اللحظة السياسية الراهنة توجب تحكيم العقل، فمثلما كان متوقعاً، واجهت الحكومة مناهضة للسياسات الاقتصادية المرسومة مؤخراً وظهرت أصوات تطالب باعادة النظر في اتجاه البلاد سياسياً من ناحية ضرورة وجود حكومات برامجية تتحدث للناس بلغة مفهومة عن ما تبغي تحقيقه في فترات زمنية محددة بحيث يكون خاضعاً للمتابعة و المساءلة.

منذ عام ١٩٨٩ و الحكومات في الأردن تتعرض لاجهاض سريع مع تفاوت المدد الزمنية لاستمرارها و غالباً بدواعي الاحباطات الشعبية من عملها و قدرتها على الانجاز و في العشر سنوات الأخيرة التي أراد فيها الملك للحكومات أن تمارس عملاً مؤسسياً لم يكن ذلك ليتحصل دون استمرار الحكومة في السلطة لثلاث أو أربع سنوات، و رغم ذلك استمرت المناهضات المرتبطة بمساعي التصحيح الاقتصادي التي طالما انعكست آثارها على الناس.

الملك قبل الناس يريد للحكومة أن تكون منتجة، و ليس سرّاً أن الملك وجد نفسه مضطراً أن يتابع تنفيذ الاستراتيجيات المرسومة مباشرة.

الحكومة طلبت من الناس مهلة مع نهاية العام الحالي أو بداية العام القادم للحكم على عملها لكن دعوة الحكومة لم تلاق اذاناً صاغية و ربما هذه جزئية تحتاج التفكر في أهمية مراجعة علاقة الثقة ما بين الحكومات و الناس.

لا يمكن أن يتسنى للحكومة نيل دعم شعبي لقراراتها وسياساتها ما دامت فجوة الثقة غير مردومة.

الأهم من كل هذا أن الخطاب الحكومي لم يصل إلى الناس كما يجب منذ سنوات و ذلك ساهم في تفاقم أزمة الثقة الموجودة أساساً.

لا شك أن علامات فارقة في المسيرة الاقتصادية ستدعم ثقة الناس بالاتجاه الاقتصادي للبلد و لكن ذلك لم يحدث منذ سنوات و حتى إن حدث فالناس لم تلمس ذلك لأن حكم الناس مربوط بأثر السياسات الاقتصادية في حياتهم.

الملك، و هو رمزية الدولة، يلتحم مع رغبة الناس في حصول تغيير في النهج السياسي و الاقتصادي فيما الادوات التنفيذية للدولة تحاول تلمس طريقها في الأرض الوعرة.

و بعيداً عن كل ذلك، رمزية الدولة يجب أن تظل بمعزل عن كل مساحات الاشتباكات السياسية الداخلية، و هي ليست مسؤولية الحكومة فقط بل أيضاً مسؤولية أي أصوات ترتفع لمناهضة الحكومات.

الضغط على الحكومات للتغيير من الممكن أن يحدث بدون اساءة وفي اطار المناهضة المتحضرة.

قرأت منشوراً لناشط في احد الحراكات أمس يقول فيها بما معناه أن رمزية الدولة خارج سياق ما يجري، و هذه هي الخلاصة من المخاض السياسي الحالي.

الضغط على الحكومات ليس خطيئة و ليستمر...

sufwat.haddadin@gmail.com