فرضت عملية «غصن الزيتون» التركية في عفرين معادلة جديدة في الشمال السوري في ظل تحولات الأزمة السورية مع الإعلان عن نهايات حرب «الإرهاب» وبروز حروب «الوكالة» الدولية وتقاسم النفوذ والسيطرة، فقد أفضت العملية التي انظلقت في 20 يناير الماضي إلى خلق واقع مغاير وبروز تفاهمات تركية مختلفة مع القوتين الأمريكية والروسية على أسس جديدة، فالعملية خلقت وقائع صلبة على الأرض وحملت الأطراف الفاعلة على الإقرار بالنفوذ التركي في الشمال السوري، فبعد أقل من شهرين على بداية العملية التركية أحرزت قوات «غصن الزيتون» تقدما حاسما وباتت على مشارف مركز مدينة عفرين وارتفع عدد القرى والبلدات التي تم السيطرة عليها إلى 130 وهو ما يعادل نحو 38% من مجموع قرى عفرين ومن ضمنها 5 بلدات رئيسية، وهي جنديرس وشرا وراجو وبلبلة والشيخ حديد.

في ظل تسارع وتيرة العمليات في عفرين تبدلت المواقف الأمريكية والروسية، وأصبحت أكثر واقعية، وعقب جولات من اللقاءات قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في تصريحات للصحف الألمانية، إن أنقرة توصلت لاتفاق مع واشنطن بشأن منبج ومناطق شرق الفرات، وكان أوغلو قد قال في تصريحات سابقة له مع نظيره الأمريكي ريكس تيليرسون: لقد توصلنا لاتفاق مع أمركيا بشأن تحقيق الاستقرار في منبج وفي المدن الواقعة في شرق الفرات، موضحًا أنه تم تشكيل مجموعات عمل للقسام بذلك، وقال أردوغان الجمعة الماضية «نحن في عفرين اليوم، وغدًا سنتجه إلى منبج، وبعد غد سنصل إلى شرق الفرات للقضاء على الإرهابيين حتى الحدود العراقية».

على الطرف الآخر توصلت تركيا إلى تفاهمات جديدة مع روسيا، فبحسب معلومات موثوقة لصحيفة «الشرق الأوسط»، حط مسؤول عسكري روسي رفيع المستوى في دمشق قبل يومين، حاملاً رسالة من الرئيس فلاديمير بوتين إلى رئيس النظام السوري بشار الأسد، تحدد بوضوح نقاط انتشار قوات الحكومة شمال حلب مقابل الجيش التركي، ما يعني ترك عفرين والشمال السوري إلى التفاهمات الروسية - التركية – الإيرانية، وبحسب المعلومات فإن القيادي العسكري الروسي قام بزيارة عملياتية غير معلنة إلى دمشق، تضمنت تسليمه إلى الجانب السوري خرائط انتشار نقاط المراقبة للقوات الحكومية شمال البلاد، بحيث يتم نشر 10 نقاط قرب أعزاز وتل رفعت ونبل والزهراء التي تسيطر عليها قوات الحكومة وحلفاؤها من تنظيمات تدعمها إيران لتضاف إلى 7 نقاط أخرى أقيمت سابقاً، على ألا تقترب هذه النقاط من عفرين التي قضت التفاهمات بين موسكو وأنقرة وطهران بأن تذهب إلى الجيش التركي وفصائل سورية معارضة تدعمها أنقرة، وفي مقابل هذه النقاط، سيقيم الجيش التركي 12 أو 13 نقطة مراقبة في أرياف إدلب وحماة وحلب، إضافة إلى مواصلة عملية «غضن الزيتون» لربط مناطق «درع الفرات» بين حلب وجرابلس ومناطق إدلب.

خارطة توزع النفوذ والسيطرة الجديدة بين تركيا وأمريكا وروسيا أصبحت أكثر وضوحا، فبموجب التفاهمات مع روسيا حسب إبراهيم حميدي تربط تركيا مناطق «درع الفرات» التي تبلغ مساحتها أكثر من 2100 كيلومتر مربع مع مناطق عفرين التي سيطرت إلى الآن على ألف كيلومتر مربع منها. وهي تسعى إلى توسيع منطقة نفوذها لتكون الثالثة من حيث المساحة بعد منطقة النفوذ الأميركي البالغة ثلث مساحة سوريا (وهي 185 ألف كيلومتر مربع) وقوات النظام وروسيا وإيران التي تسيطر على نصف مساحة البلاد، ولا تزال أنقرة متمسكة بتوسيع العمليات إلى منبج، وهي تأمل بالتوصل إلى تفاهم مع واشنطن حولها رغم استمرار عدم الثقة، وقد أبلغ الجانب الأميركي بوضوح القياديين الأكراد أن لا علاقة له بعفرين، وعد بالدفاع عنهم شرق نهر الفرات.

