تكتظ شوارع عمان كل صباح بالحافلات ذات اللون البرتقالي، تقل طلبة مدارس خاصة، تزاحمها مركبات أهالِ أيضا يقلون ابنائهم الى تلك المدارس، الى حد أن كثير من المواطنين باتوا يتجنبون هذه الفترات، لزحمة الطرقات المؤدية الى المدارس، التي باتت مزروعة في كل حي و منطقة.

هذه الظاهرة، توحي بأن حجم الاقبال على المدارس الخاصة كبير، لما يفترض ان يكون لها من دور ريادي وتعليم أفضل، من نظيراتها «الحكومية»، خصوصا ان الفرق في الرسوم بين الاثنتين كبير، الى حد ان رسوم «الخاصة» يتجاوز كلفة التعليم الجامعي في غالبية المدارس.

لكن السؤال، هل جميع المدارس تتبع اسلوب تدريس نوعي للطلبة؟ وهل تستقطب معلمين ذا كفاءة وخبرة مميزة؟ وهل امتيازات هؤلاء المعلمين أفضل؟

بكل تأكيد الجواب، لا، فيما يتعلق بغالبية تلك المدارس، بالعكس، بات الفرق بينهما يتجسد فقط، بشكل المبنى وارتفاع الرسوم وغيرها، وطلبة يأتون ويغادورن المدارس بحافلات خاصة، لا مشيا، كما في الحكومية، وان كل طالب يرتدي لباس مدرسته الذي يميزه عن طلبة مدارس أخرى.

ومن بين اشكاليات عديدة، يمكن لأي ولي أمر طالب ان يلمسها، هنالك اشكالية، تتطلب لحظة توقف عندها، تتمثل في دور هذه المدارس الخاصة في عملية التعليم والنهج والاسلوب المتبع، وتحديدا عند الطلبة في الصفوف الاولى بدءا من الصف الاولى وحتى الصف الرابع.

وعند تشخيص هذه الحال، لابد بداية أن نتساءل، لماذا طلبة هذه الصفوف يفرحون بقدوم ايام العطل او في اوقات الانشطة الاحتفالية؟ ولا يكونوا كذلك في حصص العلم والتعلم؟ والاجابات على هذه التساؤلات قد تساعد في إزاحة الستار عن المخفي.

حسب واقع الحال، فإن كثير من المدارس، لا تتحمل مسؤولية التعليم بالمفهوم الحديث، وان العبء الاكبر يقع على الاهالي، إذ يذهب الطالب الى المدرسة، ليعود الى البيت يحفظ عنوان الدرس أو رقم الصفحة في الكتاب لهذا العنوان، وبجعبته ورقة الواجبات البيتيتة، والتي في مضامينها وتنفيذ ما هو مطلوب، يتطلب ساعات وساعات من الجهد والتفرغ للتنفيذ المطلوب، لتتحول الام أو الاب الى معلمة، ويصبح البيت مدرسة أخرى، متناسين، ان هذه الفترة من عمر الطفل تتطلب مراعاة خاصة تراعي نفسيته، بما يحفزه ليكون محب للمدرسة لا كارها لها، متشوقا لمعلمته وامه لا خائفا منهما.

وبدلا من ان تكون حالة التقييم داخل أروقة المدرسة بين الطلبة، يصبح المعلمين والمعلمات، مقيمين لأداء اولياء الامور، من خلال أداء أبنائهم في المدارس، الى حد ان كثير من أولياء الامور ينشئون مجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي لتبادل الخبرات والحصول على اجابات، وأحيانا يصبح التنافس بين الاباء، وليس بين الطلبة أنفسهم، ليصبح الطالب إما بطلا او ضحية، حسب علاماته.

وتزداد الامور صعوبة وتوترا، في فترات الامتحانات، فتتحول البيوت الى غرف طوارىء، لا زيارات متبادلة، لتشكل حالة «انقطاع» كامل، تصل الى حد تقديم إجازات وتحديدا من الامهات العاملات لتجاوز هذه المرحلة بسلام.

وفي بعض المدارس، والحديث هنا ايضا عن الفئة العمرية من الصف الاول الى الرابع ذاتها، لا يولي المعلمين والمعلمات التصرفات بين الطلبة اي ادنى اهتمام، والتي في بعضها قد تشكل عقدة نفسية تذهب بالطالب الى كره المدرسة، والخوف من الذهاب اليها.

فهل يعقل ان يتجاهل المعلم او المعلمة، سلوكيات طلبتهم، داخل الغرفة الصفية، بأن تقوم مجموعة منهم بنبذ احد زملائهم من حيث الامتناع عن الحديث معه او اللعب معه؟ وماذا سيكون ردة فعل الطالب في اليوم التالي؟ والذي سيكون ضمن إطار: إما الانتقام واللجوء الى نفس السلوك او الى سلوك عنف او الامتناع عن الذهاب الى المدرسة.

ارتفاع رسوم المدارس الخاص مقارنة بالحكومية، يجب ان يكون مرده ليس فقط شكل المبنى او طبيعة المنهاج والمرافق المتوفرة فقط، إنما يجب ان تلك المظاهر إنعكاسا لمضمون مضمون نوعي وجيد لما يجري داخلها.

وسؤال اخرى، هل حاولت الجهات المسؤولة يوما ان تقوم بجولات تفقدية عشوائية على مدارس خاصة، لترصد تلك الملاحظات؟ التي يحاول اولياء الامور حلها بشكل فردي وشخصي، لا مؤسسي وبشكل نهائي. وهل قامت تلك الجهات برصد حجم اوزان الحقائب المدرسية التي يحملها هؤلاء الاطفال يوميا؟

تسليط الضوء على المدارس الخاصة، ليس منطلقه التجني، وقد يكون هذا الوضع ايضا موجود في المدارس الحكومية، إنما من منطلق ان اولياء الامور يسعون عندما يقرورن الحاق ابنائهم في مدارس خاصة الحصول على تعلم وتعليم وبناء شخصية، ولا يأتي ابدا من باب الرفه الاجتماعي (البرستيج).

ما سبق ينطبق على نسبة كبيرة من المداس الخاصة، ولا يعمم على جميعها، فهنالك مدارس خاصة، تعتمد اسلوب تدريس نوعي في مختلف النواحي التعليمية و التربوية وبناء الشخصية. ليكون السؤال لماذا هذا الاختلاف في ضوء ان الجميع يخضع لمنظومة تعليم واحدة؟