د.أمينة منصور الحطاب

تعد عملية إعداد الموارد البشرية وتطويرها لتواكب العصر من أهم القضايا التي تؤرق التربويين في عصرنا الحالي، حيث تعتبر الموارد البشرية أهم من الموارد المادية لتقدم الدول وازدهارها. لذلك تتجه العديد من البرامج التعليمية إلى صقل وتنمية القدرات والكفاءات البشرية في جميع جوانبها في وقت مبكر لتحقيق أهداف التعليم على المدى البعيد. ويعد مبدأ (الكايزن) وسيلة فعّالة وهامة لإضافة مميزات مختلفة على العملية التعليمية، والبحث عن أنجح الطرق وأحدثها للنهوض بالتعليم وتحديثه.

«الكايزن» كلمة يابانية مكونة من مقطعين: «كاي» وتعني التطوير والتغيير، و«زن» وتعني: الأجوَد والأحسن. وهو مبدأ ابتكره رجل ياباني يدعى «تاييشي أوهونو»، كما تستخدم كلمة «كايزن» عادةً في النشاطات التي تؤدي باستمرار إلى التحسين في جميع نواحي العمل: كالصناعة، والإدارة، والإنتاج، والتسويق. وتعمل «كايزن» على التخلص من الهدر بكل أنواعه عن طريق خطوات صغيرة جدًا ومتتالية. وهي إحدى الاستراتيجيات المطبقة في اليابان، والتي كانت في الأصل تمثل حاجة ملحة للشعب الياباني للنهوض بنفسه بعد قنبلة هيروشيما التي دمرت الطموح الياباني وسببت له عجزًا اقتصاديًا وبشريًا كبيرًا جدًا.

إن مراعاة عدم الهدر في الشخصية الإنسانية هو أحد السبل الكفيلة بتحقيق نجاح المجتمعات وتطورها، ويعد من أهم جوانبها فعالية، فمن خلاله يتمكن الأفراد من تحقيق الجودة الشاملة على مستوى الكيان الذاتي، وغرس استراتيجية تحقيق الجودة في الفرد التي محورها الرئيس هو: الحد من الهدر في جميع جوانب الشخصية، وإضافة تحسينات مستمرة ذات أبعاد مستقبلية بعيدة المدى، مما يؤدي إلى تحقيق مبدأ الجودة في الحياة العامة والخاصة وينعكس إيجابًا على سير حياة الفرد الاجتماعية والمهنية على السواء. ويمكن للإنسان اعتناق هذا المبدأ والتمثل به في أي وقت وأي عمر لكنه سيتطلب منه تغييرًا كبيرًا في سير حياته وروتينه اليومي وعلاقاته الاجتماعية.

إن تكريس هذا المبدأ في التعليم والتخطيط لمناهج يُراعى فيها التزام الطلبة بتحقيق الجودة الشخصية سيحقق لنا نتائج مبهرة ورائدة، ولن يتم ذلك ما لم نجعل منه هدفًا رئيسًا من أهداف التربية، وركيزة ترتكز عليها المناهج التعليمية.

(الكايزن) هو فكرة مبتكرة إبداعية القصد منها التحسن التدريجي المستمر، بخطوات صغيرة جدًا، بل متناهية الصغر، حيث أنه ينحت لنا على المدى الطويل منحوتة فنيّة هائلة الحجم، بأقل قدر ممكن من الهدر في الجهد والوقت والمال. وعندما يُطبق هذا المبدأ في مرحلة مبكرة يحدث نقلة نوعية في فكر وشخصية شباب المستقبل، باعتبار أن التغيير والتطوير هو سمة إنسانية وهدف شخصي يسعى الفرد لتحقيقه في حياته العامة. والسؤال الذي يجب طرحه هو: كيف نطبق استراتيجية الكايزن في المدرسة باعتبارها نقطة انطلاق الطلبة إلى العالم الخارجي، ومرحلة تهيئتهم للتكيف الأمثل مع المستجدات المجتمعية والتطورات المستمرة ومواكبة العصر؟