في سياق تبدل مواقف الدول الفاعلة وإعادة بناء التفاهمات، تغيرت علاقاتها مع حلفائها من غير الدول والفصائل المقاتلة، ففي الوقت الذي أعادت الولايات المتجدة النظر في التعامل مع حلفائها الأكراد شرق الفرات، لجمت روسيا الفصائل والمليشيات ورسمت لها حدود النفوذ، وعمدت تركيا إلى التخلي عن هيئة تحرير الشام ــ النصرة سابقا، بعد أن اكتملت معضلة نصرة الجولاني بفقدانها القدرة على تلبية متطلبات تنظيم القاعدة من جهة وتركيا من جهة ثانية، حيث برز مكون جديد موال لتركيا بإعلان حركتي «نور الدين زنكي» و»أحرار الشام الإسلامية» ومجموعات صغيرة اخرى في 18 شباط/ فبراير 2018 عن اندماجهم في جسم عسكري موحد تحت اسم «جبهة تحرير سوريا»، وبدأت رحى المعارك تدور بين هيئة تحرير الشام وجبهة تحرير سوريا، وسرعان ما فقدت النصرة بعض مناطق سيطرتها.

في ذروة الاقتتال بين جبهة تحرير سوريا وهيئة تحرير الشام، استغل تنظيم القاعدة المتغيرات بالإعلان عن تأسيس تنظيم «حراس الدين»، وبهذا فقد أثمرت الاستراتيجية التركية المتدرجة إلى جانب استراتيجية القاعدة الصبورة إلى تفكيك «هيئة تحرير الشام» وإضعافها، وقد أدى النهج الراغماتي للجولاني إلى خلافات كبيرة بين القاعدة والنصرة لكن العلاقة لم تصل حد القطيعة، لكن العامل «التركي» كان حاسما في حتمية القطيعة.

يمثل تنظيم «حراس الدين» في سوريا صيغة قاعدبة باتت مألوفة، وقد تأخر الإعلان عنها بسبب الصراع على تمثيل «الجهادية» العالمية في الساحة السورية، والذي أسفر عن انقسام تنظيم «القاعدة» وبروز تنظيم «الدولة الإسلامية» أولا، واحتكار جبهة النصرة تمثيل «القاعدة» في بلاد الشام ثانيا، لكن عقب تحولات النصرة وفك الارتباط بتأسيس «جبهة فتح الشام» في 28 يوليو 2016 ، ثم الإعلان عن تشكيل «هيئة تحرير الشام» في 28 يناير 2017، بات الظواهري زعيم تنظيم القاعدة المركزي على يقين أن زعيم النصرة الجولاني يتلاعب بميراث القاعدة، ويعمل على تأسيس جماعته الخاصة ويحتهد بالحيلولة دون قيام ملاذ آمن للقاعدة في سورية، التي شرعت بتأسيس جماعتها الخاصة بالاعتماد على القيادات التي رفضت فك ارتباط النصرة بالقاعدة والتزمت ببيعة الظواهري.

خلاصة القول أن التفاهمات التركية الأمريكية الروسية أفضت إلى خلق واقع جديد في سوريا عموما ومناطق الشمال خصوصا، وأدت إلى إعادة رسم حدود النفوذ والسيطرة، كما خلقت دينامية جديدة أفضت إلى تفكك كيانات وفصائل وبروز أخرى، ومن أبرزها تشكيل جبهة تحرير سوريا، وعودة تنظيم القاعدة الذي أصبح لديه فرع واعد في سوريا من خلال تنظيم «حراس الدين»، الأمر الذي يدشن حقبة جديدة في سوريا بتحول طبائع الأزمة، لكنها حقبة هشة وتتوافر على كافة عوامل عدم الاستقرار.