الاميركي بول بريمر 12تموز 2003، ونقصد حميد مجيد موسى الذي قاد الحزب الشيوعي العراقي منذ العام 1993.. خارج إطار اللعبة القائمة على المحاصصة الطائفية والمذهبية والعِرقِية

المشهد العراقي الجديد الآخذ بالتبلور والبروز, بعد هزيمة داعش والأحداث التي جرت في اقليم كردستان بعد استفتاء 25 ايلول الماضي، وقبل شهرين من الانتخابات البرلمانية، لفتَ انتباه المتابعين للشأن العراقي التحالف غير المسبوق بين زعيم التيار الصدري رجل الدين المُعمّم مقتدى الصدر والحزب الشيوعي العراقي, صاحب الراية الحمراء التي تحمل شعار المنجل والشاكوش، ما اثار تساؤل – وربما الريبة والشكوك – حول الدوافع التي وقفت خلف تحالفا كهذا, لم يكن يخطر على بال احد في العراق او في غيره, اللهم الا إذا كان في مواجهة المحتلّ, وهو امر لم يتحقّق عندما كانت الكلمة والقرار للمحتل الاميركي, بل مضى كل منهما بـ»طريقته» «في الانسجام» مع الوضع الجديد وبخاصة الحزب الشيوعي العراقي وسكرتيره بالذات, الذي انضوى تحت راية مجلس الحكم وراح يتصرّف وفق ما وضعه الاميركيون من جدول اعمال, لم يكن منسجما بالضرورة ودائما مع مصالح الشعب العراقي, وخصوصا لجهة «الوعود» التي بذلها ساسة العراق الجُدد, الذين جاؤوا على ظهور دبابات الاميركية وبحمايتها.

ما علينا..

التحالف الجديد بين «الشيوعي والشيعي» الذي يحمل اسم «سائرون نحو الاصلاح»، ويضم ست كتل حزبية ابرزها التيار الصدري والحزب الشيوعي, بات قائماً ومُعلناً وتم إشهاره, وسينخرط في المعركة الانتخابية عندما تبدأ, اذا لم تحدث بين اطرافه خلافات تُفضي الى تصدّعه وانهياره وهو امر نحسب ان امكانية حدوثه واردة, كما كل شيء في العراق الذي تكاد لعبة تحالفاته واصطفافاته السياسية والحزبية تشبه ما يحدث في لبنان. اذ ينام اللبنانيون على تحالف بين فريقين او اكثر لا يلبثوا ان يفيقوا صباحا على معركة من التخوين والاتهامات بينهما, تكاد تشعل حربا اهلية او مواجهة مفتوحة ودائما على معايير طائفية ومذهبية.

ما يبرّره طرفا تحالف «سائرون نحو الاصلاح» في شأن هذا التزاوج الغريب بين اصحاب ايديولوجيتين مختلفتين حدود التضارب والتضاد, وبخاصة قولهم: ان ما يجمعهما هو التقائهما على الملفات الرئيسية, كالمطالبة بالإصلاح ومحاربة الفساد وتحسين الخدمات. وهي مطالب يكاد لا يختلف عليها احد في عراق ما بعد الاحتلال، يدفع للاعتقاد ان الطرفين الرئيسيين في هذا التحالف وهما «الصدريون والشيوعيون» لم يجدا من يتحالف معهما من القوى والمكونات السياسية والحزبية, فاضطرا لتحالف كهذا, بهدف إحداث ما يمكن تسميته بـ»الصدمة الايجابية»، وهي صدمة تحقّقت على المستويين الإعلامي والحزبي بدلالة ردود فعل القوى الاخرى التي راحت تُشيطن تحالف كهذا بين حركة اسلامية واخرى ذات طابع علماني ، الى حد ان احزابا إسلامية عراقية وصفت هذا التحالف بـ»الفضيحة».الامر الذي رد عليه احد قادة التيار الصدري بأنه «دليل على ضعف الفاسدين... وقُوّتِنا».

من المبكر الحديث عن «القوة» التي يذكرها هذا الكادر الصدري, اذا ما اخذنا في الاعتبار حجم التمثيل البرلماني الراهن للمتحالِفَيْن, فالتيار الصدري يتوفر على 33 مقعداً «من اصل 383 هي عدد مقاعد البرلمان العراقي» فيما لا يتوفر الحزب الشيوعي سوى على» مقعد واحد». ناهيك عما يمكن للكتل الاربع الاخرى في التحالف, ان تتوفر عليه من قوة, كونها جديدة وذات خبرة متواضعة في العملين... الحزبي والسياسي.

تبدو تبريرات رائد فهمي، سكرتير الحزب الشيوعي العراقي لقيام تحالف كهذا مقبولة نظرياً وإن كانت غير مُقنِعة, وبخاصة ان حوارا معمقا حول قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية مع التيار الصدري لم تجر او تتبلور وفق اتفاق او برنامج مُلزِم, يعرف كثيرون ان زعيم التيار الصدري لا يلتزم به... طويلاً.

صحيح ما يقوله شرف:ان مطالب التحالف «حول الاصلاحات ومحاربة الفساد وتحسين الخدمات لا ترتدي طابعا طائفيا, وهي مكرّسة من اجل مشروع وطني مدني يهدف الى تحقيق العدالة الاجتماعية».. الا انه صحيح ايضا ان هناك قوى ديمقراطية وذات افق سياسي اوسع يمكن التحالف معها. وليس مأثرة كبيرة ان هذه المطالب «سمحت للناس الذين ينتمون الى حركة إسلامية وعلمانية في العمل معاً».. فهذا يتم عبر جبهة وطنية واسعة ومتنوعة, وفي إطار برامج سياسي واقتصادي واجتماعي بأفق تقدمي، «اما قوله: ان العمل المشترك بين مدنيين ورجال دين يُعدّ تجربة ثقافية وسيكون له تأثيرات على المجتمع العراقي». فنحسب ان «اختبار النتائج»في الثاني عشر من أيار, هو الكفيل بالإجابة عليه وليس الجزم به منذ الآن.

kharroub@jpf.com.jo