هنالك العديد من التقنيات التي تساعد على تحقيق مبدأ الكايزن نجملها في :طرح أسئلة صغيرة جدًا لتحفيز عقل الجماعة على التفكير في حلول وتبديد الخوف من تفاقمها وتبسيطها. وتحديد جوانب الهدر في المسألة التي قد يسبب تجاهلها إلى ازديادها وتفاقمها وقد يصعب حلها بعد ذلك. ثم اتخاذ مبادرات صغيرة لتحقيق الحلول المقترحة والاهتمام بجميع الحلول وحتى الصغيرة منها. ومنح مكافآت للإنجازات الجيدة التي تضمن تحقيقًا أمثل لسير العملية بأقل قدر من الهدر. وإدراك الأخطاء الصغيرة التي يتجاهلها البعض وتعزيز ممارسة التأمل الذاتي لجوانب الهدر، ومحاولة التفكير بطرق إصلاحها، والبحث عن الحلول المناسبة لتجاوزها قبل تفاقمها. وأخيرا تعهد الطلبة بالالتزام بالتحسن المستمر يساهم بشكل كبير في رفع المقاييس النوعية لطبيعة هؤلاء الطلبة المسؤولين والمستقلين وذوي العقول المتفتحة للتحسين والتطوير مدى الحياة.

إن العمل بهذا المبدأ يعطي الطالب مفاتيح النجاح في الحياة، وقدرًا كبيرًا من النظام والمسؤولية والتفكير المتسلسل الإبداعي المستمر للتحسين من قدراته ومهاراته العقلية والاجتماعية والحركية. إلا أن هذا كله يعتمد على المعلم الفاعل المؤمن بهذه النظرية، والذي يسعى لتطبيقها على نفسه أولاً ليصنع من نفسه قدوة ومثالاً جيدًا للطلبة قبل أن يشرع بإظهاره لهم. وتعد عملية تنظيم البيئة الصفية خطوة أساسية في التطبيق إذ تتطلب حسن التخطيط لاستغلال كل جزء من أركان الغرفة الصفية دون ملئها بأشياء لا ضرورة لها، بالإضافة إلى إدخال تحسينات مستمرة ولو كانت بسيطة، كاستخدام أدوات مستهلكة من البيئة لخدمة العملية التعليمية، وإزالة ما لا يحتاجه الطلبة حتى لا يربكهم بكثرة الوسائل والأدوات التي لا حاجة لها. بالإضافة إلى أن شعور الطالب بأنه لا يوجد على الرف سوى ما يحتاجه فقط وما يتم استخدامه لخدمة أهداف تعليمية، سينعكس على شخصيته وفهمه الصحيح للحياة العملية السهلة التي تسمح بتنقل الطلبة بأنفسهم من مكان لآخر فيها، وتحديد احتياجاتهم، وتقنين عملية التعلم، عوضًا عن ملء الأرفف بوسائل متعددة لا تخدم أهدافًا ولا تحقق تطويرًا بل هي مجرد شكليات وبهرجة صفيّة لا تَمُت لمميزات التعليم الحديث بصلة وتشبه تمامًا عملية حشو أدمغة الأطفال بما يهم ولا يهم عن طريق التلقين والترديد بلا وعي ولا إدراك لماهيته.

ولهذا من الضرورة بمكان إطلاع الطلبة على رغبة المعلم بإضافة تحسين مستمر على الغرفة الصفية، وأخذ مقترحاتهم في ذلك؛ على سبيل المثال: التفكير بطرق لتسهيل عملية تنقلهم من ركن لآخر، أو تحسين في استخدام الأدوات الصفية في وقت قصير، أو استحداث قوانين تسهل عملية استخدام الأدوات وإعادتها، وتشجيعهم على إبداء رأيهم بالتحسينات المختلفة، ويمكنه أن يخصص حصة في الأسبوع تسمى حصة التحسينات يبدي فيها الطلبة مقترحات تشحذ أفكارهم، وتعزز ذواتهم، وتفسح المجال لعقولهم الصغيرة كي تخرج خارج النطاق المألوف فتعتاد الحركة والتأمل والبحث عن حلول مناسبة وأخرى إبداعية، وتعطيهم مسؤولية الالتزام الجماعي بإضافة التحسينات المختلفة ولو بخطوات صغيرة جدًا مما يضفي على التعليم مناخًا نفسيًا واجتماعيًا يتسم بالمودة والوئام والولاء التام لأنظمة وقوانين الجماعة.

