لا يخفي الدكتور كامل العجلوني زهوه وهو يصف «المركز الوطني للسكري والغدد الصماء والوراثة» بأنه المؤسسة العامة الخدماتية الوحيدة في الأردن المكتفية مالياً، وهو في ذلك يشير إلى أن إدارة الموارد في هذه المؤسسة العلاجية الأكاديمية استطاعت أن تحقق المعادلة التي استحال على الحكومات المتعاقبة تحقيقها لمعالجة الأزمة الاقتصادية المستعصية بأسلوب ومبدأ إدارة الموارد لتحقيق شعار «الاعتماد على الذات».

فكرة «المركز الوطني للسكري» نشأت من الإحساس بأن مرض السكري يشكل في الأردن ظاهرة مقلقة لسرعة متناميه بين مختلف الشرائح الاجتماعية. الإنطباع القديم يقول إن السكري مرض الأغنياء، لكن الأرقام والمؤشرات التي وثقتها وزارة الصحة والجهات ذات الصلة أظهرت بأنه، مرض الفقراء، وعندما عرضت تلك الشواهد على الأمير الحسن رئيس المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا، اختار د. العجلوني لإنشاء مركز متخصص في ريادة إنشاء مراكز مماثلة بعدد من دول المنطقة، فصمم المركز الأردني بمواصفات ربما لم تكن مسبوقة عالمياً، حيث اتخذ التشخيص والعلاج لهذا المرض نهجاً تشابكياً مع كل ما يتصل بالغدد والإعتبارات الوراثية.

لم يكن سهلاً لمركز السكري التابع قانونياً للجمعية العلمية الملكية والمتصل تنفيذياً بالجامعة الأردنية، أن يحافظ على استقلاليته الأكاديمية والمالية خصوصاً بعد أن تخلت الحكومة منذ ثماني سنوات عن دعمه مالياً.

يُسأل د. العجلوني عن مشكلة الرعاية الصحية في الأردن ومدى المعاناة من وطأة موجات اللجوء من دول الجوار، فيجيب بوضوح أن مشكلتنا في الرعاية الصحية تكمن في عجزنا عن وضع أولويات واضحة.

هي رؤية مختلفة عن الشائع ومتميزة في القدرة والجرأة على القراءة العامة من موقع الإختصاص الذي يحتاج الناس إلى معرفتة، حتى وإن اختلفوا معه.ولن تكون المرة الأولى التي يختلف فيها كثيرون مع أكاديمي مثقف كتب في الطب بمثل كما كتب في الأديان والثقافة الزوجية.

يشكل مرض السكري ومضاعفاته الصحية والنفسية واحداً من المعضلات الأممية التي تأخذ أحياناً شكل الوباء، اذا جاز لنا التعبير. من موقعكم المرجعي في هذا المجال أين نقف الآن من حيث حجم انتشار المرض وكلفته على الدولة والأفراد.. ومدى انعكاساته الاجتماعية ومنها العجز الجنسي الذي كنتم أعطيتم له أرقاما محلية أخافت الكثيرين؟

بداية أقول أن إجابتي تعتمد على الأرقام، في وقت أن الناس للأسف لا تحب الأرقام، فيستمعون إلى الشائعة وبصدقونها، ومنهم من يتحدث دون مرجعية علمية، وأخص هنا غالبية الأطباء.

بدأت أول دراسة تتعلق بمرض السكري في عام 1993 وكانت نسبته بين الأردنيين البالغين فوق سن الـ25 بحدود 25%، وفي عام 2016 آخر دراسة تم عملها لأربعة آلاف ونيف من المواطنين فوق سن الـ25 بلغت 46%.

ونفس الرقم تقريبا إذا لم يزداد لديه ارتفاع في التوتر الشرياني، ونفس الرقم أيضا في اختلاط الدهون، وضعف الرقم في زيادة الوزن والسمنة.

