دراسة وإعداد الدكتورة هند أبو الشعر

الحلقة السابعة عشرة

دمشق عربية في إدارتها :

اعتمد تحسين قدري فيما أورده في مذكراته على التفاصيل الدقيقة في مذكرات شقيقه الدكتور أحمد قدري ، وكان يشير إلى الصفحات في مذكرات أحمد قدري ، ولا يكرر المعلومات ، منذ اللحظة الأولى التي دخلت فيها القوات العربية إلى دمشق ، ولأننا نقرأ هنا مذكرات تحسين قدري ، وبيدنا المذكرات الوافية لأحمد قدري ، فسنركز على ما أورده تحسين قدري أولا ، ونشير إلى المعلومات التفصيلية في مذكرات أحمد قدري .

يقول تحسين قدري : ( إن قوة الخيالة البريطانية رابطت بجوار دمشق ولم تدخل المدينة ، بل دخلناها نحن ، واستلمنا الأمن وإدارة الحكومة ، وكنت أحلم بهذا الحدث التاريخي قبل حصوله ، وسادني شعور غامر بالوطنية والقومية العربية ، وكنت أعمل ليلا ونهارا في سبيل إنجاح هذا الحدث ، ومن اول يوم لدخول الأمير فيصل بن الحسين دمشق ، بادرت بوظيفتي كمرافق خاص وعسكري للأمير ، وقد تمّ الاستيلاء على سورية رغم المقاومة العثمانية في حمص وحماه ، وكان ليمان فون ساندرس قد قررّ وضع حدّ لهجوم القوات العربية والبريطانية ، ولذلك أبقى قوة في شمال حلب بقيادة مصطفى كمال باشا ، وكان الماريشال اللنبي قد طلب من الأمير فيصل مساعدة القوات البريطانية في الهجوم على القوات العثمانية في شمال سورية ، وحالا تحركت القوة العربية بقيادة نوري السعيد وتحسين علي ، وكانت قد تشكلت حكومة عربية بإدارة دمشق وبيروت وحمص وحماة وحلب .. الخ ..)

الأعلام العربية ترفرف في دمشق :

أورد الدكتور أحمد قدري تفاصيل دقيقة لأحداث اليوم الأول من دخول الجيش العربي إلى دمشق ، ومع الجيش العربي النظامي رجال العشائر من البدو ، والمتطوعين من الدروز ، وكان رجال البدو مع نورس الشعلان ، والمتطوعين الدروز مع سلطان باشا الأطرش ، يقول أحمد قدري في صفحة 73 وهي الصفحة التي أحال تحسين قدري القارئ إليها ، ولم يذكر تفاصيلها ، ولا شك بأن الدكتور أحمد قدري كان أقرب إلى الأحداث الإدارية من تحسين قدري ، يقول :

( عندما دخلنا دمشق ، كانت الأعلام العربية ترفرف على مؤسساتها الرسمية ، إذ إننا كلفنا رضا باشا الركابي وشكري باشا الأيوبي بتشكيل حكومة وطنية في دمشق دون انتظار دخولنا ، بعد أن لم يكن في إمكان القوى التركية المقاومة ، إلا أن رضا باشا لم يكن في دمشق ، إذ عينته القيادة العثمانية قائدا عاما للاستحكامات التي فكروا بإقامتها حول المدينة للدفاع عنها ، فاضطلع شكري باشا الأيوبي ورفع العلم العربي بعد ظهر 30 سبتمبر على دار الحكومة ، وكان طيب القلب ، فوحدّ مساعيه مع الأمير سعيد الجزائري وأخيه عبده ، وقبل بتقدمهما عليه ، وعندما بلغت السراي ، كان لورانس قد وصل إليها ، فدهشنا من ذلك لأن المذكورين لم يكونا من الوطنيين الذين يعملون مع فيصل ، وإنما كانا يعملان مع رجال الحكومة العثمانية ، ولهما صلة بفرنسا ، فلم نتحمل هذا الوضع بعد الانتصار الباهر الذي نلناه ، ورغب لورانس في تنحيتهما عن التدخل في شئون الحكم فوافقته على ذلك ...) وقد أشار أحمد قدري إلى خلافات عودة أبو تايه وسلطان باشا الأطرش ، وإلى تدخل الأمير سعيد الجزائري ، وموقف الشريف ناصر .. وكلّ هذا يؤشر على تداخل الصلاحيات قبل وصول الأمير فيصل إلى دمشق وتسلمه الصلاحيات وحسم الأمور .

