إربد - أحمد الخطيب



نظم ملتقى إربد الثقافي مساء أول من أمس حفل إشهار وتوقيع رواية « الغداء الأخير» للروائي توفيق جاد، وشارك في الحفل الذي أدار مفرداته الباحث عبد المجيد جرادات، الشاعران عبد الرحيم جداية وأحمد طناش شطناوي، وسط حضور نخبة من المهتمين.

استهل الحفل الشاعر جداية بورقة جاءت تحت عنوان « المشهد الخفي في رواية الغداء الأخير»، عرض في أبوابها الأولى لجملة من الإضاءات التي تساعد في تشكيل الذهنية الروائية، من مثل: غياب الشخوص وحضورهم في المشهد الدرامي، وقيمة الانتشار الأفقي في الجغرافية العربية والعالمية في رواية المحتفى بروايته، إلى ذلك بيّن أن الرواية قامت على مشهدين، أحدهما افتتاحي والآخر ختامي، واضعاً سؤالا منهجياً للانطلاق في قراءته وهو: هل يشكل المشهدان خطا هندسيا مستقيما بين الخوف والموت؟.

واعتبر أن ثيمة المشهد الافتتاحي في الرواية هو الحلم، حيث تتجاور الجمل والتراكيب، وصور اشتعال النار، مع مناظر الرعب، والقلوب المنفطرة، وانطفاء الشموع، تتجاور كلها في مشهد يشكل الافتتاح به تمهيدا روائيا، توصلنا عبر المشاهد المتتابعة، والمتجاورة، والمشاهد المتناظرة، إلى مشهد ختامي يشكل تكوين الرواية، مؤكداً أن الغداء الأخير هي رواية المشاهد باقتدار.

إلى ذلك عرض لتفسيرات الحلم في المشهد الافتتاحي، حيث توقع الراوي كما يرى جداية بأن الواقع سوف يقوم بتفسير حلم الشخصية الرئيسية يوما ما، أو سوف يفسر الواقع الحلم الذي لم يفسره والداه، كما لفت النظر إلى أن الحرب عندما هربوا من المخيم نحو قمة جبلية استمرت في تفسير الواقع، وأن الحرب لا يفسرها موقف واحد من قصف ودمار، بل يفسرها الانقسام والتشتت والضياع، إلى أن تصل رؤيته بأن صراخ الطفل وولادته خلال القصف هو تفسير آخر للحلم الدال على التجدد والتحدي والبدء من جديد، ليتشكل التفسير ما قبل الأخير بالنزوح شرقا نحو الأردن، ثمّ يأتي بعدها برؤية جاذبة لتفسير الحلم بالحب.

كما تناول المشاهد الخفية في الرواية التي تشكلت من مشاهد مجسّمة في افتتاح العمل الروائي وفي خاتمته، حيث قدم الروائي مشاهد حيّة متعددة، ولكن المشاهد الخفية شكلت عاملا في تجسيد الرواية بين المرئي والمتخيّل، ومن المشاهد الخفية التي عاينها جداية، وفاة والد صالح، زفاف نبيلة، زواج حلا، وفاة والد ياسمين، وجميعها شخوص مؤثرة في عملية البناء الروائي الذي قامت عليه الرواية.

وخلص الشاعر جداية في ورقته متسائلاً: هل الغداء الأخير هو حلّ منطقي مارسه الكاتب أم أن الغداء الأخير حلّ جنوني مارسه أبطال الرواية، ليرسم الخاتمة بموتهم وخروجهم من مشهد الحكاية، لتبقى حكاية الغداء الأخير قصة يتناقلها الرواة في مجالس السهر.

تلاه الشاعر شطناوي بشهادة إبداعية تحت عنوان « مرجل الذاكرة ونار الذكريات»، حيث قدّم لها بفيوض نصية تقارب البنية الوجدانية للعمل، ثمّ عرض لشهادته، معتبراً أن جاد والرواية وذاكرة المكان وعين الزمان شواهد نصبت خيامها في مضارب القارئ، فما أن تفتح الصفحة الأولى وتبدأ بالحلم حتى تنتقل مبحرا من عالم الخيال إلى عالم الحقيقة.

وأضاف أن للحزن صنعة، ولا يتقنها إلا من تجرع الحزن بكأس من لهيب الذكريات، فكانت الصورة واضحة جليَّة، ولكن لا بد من شعلة أمل كما يرى تخفف وطء هذه الأحزان المتراكمة، حيث استطاع جاد أن يراوح بين هذا وذاك، واستطاع أن يدخل القارئ في حالة من الاستقرار المؤقت، ليعود في محاولة أخرى مشعلاً نار الحزن تحت مرجل الذاكرة لتغلي أم الذكريات.

ولفت النظر إلى أن ما يميز الروائي جاد دقته العالية في الوصف والتوصيف، فهو رسام بارع في نسج خيوط الوصف ضمن نسيج الرواية، يحيك صورة ذهنية بارعة تنقلك للحدث وأنت جالس في مكانك، تتجول بك في الأماكن لتستمع إلى حوار الشخصيات الروائية، وتعيش في أجواء الرواية ضمن تفاصيل دقيقة، وكأنك تمتطي بساطاً طائرا يحلق في سماء الواقع الذي نسجه.

واعتبر أن دقة الوصف والتوصيف حالة إبداعية، تخلق مشهداً دراميا تصورياً لدى القارئ، وهذا يضيف عنصرا من التشويق لمتابعة الأحداث، وهذا ما قدمه لنا جاد في رواية الغداء الأخير.

أما اللغة الروائية عند جاد فيرى شطناوي أنها كانت لغة متزنة مرنة، وهذا يؤكد على أنه متمرس ويحمل مخزوناً كبيرا من المفردات، ومجيدٌ في تركيبها لصناعة جملة روائية مذهلة، اتسمت بقصرها وغناها بالمعنى، وفي ختام شهادته ألقى قصيدة شعرية أهداها للمحتفى بروايته.

ومن جهته قدّم الروائي جاد ورقة بعنوان « من رحم الآلام تولد الآمال»، تناول فيها الشرارة التي أوقدت مسارب العمل التي اتجهت لملامسة وتأثيث حرب حزيران 1967، كما لخص حيوات العمل واحتفائها بالولوج إلى ظلال الحلم، بعدما علا لهيب القلوب المتعطشة للحياة والأمل.

واعتبر في محاور ورقته التي تناولت فلسفة العنوان، أن فلسفة ليوناردو قامت على فلسفة الانتحار الجماعي على وجبة عشاء، أما فلسفة « الغداء الأخير» فقد قامت كما يرى على أثر من آثار الشتات الكثيرة.

وقال في ورقته التي عرض فيها أيضا للشخوص ومدلولاتها، إنه وثق من خلال روايته للزمان والمكان والحدث، وغمز بعين الشاهد والراوي إلى بعض من مآسي الشتات وبعض من مشكلاتنا المجتمعية والتي تأثر فينا تأثيراً سلبياً، تصل في بعض الأحايين إلى درجات من التعقيد يصعب أو يستحيل حلّها.