لكن كل يوم يخرج شخص غير مؤهل، سواء أكان طبيبا أو غير طبيب ويعطي أرقاما من جعبته، لا تعتمد على دراسة، وأي دراسة إذا لم تنشر في مجلة علمية معترف فيها عالميا، وتقيّم علميا فلا قيمة لها. لذلك عندما نتكلم عن الأرقام، فلدينا دراسة، ووزارة الصحة لديها دراسة بدأت في عام 1993 وانتشرت عام 1995، والأرقام جميعها لدى وزارة الصحة في الأعوام 1996 و 2004 و 2007 وفي 2016 متطابقة، ولا يحق لأحد أن يتجاهل هذه الأرقام.

كلفة المرض على الدولة غير مقبولة، فهو يكلّف 2 مليار دينار، وليس الإنفاق الحكومي الذي يعادل 20 إلى 24 بالمائة من الميزانية العامة، وهذا رقم مفزع.

فعلى سبيل المثال إذا قلنا بأن هناك ثمانية أشخاص توفوا في الزرقاء أو في عمان من تسمم شاورما، يتم اجتماع لمجلس الوزراء، في وقت نجد في كل يوم يموت 50 إلى 100 شخص من السكري ولا تعيرهم الحكومة أي اهتمام، والأسباب أن الدولة والشعب يتعاملون مع أي مشكلة، سواءً بيتية أو عائلية أو مجتمعية بمفهوم الفزعة.

مرض أي شخص دون أي مضاعفات له انعكاسات اجتماعية عظيمة ومهمة، فمرض الزوج أو مرض الأب له تبعات اقتصادية على العائلة، وله تبعات اجتماعية، فالأب المريض يختلف عن الأب الصحيح، وكذلك الأم وهكذا.

لقد مضى علينا 20 سنة ونحن نتحدث عن مضاعفات السكري ولم يهتم أحد، وعندما قلت بأنه يؤثر على العلاقة الزوجية، فكل المحطات الإذاعية والتلفزيونية تحدثوا معي. نعم.. العجز الجنسي في الأردن منتشر، في سن الثلاثينيات بنسبة 30 بالمائة، وفي الأربعينيات 40 بالمائة، وهكذا. وهذه دراسة تم عملها في جامعة العلوم والتكنولوجيا. وقد قمنا بعمل بحوث تعتبر مرجعا على مستوى العالم بأن النسبة تتضاعف عند مريض السكري، وهذا العجز في العلاقة الزوجية، هو خلل يصيب النساء كما الرجال على حد سواء.

تأسيسكم للمركز الوطني للسكري والغدد الصماء والوراثة في الأردن جاء ذروة تئاسيسكم سلسلة من المراكز الإقليمية كان لكم فيها فضل السبق في الإنشاء والتميز في مجال إختصاص حيوي أضفتم له اختصاصات فرعية عديدة حان وقت تقييمها من منظور مهني علمي محايد:

لم يكن السبق لي.. عندما تم عمل أول دراسة وتأكدت من دراسة مطابقة لوزارة الصحة، كان رئيس المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا الأمير الحسن ولا يزال، فنقل هذا الخبر بعد التأكد منه، وعقد عدة مؤتمرات في الأردن للنظر في هذه النتائج بأن هناك مشكلة وطنية. فأمر الملك الحسين بعد أن سوّق الأمير الحسن الفكرة في إنشائه، وكنت حينها خارج العلوم والتكنولوجيا عندما حصلت على ترخيص لعمل مركز سكري خاص، ورخّصت لذلك، فدعيت من قبل الأمير الحسن وكلفني بإنشاء المركز.

نحن أول مركز في الإقليم وحتى في المراكز العالمية يختلف عملنا عن عملها. مركزنا مركز بحث، ونحن لم نفصل السكري عن الغدد، لأن السكري مرض غدد. فلدينا السكري والغدد والوراثة.. نحن نتكلم عن ثلاثة حقول، وجاء الاعتراف العالمي فيه، وحصلنا على عدة جوائز باعتبار أننا نقدم خدمة مختلفة ومميزة.