رغم هذه الخلافات المبكرة بين القوى العربية التي دخلت دمشق ، إلا أن هذا لم يؤثر على جو الفرح الذي ساد الشارع الدمشقي ، يقول أحمد قدري : ( وفي هذا اليوم السعيد ، كان الفرح يغمر سكان دمشق ، والأعلام العربية التي كنا أعددناها من قبل ترفرف في أنحائها ، وكان همنا الوحيد في ذلك اليوم ، تامين الأمن ، ومنع رجال القبائل الذين رافقونا من أن يعمدوا إلى السلب والنهب اللذان تعودا عليهما في حياة البادية ، فطلبت إلى كبير مراقبي الشرطة أن يبلغ جميع أفراده بالاستمرار على أعمالهم كالسابق ، وأن يقوموا بواجباتهم ، فأجابني بأن ذلك يتطلب سرعة تنقله ، وليس لديه ما يركبه ، فسلمته حصاني ، وقام بهذه المهمة على أحسن وجه ، لكن الحصان المسكين بعد أن أعيد إلي قضى نحبه من شدة الإرهاق ..ّ! وكانت دوريات الجند في الشوارع الرئيسية تسهلّ مهمة الشرطة ، وقد وصل رضا الركابي بالوقت المناسب للسراي ، واستلم رئاسة الحكم وفقا للقرار الذي تبلغه ، وفي 3 / 10 غادر فيصل بن الحسين حوران ودخل دمشق ، فاستقبل بحفاوة لا نظير لها ، وحلّ ضيفا في دار محمود بك البارودي في الشابكليه ، وبعد دخول فيصل دمشق ، استأذنه لورانس بالسفر ، وغادر إلى بلاده ..) .

رؤية الأمير فيصل للحكم :

في 5 تشرين الأول من عام 1918 م ، أصدر الأمير فيصل بيانا ، أعلن فيه مفاصل الحكم في سورية ، وهو خطاب المرحلة التي كانت الجمعية العربية الفتاة تنسقها مع فيصل ، والتي تتفق مع رؤية شريف مكة الذي أعلن الثورة العربية الكبرى بناء عليها ، وقد أورد الدكتور احمد قدري هذا البيان ، في حين أن تحسين قدري لم يورده ، معتمدا على مذكرات شقيقه ، فكيف فكرّ فيصل بن الحسين عام 1918 م ..؟ بماذا خاطب أهالي سورية ..؟ وهل نحن اليوم والخراب يلف سورية ويهددها بالتقسيم والتجزئة الطائفية ، هل نراه الخطاب المطلوب ..؟ وهل كانت رؤية فيصل بن الحسين مستقبلية وواعية وهو يخاطب أهالي سورية عام 1918 م ..؟ عشرات الأسئلة تدور في الفكر العربي اليوم وهو يتقطع أوصالا وأفكارا ، يقول البلاغ :

إلى أهالي سوريا المحترمين

أشكر جميع السوريين على ما أبدوه من العطف والمحبة وحسن القبول لجيوشنا المصورة ، والمسارعة للبيعة باسم مولانا السلطان أمير المؤمنين الشريف حسين نصره الله ، ثم أبلغهم المواد الآتية :

1- تشكلت في سورية حكومة دستورية عربية مستقلة استقلالا مطلقا لا شائبة فيه باسم مولانا السلطان حسين ، شاملة جميع البلاد السورية .