إن الطلبة يتقدمون بشكل أفضل عندما يتعلمون في كل يوم وفي كل لحظة شيئًا جديدًا ومثيرًا، ويساهمون في صياغة عملية التعلم أكثر من تلقيها، فالتحسين المستمر فرصة جيدة وفكرة ممتعة لتوفير العديد من الخبرات التعليمية المتنوعة والمتتابعة طوال العام، مما يحدث نقلة فريدة في فكر الطلبة وعزمًا لاستكمال عملية التحسين في الأعوام التالية. وعندما يضع المعلم خطة مستقبلية لطلبته–بعد إجراء تقييم مبدئي شامل لقدراتهم- فإن استراتيجية الكايزن تجعله يضع توقعات ذات سقف واقعي وعملي، ويخطط جيدًا للخطوات الصغيرة المتتالية التي ستساهم في تقدمهم دون الضغط عليهم، أو توقع الكمال السريع والتام منهم، (مما يؤدي إلى إحباطهم وضعف دافعيتهم للتعلم). بالإضافة إلى أن اعتياد المعلم على الصبر على النتائج ووضع مبادرات متتالية بعيدة المدى يضفي على شخصيته جدّية ومثابرة لتحقيق نجاحات ذات مواصفات عالية لم يكن يتوقعها يومًا. كما يعطي مبدأ الكايزن المعلم فرصة كبيرة للحوار مع طلبته وتفعيل التعلم النشط، ولا سيما الحوار السقراطي الذي يتم من خلاله طرح أسئلة صغيرة لتبديد الخوف وتشجيع الطلبة على الإجابة عن أسئلة بعضهم البعض، وتجاذب أطراف الحوار فيما بينهم حتى يتوقف الحوار عند رأي أحدهم لتحديد الإجابة الأمثل لحل المشكلة أو لإضافة التحسين المبكر قبل أن تحدث مشكلة.

هذا ويمكن للمعلم أن يعرض للطلبة صورة في كل أسبوع تحتوي على مشكلة من أي نوع ويطرح لهم الصورة والمشكلة عن طريق سؤال واحد محدد، ويطلب منهم أن يفكروا في حل مناسب لحلها، فمثلاً يريهم صورة غرفة تحتوي على كتب كثيرة متناثرة وطالب يحاول أن يبحث عن كتاب ما ويقول لهم: إن هذا الطالب في كل مرة يريد كتابًا يستغرق وقتًا طويــلاً حتى يجده، كيف نساعده حتى يجد الكتاب الذي يريده بطريقة أسرع؟ ومن ثم يأخذ إجاباتهم ويكتبها على اللوح أمامهم، ويناقشهم في الحلول المقترحة، هذه الممارسة تشجع الطلبة على وضع مقترحات وأسئلة ناقدة وأخرى إبداعية، بالإضافة إلى تحفيز شقي الدماغ :الأيمن في التخيل والتصميم، والأيسر في ربط الخيال بالواقع وإمكانية تحقيقه. وللمعلم الحرية في كيفية عرض صورة أو مجسم أو حدث ما في البيئة ومشاطرة الطلبة فيه. ومع طرح مشكلة في كل أسبوع نحدث توازنًا بين شقي الدماغ عند الطالب وندربه على استخدامهما معًا في التعلم، مما يضفي على العملية مزيدًا من الإثارة والتشويق بالإضافة إلى تحقيق نموذج الكايزن وتدريب الطلبة عليه باستخدام أسئلة صغيرة محددة وحلول متنوعة ولو كانت بسيطة جدًا ولكن في النهاية ستؤدي إلى فكرة رائدة وحلول جيدة تستحق الإشادة.

إن تطبيق الكايزن مع الطلبة سيشحذ همتهم لمواصلة التعليم وتطوير قدراتهم ومواكبة مستجدات الحوار بكل همة وقدرة كبيرة على قبول التغير مهما كان، إلا أن تناقض تطبيق المبدأ من قبل الأسرة سيضعف من قوة تأثيره إذا لم يقضِ عليه، لذا عندما تقرر مؤسسة تعليمية تبني هذا المبدأ فإنها تحتاج إلى توعية الأهل وإقناعهم به، وتوضيح هدفه الرئيس وطرق تفعيله في المنزل والثبات عليه، وكأنه قانون اتفق على تنفيذه المعنيون بالطلبة لأهميته وفائدته الكبيرة على سلوكياتهم وطرق تفكيرهم المستقبلية.

Ameeneh@live.com