ناصر الريماوي *



توقٌ لا ينعدم لذلك الأزرق وهو يتسيّد المشهد، رغم حُرْجية الهضاب الداكنة واخضرارها الذي يطوّق الجانب الخلفي للسواحل، حيث المقاهي الشعبية المتناثرة بفسحاتها السماوية العديدة، بين عرائش القصب. حتى «المصابيح الزرق» وهي تصعد بهالتها المسائية سلالمَ البحر، كنّا نراها وهي تشق طريقها نحو السماء في صبر.

كل صباح، وبعد كل ليلة تعود معها القوارب الرثّة لترسو فوق شواطئ الرمل البعيدة، تكون اللاذقية قد استفاقت قبلنا على روائح الصيف وهبوب الوقائع المحكية من سطور الروايات، لتوقظنا. تلك الروايات التي اعتاد صاحبها على اعتقال المدينة المطلّة بغاباتها على اتساع الأفق البحري المشرَع على البحر، وخطف الأهازيج الليلية العديدة من بين أفواه صياديها ورجع الصدى، وحتى روائح العرَق الآدمي بعد كل رحلة، ليحبس الموجَ والصدى وروائحَ البحر والعرَق في قارورة واحدة، ببراعة السّهر، قبل أن يسكبها كسِرٍّ جميل في يومه التالي على الورق.

في الأمسيات الغابرة ولوقتِ تجاوز «الروزنامة» البحرية بزمن طويل، كانت روايات حنّا مينة، النوعية، تقفز نحوي بذلك الزخم البديهي لرائحة البحر، بأرخبيل الروائح الكثيفة لوخم الأعشاب ورطوبة الطقس الخانقة، وهي تعبق في الأجواء، مثلما هو الحال في أغلب المدن الساحلية، وتلك الملوحة العذبة أيضاً عبر الأثير في الصيد، وهتاف الصيادين.

مع أول الليل ومن فوق «برندة» معلّقة على جبهة الطابق الرابع في «مشروع الزراعة»، كنتُ ألمح مصنع «الريجة» العريق وهو يقبع ممعناً في عزلته، أراه يغرق شيئاً فشيئاً في العتمة المسائية للسواحل، أتبينه من بين المباني التي نهضت من حوله حديثاً وأخذت تقترب خلسةً في خبث وحذر بالغَين، لتطوقه، وكأنها تسعى لاقتلاع جذوره من بين السطور العديدة وحبكة الروايات.

صخب «المواتير» المخنوق فوق شاطئ الرمل المقابل، مصحوباً بأهازيج الصيادين وهتافهم، من فوق قوارب خشبية يتدلى فوق قمتها فانوسٌ صغير يتأرجح، قبل أن تمضي لتشق طريقها وسط الماء، ثم وهي تبتعد في الأفق الرملي المبلل بالبحر.

في حي «مارتقلا» و»الميناء» و حاضرة «الأمريكانا»، ورغم تبدُّل الصورة وانزياحها عن مشهدها العتيق بتلك الألفة، إلا أنني ما زلت أرى الصورة وهي تستعيد المكان إلى هيئته الروائية الأولى، جمع غفير مرهق يتوارى بين عرائش يظلّلها القصب، وشوادر تخطف من راحة الصيادين أكثر الغفوات عمقاً عند الظهيرة، وعمّال بأرْدِية تراثية عتيقة وشاحبة ينتظرون على رصيف الميناء البحري بأنفاس مشققة.

طاولات صغيرة خشبية وكراسيّ من القنّب المشدود، على أرض رملية لمقهى مسقوف تترامى أطرافه الجانبية تحت لسعات الشمس الساحلية، وكؤوس لمْ تزل مملوءة ببعض العرَق، حتى المنتصف، هجرها الوقت لتظلّ على حالها.

كان كل ما يطال سمعي وبصري، يقفز من بين السطور وصفحات الرواية.

كان «الياطر» ماثلاً كفنار وأنا أجوب «الطابيات» وشاطئها الصخري، وأحاول جاهداً أن أحتوي المشهد البانورامي الحالم على اتساعه من هناك وحتى شاطئ «جبلة».

هناك تحديداً، كانت تقفز إلى ذاكرتي كل «المصابيح الزرق» وصورة «حنّا مينة»، والرمل وهتاف الصيادين وبيوت القصب وأشرعة تبحر مبتعدةً نحو أفق رملي مبلَّل بماء البحر والندى، ثم لا تعود إلا مع الصباح، وقبل أن تستفيق المدينة على روائح الصيف.. لتوقظنا.

* قاص من الأردن مقيم بالسعودية