سارة النمس *

تقولُ الكاتبة الفلسطينية بيسان عنّاب في تقديم كتابها «هزام الشجعان» (الدار العربية للعلوم ناشرون، 2017)، إنّها لم تَنْوِ التورط بكتابةِ رواية! الأمرُ بدأ بالصدفة؛ قابَلتْ طفلاً جميلاً اسمهُ «ناصيف» لتكتشف أنّه سُمّي على اسمِ خالهِ الذي أُسر لاتهامه بالتخطيط لعملية انتحارية، حينها قرّرتْ أن تسمع الحكاية من فمِ بطلِها، لتبدأ التواصل مع «ناصيف» الكبير عبر جهاز هاتفٍ مهرّب تمّ تجميع كل قطعةٍ منه على حدة، لتنقل لنا قصة واقعية وكل أحداثها حقيقية! وتماماً كما تمكّن الأسرى من تجميع قِطع الهاتف، تمكّنت «بيسان» من تجميع أحداثِ روايتِها هذه.

انتقت بيسان عنّاب ثوباً كلاسيكياً لروايتها يتمثلُ في أدبِ السيرةِ الغيرية، وفيهِ ينتقي الكاتبُ سيرة حياة شخصية ويؤمنُ بأهميةِ إيصالِ قصتِها للعالمِ مُعتمِداً على صوتِ الراوِي العليم أو مُتقمّصاً بطل حكايته ليرويها بصوتِ ضميرِ المتكلم وهذا ما فعلته بيسان، أصغت وتماهت ونقلت لنا الحكاية بأمانة حتى إن القارئ ينسى أنّ الكاتبة الحقيقية هي بيسان وليس ناصيف، إلاّ أنّ ذلك التصنيف لجنس النص النثري على أنّه رواية يظل ملتبساً، خاصة مع تركيز الكاتبة على الشخصية المحورية وإهمالِها الشخصياتِ الأخرى من وصفٍ ذهني وخارجي بحيث تكاد تكونُ غائبة ومهمّشة ممّا يضيّق فضاءَ الرواية.

يأخذ السردُ منحى تصاعدياً وفقاً لذكرياتِ بطلِ الحكاية من الطفولةِ إلى المراهقة مروراً إلى الشبابِ الضائعِ في السجونِ الإسرائيلية. الرواية مقسّمة إلى فصول معنوَنة بتواريخ ومحطات مرّ بها ناصيف، فيها يسرد ذكرياته وأحلامه بالإضافة إلى المعاناة التي يمرّ بها السجين بدءاً من لحظةِ اعتقالهِ إلى التعذيب أثناء التحقيق العسكري ثمّ حرمانهِ من مقابلةِ ذويه لسنواتٍ طويلة والإهمال الصحي الذي تعرّض لهُ عندما تناول أدويةً منتهية الصلاحية لفترة طويلة قبل أن يسمحوا لهُ بإجراءِ جراحةٍ عاجلة، هذا إلى جانبِ الظلمِ اليومي الذي يتلقاهُ من محتلٍ لا يتوانى عن إذلالهِ وتعذيبه جسدياً ونفسياً كاقتحامِ الزنازين بالكلاب المدرّبة وتمزيق صور ذويه المعلقة على جدرانِ الغرف.. صور أحبائه التي بتحيتِها كل صباح يتحمّل مرارةَ السجنِ والاحتلال.

اتّبعت بيسان عنّاب أسلوباً سيكولوجياً في تحليل شخصية ناصيف ودوافعِها الحقيقية لتنفيذِ عمليةٍ انتحارية. يجد القارئ نفسَه مقابل رجلٍ عانى الكثير في طفولته بسببِ انفصالِ والديه وعيشه مشتتاً بينهما. غياب العاطفة الأمومية، قسوة الوالد وتعنيفه المستمّر له، حرمان الابن من التعليم، نشأته في الشارع، الفقر، الاحتلال.. كل هذه أسبابٌ أدّت إلى رغبتهِ بالموتِ كما اعترفَ بنفسه في أكثر من فقرة، إذ يقول إنّه لن يجدَ طريقة أجمل للانتحار، وهو لن يخاف من العقابِ الإلهي، فالشهيد مكانه الجنّة، كما إنّه لن يخسرَ شيئاً. بالعكس؛ سيربحُ أخيراً احترامَ ذويه وحبهم على الأقلِ بعدَ موتهِ!

وكأنّ بيسان تحاول أن تمررّ للقارئ فكرةً خطيرة؛ مفادها أنّ ليس هناك من إنسانٍ يتمتّع بحالةٍ نفسية متوازنة وحياةٍ مستقرّة يذهبُ إلى الموتِ بقدميه لينهي حياته بذلك الشكل حتى لأجل الوطن. المناضل الذي قرّر أن يمزّق بنفسهِ جسدَه إلى أشلاء لا شكّ أنّه عانى من ظروفٍ مريرة ليتخذ قراراً كذاك. ومن بين الجوانب النفسية التي تطرّقت لها الكاتبة هي تلك الأحاسيس المعقّدة التي تختمر في قلبِ الإنسان، أحاسيس متضاربة ومُحيّرة مثل علاقة ناصيف بوالدهِ، الوالد الذي يكرهه ويحقد عليه وفي الوقت نفسه تهتاج عواطفه ويفرح لرؤيتهِ عندما يأتي لزيارتهِ في السجن! كأنّ الإنسان يمكنه أن يحب ويكرهَ بالقدر نفسه، يحقد ويسامح في الثانية نفسِها، وهي علاقات من الصعبِ أن تشرحها مفردات.

تقدّم رواية «هزائم الشجعان» معلومات دقيقة عن السجونِ الإسرائيلية، سيشعر القارئ وكأنّه زارَ المكانَ بنفسه بفضل دقّة الوصفِ والجهد الذي بذلته بيسان عنّاب لتقدّم عملاً جاداً وصادقاً. في السجنِ يعيشُ الشجعانُ هزائمهم وانتصاراتهم، يخلقون عالماً موازياً للعالمِ الذي أتوا منه، يتعطشون لأخبارِ قُراهم وعائلاتهم ويتفاعلون مع ما يحدث في الخارجِ، يحتفلون بالأعيادِ الدينية بالصلاةِ والتسبيح وخبزِ كعكِ العيد بما يتاح لهم من مكوّناتٍ يشترونها من دكّان السجن.

كل هذهِ التحديات تؤكّد أنّ الاحتلال لم ينجح في جعل الفلسطيني يتخلى عن حقّه بالتعلقِ بالحياة. التحدي لم يتوقف عند خلق أدواتٍ للطبخِ والتواصل، عندما يهرّب السجينُ سائله المنوي في زيارةٍ خاصة وتنجحُ زوجته بزرعِ الجنين عبر الحقن المجهري، عندما يولد طفل فلسطيني جديد إلى هذا العالمِ من رحمِ المستحيل، أملٌ عظيمٌ كهذا يضيء قلوبَ اليائسين ويهمسُ في آذانهم: «سيأتي يومٌ نرى فيهِ أجيالاً تنجحُ بتحقيق المعادلة الصعبة وبأنّ النضال وإن بهتَ اليوم فإنّه لم ينتهِ ولن يموت».

• كاتبة جزائرية