مائدة المعمري*



«كاللّبان مُحترِقاً أُغنّي» هو الكتاب الخامس للشاعر العماني يونس البوسعيدي، بعد ثلاث مجموعاتٍ شعرية ومجموعةٍ سردية واحدة.

جاءت المجموعة الصادرة عن دار الغشّام للنشر والتوزيع بمسقط (2018) في غلافٍ أنيقٍ يأخذُ منْ وحي العنوان. وتتنوع نصوصها بين العمودية والتفعيلة والنثرية، ما يعني محاولة الشاعر الاشتغال والتفنن على كل أشكال القصيدة في سعيه الحثيث لجوهر القصيدة أكثر من شكلها، وهو السعي الذي قد يؤرخ لمحاولاته وتجربتهِ وفرادتِها، إذا نجح في ذلك.

ويشير إهداء الكتاب الذي اختير له قياس «كتاب الجيب»، إلى أنّ الذي يحترقُ هو الشاعرُ نفسه، يقول: «أرجوكِ اطمئني، وأنا سأحترقُ لكِ كاللّبان». فإذا كان الشاعرُ يقرر بدءاً أنه هو اللبانُ الذي يحترقُ ويُغنّي، فإنّ النتيجة البدهية أنّ علينا أنْ نتتبع رائحة هذا اللبان المحترق، ألا وهو الشّعر الذي اكتنّته هذه المجموعة بمضامينها وفحواها وما بين سطورِها، وذلك يحتاجُ لاشتغال، نظراً لثراء ما تضمّنتْهُ المجموعة بدءاً من العنونة المتعددة من كلمة واحدةٍ إلى جُمل، وإلى تنوّع أشكال النصوص، وأفكارِها العامّة والخاصة، وإلى الرؤية الفلسفية والخاصة له، إضافة لمحاولاتِهِ كسر التابوهات، وحضور التاريخ والمثيولوجيا، والشخصيّات الحاضرة سواءً في العنوان أو عتبات النص، ومستوى هذه الشخصيات، إلى غيرِ ذلك من المفاتيح التي نحتاجُها لقراءة هذه القصائد المثقفة.

ويتضح أنّ الشاعر يشتغل على نصوصه الشّعرية بدءاً من ثيمة العنوان، فعناوين مجموعاته: «قريبٌ كأنه الحب»، «هاجس الماء والمرايا»، «روحُه البحر والريح»، وأخيراً «كاللبان محترقاً أغني». وهي جُمَل شِعرية مُركّبة ذات إيحاءات، فالعنوان «كاللبان محترقاً أغني» يحيل إلى العذابات المموسقة للشاعر، نجدُ ذلك بارزاً في من خلال اللفظتينِ «محترقاً» و»أُغنّي»، إضافةً لما تُضفيه مفردة «اللبان» من معانٍ ودلالات تُحيلُنا إليها من خلال الطقوس والميثولوجيا العُمانية التي عُرف بها اللبان، واستخداماته في المعابد الفرعونية القديمة. وهذه العذابات المموسقة تتجلى في الغلاف الأخير للمجموعة، حيث اختار الشاعرُ بيتين مُوْحِيَينِ لعنوان مجموعته:

«أُمّي تُحاولُ بي أكونُ نبيّا

وأنا تعبتُ مِنَ الحياةِ شقيّا

قلبي كما شجَر اللّبانِ مُجرَّحٌ

حرقوكَ قلبي كي تُشمّ زكيّا»

هذه الإيحاءات والدلالات تنزاحُ عما اعتادهُ الشاعر من تخصيص مجموعته واقترابها من دلالةٍ موضوعية واحدة، إذا استذكرنا أنه عزفَ على الحُب في «قريبٌ كأنه الحُب»، واستبق الحدث في تسليط الضوء على أحداث «الربيع العربي»، وعاين هاجس الإنسان في «هاجس الماء والمرايا»، ولعل هذا الهاجس كان أكثرَ غنائية وقدرةً، واحتشدتْ الأرواح بأصواتها وضجيج همسها في «روحه البحر والريح»، غير أنه امتاز في «اللبان محترقا أُغنّي» بابتعادِهِ عن ثيمة العصب الواحد وإنْ كان ليس كثيراً، حيث ما تزال نصوصُهُ وَقورَةً بالعُمْق الفلسفي، وإنْ جاءت سهلة ممتنِعَةً لوفرة الغنائيةِ بها. أما مواضيعُها فقد جاءت هذه المرة شتيتاً متناثرَة في أفكارٍ عامةٍ عديدة، وقد تكون هذه خصلة حميدة تُحسب فيها براعة الشاعر وقدرته على معالجة ما شاء من الحياة بالشّعر، بدءاً من مخاطبة القصيدة، والتزمّل بالكبرياء، واستشعار ثِقل الأيام، لمخاطبة الشخوص والمكان، لآخر المواضيع التي احتشدت بها مصفوفة هذه المجموعة.

يضم الكتاب ستّة وثلاثين نصّاً، وهو مقسّم لقسمين: «لُبانٌ يحترِق» و»حبّات القلب». ويحتوي القسم الأول على عناوين: «لأمطاري القديمة، سُرى، الآفلون، غريب، سجدة سهو، (أُوتوجراف) مِنْ عبدالحميد الديب، لا إيلاف العنب، يبس، بِبابِ الأربعين، رأيتُ أربعينَ نيزكاً، والحُب والعُمْرُ هارِبَيْن، تململ الذي ظنّ نفسَه كاهنا، قلبي خارج البيت، آيكونة لِـ(هوما)، مِنْ خُرافةٍ للريح، أنخيدوانا، هسهسة مع أفروديت، قسَمات فوضوية لفسيفساء، كأنهم التيراكوتا، بلاد...، للذي فقد ضحكته». بينما تكثّفت في القسم الآخر من المجموعة والمعنون بـ»حبَّات القلب» العناوين: «أتركُ شاطئي رهواً، رسمٌ واضحُ لبرقٍ يُكسر، آخر باقةٍ للرُّوح، خريف، حتى أظلّ أحد، البئر القديمة، إذا هدر البحر، مسرح، تأرجح، صدى/ ظِل، تأويل، أحنُّ لأعشق، أشتهي أنْ أحمل البحر معي، إنّ إلى قلبي الرّجعى، ونبيٌّ كاللٌّبان».

سيتوجب على يونس البوسعيدي أنْ يَسمع للأصوات التي ستقولُ له الكثير عن لُبانه، خصوصاً بعدْ أنْ أنهى هو ما شاء مِنْ قول، ولأنه لَمْ يشأ أنْ يكون نسخةً لآخرين يأخذون هوامش التعليقات.

* كاتبة عمانية