دنيا الأمل إسماعيل *

مثلما تعودتْ كل ليلة، انتظرتْ حتى سكن كل فرد من عائلتها إلى عزلته الليلية. حين هجع آخر نفَس إلى فِراشه، قامت هي من فِراشها. توجّهت -مباشرةً- إلى مكتبها الصغير في زاوية الغرفة، فتحت دفترها السرّي، أمسكت بالقلم، أطلقت لجام خيالها إلى براحٍ، تمنّت أن تخرج منه بكنز. استدعت مسيرةَ يومها الفائت.. أحداث، أشخاص، مواقف.. تحاول أن تلتقط ما يستحق تضحيتها بنومٍ هانئ، دار الدولابُ دورته، دورة ثانية فثالثة، ثم أخيرة! كل شيء عادي.. شهداء.. مظاهرات.. اعتصامات. وفي الجانب اللامرئي زيارات ولقاءات ونميمة تكبر في الحصار، وأطفال يلعبون (عرب ويهود). كل شيء عادي. قالت لنفسها: «فلسطين كلها تحولت إلى روتين يومي نمرره بمللٍ ومرارة، وربما ببعضِ الدمع يشفع لراحة الضمير تضخُّمَها».

ماذا ستكتب غداً، لن يرحمها رئيس التحرير المحاصَر مع المحاصَرين في رام الله. كعادته سيصرخ في أذنها بما أن الوجه غير متوفر: «صحف الدنيا كلها تعتاش علينا، ولا تجدين موضوعاً صغيراً لعمودكِ البائس، ماذا تنتظرين إذن، اهجعي إلى فِراش زوجك واتركي الصحافة لنا».

آه.. يتشدقون بالمساواة والعدل والموت في سبيل الحرية وهم أسرى أفكارهم البالية، ما الفرق بين هذا الرجل وبين أيّ رجل جاهل؟! أفاقت من سرَحانها على بكاء طفلتها الصغيرة، تركت القلم وركضت نحوها.

- ماما . عايزة أروح الحمّام.

- حاضر يا حبيبتي. هيا بنا!

- ماما. ضَوّي الضو، عشان العَوّ ما يجيش.

- مفيش عَوّ.

- ضربتيه ومات؟

- آه.

«العَوّ» نشأ وتربّى معنا، كلما كبرنا سنتيمتراً، كبُرَ أميالاً. نحن عَّو أنفسنا، ومنه خَلقنا عَوَّنا الآخر. عَوُّنا بين ظهرانينا، يأكل ويشرب وينام معنا. نرعاه ونمرّضه، نسلّيه ونسنده، نقوّيه علينا. نُطعمه أحلامنا وإرادتنا ونسقيه من دم خوفنا. نحن العَوّ ليس الآخر.

- ماما. خلّصْت. اشطفي لي.

- يلّلا يا بطة، نغسل أيدينا الحلوين ونروح ننام.

- تصبحي ع خير يا ماما.

- وأنت بخير يا حلوة ماما.

وضعت الطفلةَ في سريرها وغنّت لها حتى نامت، وسريعاً ركضتْ إلى ورقها وقلمها وبدأت تكتب على رأس الصفحة «العَوّ».

• كاتبة فلسطينية/ غزة