2 – قد عهدت إلى السيد رضا باشا الركابي بالقيادة العامة للحكومة المذكورة ، نظرا لثقتي باقتداره ولياقته .

3- تتألف إدارة عرفية لرؤية المواد التي يحيلها القائد إليها ، بناء عليه ، أرجو من الأهالي الكرام المحافظة على الهدوء والسكون والطاعة للحكومة الجديدة ، والانقياد لأوامرها ، والإصغاء لتبليغاتها ،وأبلغكم بأني سأكون تجاه جميع الأفراد المنضوين تحت لواء الحكومة العربية كأب شفوق ، كما إني سأكون شديد العقاب على من يجرؤ على مخالفة أوامرها ، والعبث بقوانينها ، وإيقاع العراقيل في سبيل سيرها ورقيها ، لذلك فإني آمل من أهالي سورية الذين برهنوا على محبتهم لنا بترحيبهم بنا ، أن يكونوا مثالا حسنا للطاعة والسكون ، حتى يثبتوا للعالم أجمع أنهم أمة لائقة للاستقلال ، قادرة على إدارة شئونها بنفسها ، وليعلم جميع الناس أن حكومتنا العربية قد تأسست على قاعدة العدل والمساواة ، فهي تنظر إلى جميع الناطقين بالضاد على اختلاف مذاهبهم وأديانهم نظرا واحدا ، لا تفرق في الحقوق بين المسلم والمسيحي والموسوي ، فهي تسعى بكل ما لديها من الوسائل لتحكيم دعائم هذه الدولة التي قامت باسم العرب ، وتستهدف إعلاء شأنهم ، وتأسيس مركز سياسي لهم بين الأمم الراقية .

والله نسأل أن يوفقنا جميعا إلى ما فيه خير العرب وإعلاء كلمتهم والسلام .

في 27 ذي الحجة سنة 1336 هـ الشريف فيصل

هذا هو الخطاب الأول الذي خاطب فيه فيصل بن الحسين أهالي سوريا ، وواضح منه ما يأتي :

أولا : أصدر البلاغ باسم « الشريف فيصل « دون أن يضع لنفسه صفة أخرى .

ثانيا : حدد موقعه باسم ( مولانا السلطان أمير المؤمنين الشريف حسين ) .

ثالثا : جعل قاعدة الحكم تقوم على المساواة والعدالة دون تمييز بين جميع الناطقين بالضاد في مذاهبهم وأديانهم .

رابعا : تقوم دعائم الدولة باسم العرب وتأسيس مركز سياسي لهم بين الأمم الراقية .

خامسا : أوضح سلطة الدولة التي تمثلها الحكومة ، وطالب جميع المواطنين بالالتزام بالقوانين وعدم العبث فيها ، ليثبتوا للعالم أنهم أمة لائقة للاستقلال وقادرة على إدارة شئونها بنفسها .

هل تصلح هذه القواعد منهجا للدولة العربية الحديثة اليوم ..؟

ولماذا تجرأ الناس على سلطة الدولة الوطنية الحديثة ، وحاولوا تدميرها والعودة إلى سطوة القبلية ، والتجاوز على القانون ..؟

أسئلة تجعل المرء يغص بالحزن وهو يتطلع إلى حالة التدمير والخراب الذي يلف المدن العربية ، وكأننا ما زلنا في زمن ما قبل الدستور ..؟

واستكمالا للخطاب السياسي الذي أذاعه الأمير فيصل في دمشق ، أورد الدكتور أحمد قدري خطابه في حلب ، حيث احتفى فيه شمال سورية احتفاءا فائقا ، ففي حين ذكر تحسين قدري ذلك بعبارة واحدة ( الاستقبال الرائع في حمص وحلب وبيروت ) فإن الدكتور أحمد قدري كان من بين الحضور ومعه أيضا شقيقه تحسين ، يقول في وصف رحلة فيصل الأولى إلى شمال سورية :