كيف تصفون الوضع الراهن للخدمات الصحية مع وجود اللاجئين السوريين؟ وإلى أين تتجه بنا الأمور في ظل أزمة اقتصادية متفاقمة مع الغلاء وعجز الموازنة وشح المساعدات الخارجية وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية؟

مشكلة الرعاية الصحية ليس لها علاقة لا باللاجئين السوريين ولا بأية أمور أخرى. المشكلة تكمن بعجز الأردن في وضع أولويات واضحة.. فمثلاً مرض مثل السكري لا يوجد التزام من قبل الدولة بالنسبة للرعاية وقبل الرعاية الوقاية رغم أننا وضعنا خطة استراتيجية للوقاية والرعاية لمرض السكري والسمنة والتوتر الشرياني ووافق عليها مجلس الوزراء وأصدرها بقرار، لكن الدولة تخلت عن رصد أي مبلغ منذ ثماني سنوات في هذا الموضوع.

المشكلة الأولى في الأردن ليست قلة الموارد وإنما إدارة الموارد، وهذا ينطبق على كل شيء في وضع الأولويات الصحيحة.

لكن أقول بأن نسب الأمراض التي تحدثت عنها سابقاً عند السوريين نفس النسب لدينا، وهذا متوقع عند اللاجئين، مع الأخذ بالاعتبار أن هذه الأمراض بعكس ما كان شائعا بأنها أمراض الأغنياء أصبحت أمراض الفقراء، فنسبة السكري عند المتعلمين في الجامعات وغيرها أقل بكثير من الفقراء، ونفس الأمر بالنسبة للسمنة والتوتر الشرياني. المفهوم القديم بأن هذه أمراض الأغنياء ليس صحيحا، ليس في الأردن فقط بل في كل العالم.

خدمات «إسأل طبيب» على الإنترنت والقنوات التلفزيونية لها من المنتقدين بمثل ما لها من المؤيدين. ما هو تقييمكم لهذا النوع من الخدمات التثقيفية والعلاجية التي اشتطت في الفترة الأخيرة، فامتهنتها بعض الفضائيات فاصبحت خليطا من الشعوذة والتدليس:

على مدى سنوات عمري وأنا ضد العلاج دون تشخيص المريض، بغض النظر عن الإسلوب، سواءً بالسؤال في مضافة أوعبر الهواء أم الاتصالات، لأنه لا يمكن أن تعالج الناس على حد سواء، فلكل مريض شخصية وظروف وحالات خاصة به، إذا لم يأخذها الطبيب بعين الإعتبار فلا حاجة لوجوده. ولذلك نحن نرفض المشاركة بالأيام الطبية المجانية، وتوزيع دواء دون تشخيص، وأعتقد أنه من الأفضل أن تقتصر الأيام الطبية على التشخيص فقط، دون التطرق للعلاج، فما الفرق بين الطبيب الذي يعالج عبر الهاتف مع الصيدلي الذي يعطي دواء دون «روشيتة»، أو الممرضة التي تعالج، أو المنجم أو الساحر، إذا لم تستند المعالجة إلى قواعد علمية مستخلصة أولاً من السيرة الطبية للمريض، فالتحدث مع المريض هو أهم أمر في بدايات العلاج.

استراحة

تلقى الدكتور كامل العجلوني تعليمه الإبتدائي في العديد من المدارس في كل من الأردن وفلسطين، لأن والده قاضيا شرعيا تقتضي طبيعة عمله التنقل والترحال من منطقة لأخرى في عجلون ، القدس، الخليل، الكرك، عمان، ومناطق أخرى.

حصل أبو صخر على شهادة المترك من كلية الحسين عام 1960 ليلتحق بكلية الطب في جامعة هايدلبرغ في ألمانيا وتخرج فيها عام 1967 وتابع دراسته ليحصل على درجة الدكتوراه في التشريح من الجامعة نفسها عام 1968، انتقل بعدها إلى الولايات المتحدة الأمريكية وتخصص بالطب الباطني ونال البورد الأمريكي عام 1974، وحصل على الزمالة الأمريكية للغدد الصماء والسكري من كلية ويسكنس الطبية في 1975.

