كان من اللافت ما اكده الرئيس الاميركي بانه متمسك بخططه لغرض تعرفات جمركية بنسبة (25%) على واردات الولايات المتحدة من الصلب و (10%) على وارداتها من الالمنيوم وذلك بغية تحقيق الهدف النهائي المتمثل بتخفيض معدلات البطالة بين العمال الامريكيين، وقد كان لهذا التوجه صداه البالغ لدى الاوساط الاوروبية حيث جاءت اول ردود الفعل من فرنسا التي اكدت بان مقترح ترامب يعتبر حاجزا تجاريا سيضر بالمصالح الامريكية على المدى البعيد وان على اوروبا ان تظهر قوتها وان ترد بحزم على مثل هذا التوجه.

والواقع ان اهمية موضوع فرض اميركا للتعرفة الجمركية على وارداتها لا يأتي من كون ان هذه النسبة كبيرة او صغيرة او انها ستفرض على واردات من دول بعينها، بل ان الاهمية تكمن في ان هناك حالة من التراجع الامريكي عن ثوابت فلسفتها الاقتصادية وعما سوقت له بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار سور برلين من ضرورة توقيع العالم على اتفاقية التجارة الدولية وان النظام الاقتصادي الجديد لم تعد فيه اي مساحة لسياسة الحماية للصناعات الوطنية وان حرية انتقال السلع والخدمات ورأس المال هي اساس التوجه الجديد وان الية السوق وقوى العرض والطلب هي التي يجب ان تحدد اثمان السلع وان الاساس في كل ذلك هو سعي كل دولة في العالم الى تطوير درجة تنافسيتها باعتبار ان تقدمها في المراتب التنافسية العالمية هو اساس نجاحها في الاقتصاد وهو عنوان هام يشير الى قدرة اي اقتصاد ان يدخل بوابة المستقبل من باب الابداع والمعرفة.

هذه الفلسفة الاقتصادية التي بنيت على اساسها اتفاقية التجارة الحرة والتي جاءت على انقاض اتفاقية التعرفة والتجارة والتي كانت تعرف باسم « الجات « نقول ان الاتفاقية الجديدة للتجارة حاولت ارساء ثوابتها التجارية على العالم واول من انصاع الى تطبيق هذه الثوابت هي الدول النامية، غير ان ماتشاهده اليوم ان اول من تمرد على هذه الاتفاقية هي الدولة الام التي فرضت هذه الاتفاقية وان العالم الغربي في اوروبا وامريكا هو المعني قبل غيرة في ان يشكل مثالا يحتذى لحرية التجارة الدولية، اما ان يصار الى القفز فوق كل ثوابت هذه الحرية لان المصلحة الوطنية باتت تتطلب فرض نوع من الحماية للصناعات الوطنية فهذا ما يعطي اهمية استراتيجية كبيرة لتوجهات امريكا اذ انه ليس مجرد خروج عن النص بل هو خروج عن النهج الاقتصادي العريض والذي يخشى ان يكون مقدمة لتشييع اتفاقية التجارة الحرة الدولية وبالتالي يدخل الاقتصاد العالمي الى مساحة اقتصادية جديدة تكون اقرب الى التدخلية منها الى الحرية.

* رئيس غرفة التجارة الدولية