( بعد أن استقرت الأمور في العاصمة ، رغب الأمير في زيارة حلب عاصمة الشمال ، برفقة نخبة من شباب دمشق الوطنيين ، فغادروا دمشق إلى زحلة ومنها إلى بعلبك فحمص فحماه ، ووافوا الأمير في معرة النعمان ، إذ لم تكن السيارات حينئذ متوفرة حتى يسافروا سوية ، وقد غادر الأمير فيصل دمشق بالسيارة في 4 تشرين الثاني وبمعيته الدكتور أحمد قدري ومرافقاه ( طبعا مرافقه الخاص والعسكري كان تحسين قدري ) فزار حمص ثم حماه حيث حلّ ضيفا على آل العظم القديم ، وكان استقباله على طول الطريق استقبالا شعبيا حافلا بمظاهر التأييد وعرفان الجميل ، ولحظ سموه في حماه شعاع نهضة شعبية من أهم مظاهرها الاهتمام بنشر التعليم بين أبناء الشعب ، فاستنهض همم الأهالي لجمع التبرعات ونشر العلم ، فجمع في جلسة واحدة أربعة آلاف ذهبة ، ووعد الأهالي الأمير بجمع ثمانية آلاف جنيه أخرى لسد هذا النقص تيمنا بزيارته لمدينتهم ، وفي مساء الخامس من تشرين الثاني وصل الأمير لمعرة النعمان فاستقبل أيضا بالهتافات والزغاريد ، وأعد السيد الحراكي لسموه سماطا عظيما ، وقضى ليلته في ضيافته ، وفي اليوم الثاني دخل حلب تواكبه هذه النخبة الممتازة من الشباب الدمشقي ، فاستقبلته الشهباء بشيبها وشبابها ونسائها وأطفالها ، وكانت الهتافات والزغاريد تشق عنان السماء ، والورود والرياحين الملقاة على الأمير تملأ الطرقات ..)

هل يمكن أن تكون هذه حلب الشهباء عام 1918 م ، وهل هؤلاء هم عرب حلب ..؟ حسنا ، كيف خاطب فيصل الأول عرب حلب عام 1918 م ، وما هي مفاصل الخطاب السياسي لعرب عام 1918م والذي حدد فيه فيصل بن الحسين رأيه في الحكم ، وسنورد خطابه بأهالي حلب ، لنلاحظ مفاصل الحكم كما يراها سنة 1918 م :

قال الأمير فيصل : ( ... خرج الأتراك من بلادنا ونحن كالطفل الصغير ليس لنا حكومة ولا جند ولا معارف ، والسواد الأعظم من الشعب لا يفقه معنى الوطنية والحرية ، ولا ما هو الاستقلال حتى ولا شيء يذكر من كل هذه الأمور ، وذلك نتيجة ضغط الأتراك على عقول وأفكار الأمة ، لذا يجب أن نفهم هؤلاء الناس قدر نعمة الاستقلال ، ونسعى _ إن كنا أبناء جدودنا – لنشر لواء العلم ، لأن الأمم لا تعيش إلاّ بالعلم والنظام والمساواة ، وبذلك نحقق آمالنا وآمال حلفائنا .

أنا عربي ، وليس لي فضل على عربي ولو بمقدار ذرةّ ، إنني وفيت واجبي الحربي كما وفى والدي واجبه السياسي ، فإنه تحالف وتعاهد مع أمم متمدنة بدأت توفى بعهودها ، ولا تزال تساعدنا على تشكيل حكومة منتظمة ، فعلينا إبراز هذه المنية إلى حيزّ الوجود بكمال الحزم والعزم ، لأن البلاد لا يمكنها أن تعيش بحالة فوضى ، أي بلا حكومة ، وهذا واجب في ذمة الأمة وأهل البلاد ، ونبرأ إلى الله مما يحصل لهذه البلاد بعد اليوم ، أنا ومن معي سيف مسلول بيد العرب يضربون فيه من يريدون .