وحول ذهابه إلى ألمانيا ودراسته الطب هناك يقول: لم يجبرني والدي على دراسة تخصص معين لأنه يحترم الرأي الآخر ويحترم رأيي ورغبتي في دراسة الطب فأرسلني إلى ألمانيا عام 1961 في حين رفض الشنقيطي–وزير التربية والتعليم - أن يقبلني إلا بالشريعة، وكان محمد نوري شفيق مدير البعثات يقول للشنقيطي: كامل الأول في الفيزياء على المملكة ويجب أن يدرس الطب، فتصادمت معه بالرأي وقلت له: أليس من الأولى أن يدرس ابن قاضي القضاة الشريعة؟ لماذا أرسلت ولدك إلى تركيا؟ فأجابني «قطع الله لسانك».

عاد د. العجلوني إلى الأردن بعد غياب دام أربعة عشر عاما رغبة منه في خدمة بلده واستثمار جميع خبراته ومعارفه التي حصل عليها في بلاد الغرب لصالح أبناء وطنه رغم جدّية العروض المقدمة له سواء أكانت ماديّة أم معنوية، فبدأ التدريس في أميركا معلما سريريا ثم تدرج أثناء عمله كرئيس للمقيمين ثم كزميل في الغدد الصم والوراثة، ولكنه اختار العودة ليربي أولاده كما قال على القيم الإسلامية الصحيحة التي تصقل شخصياتهم لإيمانه أن عليهم أن يكملوا مرحلة البكالوريوس في وطنهم ثم يتجهوا إلى جامعات الغرب لينالوا بقية الدرجات العلمية منها.

في عام 1975 أسهم د. العجلوني في بناء كلية الطب في الجامعة الأردنية وعمل أستاذاً ثم رئيسا لقسم الباطنية ومساعدا للعميد وأشرف بنفسه على تخريج أول فوج في كلية الطب عام 1978، وقد تجاوزت إسهاماته في بدء برنامج الدراسات العليا المبرمج والمتدرج مع تخريج أول فوج في الجامعة الأردنية كامتياز ثم مقيم أول ثم مقيم ثان... الخ، وشارك في وضع قانون المجلس الطبي الأردني الذي يتم من خلاله إخضاع جميع خريجي كافة الدول لامتحان موضوعي بغرض البت النهائي في موضوع معادلة الشهادات الورقية وما يتبعها من إجراءات ومصاعب، وقام بوضع الإطار القانوني والجهاز التنفيذي للهيئة العربية العليا للتخصصات الطبية (البورد العربي)، كما وضع نظام التدريب في الاختصاصات الفرعية الأردنية فأصبح جميع الأطباء يخضعون لامتحانات متخصصة في كل الاختصاصات الفرعية. شغل أبو صخر منصب رئيس المجلس العلمي للأمراض الباطنية (البورد العربي) في الفترة ما بين عامي (1981-1983) بعد ذلك حمل حقيبة وزارة الصحة (1984-1985) وخلال وجوده فيها قام بالعديد من الإنجازات منها تعميم التعليم التمريضي، وإيجاد المراكز الصحية المكتملة، وضرورة أن يبيت الطبيب في مركزه وقد بلغ عدد هذه المراكز 300 مركز صحي منتشرة في جميع أرجاء المملكة. ومن ثم شغل منصب رئيس المجلس الطبي الأردني قبل أن يصبح رئيس جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية لمدة تسع سنوات، وهو أحد أعضاء المجلس الأعلى للتكنولوجيا، ومجلس التربية والتعليم. جاءت الإرادة الملكية باختياره عضوا في مجلس الأعيان في الفترة ما بين عامي (1996-2001) كرئيس للجنة الصحية والبيئية. كما وتوالت مشاركاته في الكثير من الدول العربية والأوروبية بدعوته لإلقاء محاضرات علمية في مجال السكري والغدد الصماء والعلوم الطبية العربية والإسلامية.. نال درجة الدكتوراه الفخرية في القانون- جامعة وندسور- كندا عام 1996، ونال زمالة الكلية الأمريكية للغدد الصم والسكري ، وزمالة الكلية الملكية البريطانية للأطباء.