أحض إخواني العرب على اختلاف مذاهبهم بالتمسك بأهداب الوحدة والاتفاق ونشر العلوم وتشكيل حكومة نبيض بها وجوهنا ، لأننا إذا فعلنا كما فعل الأتراك ، نخرج من البلاد كما خرجوا لا سمح الله ،وإن فعلنا ما يقضي به الواجب ، يسجل التاريخ أعمالنا بمداد الفخر ، إنني أقلّ الناس قدرا وأدناهم علما لا مزية لي إلاّ الإخلاص ..! وإنني أكرر ما قلته في جميع مواقفي ، بأن العرب هم عرب قبل موسى وعيسى ومحمد ، وإن الديانات تأمر بإتباع الحق والأخوة على الأرض ، وعليه فمن يسعى بالشقاق بين المسلم والمسيحي والموسوي فما هو بعربي ، إننا عرب قبل كلّ شيء ، وأنا أقسم بشرفي وشرف عائلتي وبكل مقدس ومحترم عندي ، بأنه لا تأخذني في الحق لومة لائم ، ولا أحجم عن مجازاة من يتجرأ على التفرقة ، فلا أعتبر الرجل رجلا إلاّ إذا كان خادما لهذه التربة ..!

عندنا والحمد لله رجال أكفاء كثيرون ، ولكنهم مقيمون خارج الديار وفي بلاد الأتراك ، وسيأتون قريبا إن شاء الله ، فيصلحون الخلل الموجود هنا ، ولا يجدر أن نتقاعس عن العمل ريثما يأتون ، فما لا يدرك كله ، لا يترك جله ، ويلزم علينا أن نبتدئ بدون أن ننظر للمرء من حيث شرف عائلته وخصوصيته ، بل ننظر إلى الرجل الكفء وجيها كان ام وضيعا ، إذ لا شرف إلاّ بالعلم ، الإنسان يخطئ ، فإذا أخطأت سامحوني ، وبينوا لي مواطن خطئي .

وبما أن أغلب الأفراد يجهلون نعمة الاستقلال كما بينت لكم ، فلا يبعد أن يحصل في بعض المحلات ما يخلّ بالأمر ، فالحكومة مجبرة على تطبيق معاملاتها على القانون العسكري العرفي مدة الحرب ، ريثما يتم تشكيل حكومة منتظمة . أرجو إخواني أهل البلاد أن ينظروا إلى الحكومة نظر الولد البار للوالد الشفوق ويساعدوها جهد طاقتهم ، ويعلموا أن الحكومة مشرفة على أعمال الأفراد والموظفين ، إن الحكومة في طورها الجديد بحاجة لإيجاد قوة تحفظ كيانها ، فكل من يعبث بأوامرها ويخلّ بمقرراتها يستهدف ليدها القوية ، ولأجل حفظ الاستقلال ، ليس لي إلا أن أدعو أهل البلاد للاهتمام الزائد بتكوين حكومة ثابتة الأركان متينة الجانب .

الدرك والشرطة هما قوام البلاد ، وبدونهما لا تنتظم أحوال الحكومات ، لذلك أطلب من الجميع وخصوصا الشبان أن ينتظموا فيهما ، وأن لا يتأخر أحدهم عن خدمة وطنه وبلاده بدون نظر لموقعه العائلي بقيامه بتلك الخدمة . إن الشرطة وظيفة شريفة عالية ، وإن الإنسان يتولى كل عمل في داخليته وبيته ، حتى لنجد رب البيت يكنس داره بيده ، ولا يرى بذلك استخفافا ، وستكون القوانين السابقة مرعية الإجراء إلى أن يتم سنّ القوانين من قبل المجلس الأعلى ، أي مجلس الأمة ، والحكومة الحاضرة تحفظ الأمن والنظام ريثما تتعين هيئات الحكومة الجديدة .

إن العرب نحل وشعوب مختلفة باختلاف الأقاليم ، فالحلبي ليس كالحجازي ، والشامي ليس كاليمني ، ولذا قرر والدي أن يجعل البلاد مناطق تطبق عليها قوانين خاصة متناسبة مع اطوار وأحوال أهاليها ، فالبلاد الداخلية يكون لها قوانين ملائمة لموقعها ، والبلاد الساحلية أيضا يكون لها قوانين طبق رغائب أهلها .

كان من الواجب علينا أن نبتدئ أولا بجمع الهيئة التي تسنّ القوانين ، ولكن العرب الذين هم في البلاد الخارجية هم أعلم مناّ بالقوانين الأكثر ملائمة للبلاد ، ولذلك نرجئ هذا الأمر إلى وقت اجتماع هؤلاء وفي أقرب وقت يصلون إن شاء الله ، إن الذين استدعيتهم من الخارج قديرون على وضع قوانين صالحة ملائمة لروح البلاد وطبائع أهلها ، وسيكون اجتماعهم في دمشق أو غيرها من البلاد العربية لعقد مؤتمر ، وسأنظر بأسرع وقت بشئون الأوقاف والكنائس وردّ حقوقها المغصوبة من قبل الأتراك ،وأعطي كلّ ذي حق حقه .

واطلب من إخواني أن يعتبروني كخادم للبلاد ، إنكم قد أعطيتموني البيعة بمنتهى الإخلاص والرضا ، فأقابلها بالقسم العظيم أني لا أفترّ عن نصرة الحق ورد الظلم وعمل كل ما يرفع من شأن العرب ، وأرغب إلى الأهالي أن يؤازروني بالعمل في خدمة جماعية إلى أن يلتئم مجلس الأمة ، فأقول حينئذ « هذه بضاعتكم ردت إليكم « .

إن حلب خالية من المدارس ، فأتمنى لها مستقبلا علميا باهرا كما كانت عليه بالتاريخ ، وأرجو أخيرا صرف الهمة والنشاط لأمرين مهمين :

1- حفظ النظام العام .

2 – ترقية المعارف فوالله لا يمتاز أحد عندي إلا بفضله وعرفانه .

عند مروري من حماه ، استنهضت همة الأهالي بكلمات وجيزة للعناية بالعلم وافتتاح المدارس ، وبجلسة واحدة تبرع بضعة أشخاص بأربعة آلاف جنيه ، ووعد الآخرون بإبلاغها حتى 12 ألف جنيه ، وسأستدعى حضرات الأهالي بحفلة خاصة للعناية بهذا المشروع ، مشروع العلم روح البلاد ، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لخدمة البلاد ونفع العباد ، ويمتع الأمة بالحياة الرغيدة

والسلام ) .

هذا هو خطاب فيصل بن الحسين عام 1918م لأهالي حلب ، وهو خطاب يحمل من الوعي والتفهم واستشراف المستقبل ، ما يجعله خطاب اليوم ، الخطاب الذي يجب أن نستنهض فيه الأمة التي تعيش الآن زمن الخراب أوردنا هذا الخطاب الذي لم يقرأه الجيل الحاضر ، لنستدعي الزمن العربي في عهد النهوض ، نعم بالعلم وحده تنهض الأمم ، لأن العلم هو الحرية ، فلا حرية بغير العلم .. ويا للهول ، يا للهول عندما نتذكر أننا ننشر هذا الخطاب الذي ألقاه فيصل بن الحسين بحلب في عام 1918 م لعرب اليوم الذين رأوا عودة الرق والعبودية وبيع واسترقاق البشر .. ويا للهول ونحن ننشر خطاب الدعوة إلى العلم وجيل عربي كامل يعاني من المشردين في مخيمات بلا مدارس ولا تعليم .. الرحمة يا رب .

إلى اللقاء مع حلقة جديدة من مذكرات تحسين قدري والتي يتحدث فيها عن مرافقته لفيصل إلى باريس .. إلى اللقاء في باريس عام 1918 م .