د. محمد الأرناؤوط



تعتزّ بعض المكتبات الجامعية بما تحويه من «مجموعات خاصة» تحوي مؤلفات ذات قيمة تاريخية، فهناك بعض المطبوعات القديمة توصف بالنادرة، كالمخطوطات، نظرا لتأخر الطباعة في المشرق.

وفي هذا السياق تعتز مكتبة جامعة العلوم الإسلامية العالمية بالمجموعة الخاصة التي تحوزها وتتألف من ألف مجلد تقريبا في المجالات المختلفة يعود أقدمها في اللغة العثمانية إلى نهاية القرن التاسع عشر. وتتضمن الدستورَ العثماني (الذي يعود إلى عام 1876) وبعض القوانين النابعة منه، والمؤلفات العربية التي طُبعت في القاهرة في الربع الأخير للقرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وصولاً إلى المؤلفات التي صدرت في بداية عهد الإمارة ووثقت لتطورها الإداري والقانوني والثقافي.

ومع أن الجامعة تأسست قبل سنوات قليلة (في عام 2008) إلا أن مكتبتها اغتنت بسرعة وأصبحت ضمن خريطة المكتبات الجامعية الأردنية سواء من حيث عدد الكتب (أكثر من مئة ألف كتاب) أو من حيث المجموعة الخاصة التي تضمّها. ويعود السبب في ذلك إلى أن المكتبة حظيت بضم مكتبات خاصة لأكاديميين معروفين عملوا فيها (على غرار مصطفى الزرقاء، وعبد الكريم غرايبة، وعفيف عبد الرحمن) وحرصوا خلال حياتهم على اقتناء مؤلفات نادرة أو قيمة في مجالها المعرفي.

في هذه المجموعات هناك طبعات نادرة من المراجع التاريخية والأدبية. ومنها نسخة نادرة من كتاب المؤرخ الحجازي أحمد بن زيني دحلان «خلاصة الكلام في بيان أمراء البلد الحرام» الذي طُبع في القاهرة عام 1887. والطبعة الأولى من كتاب جرجي زيدان «تاريخ التمدن الاسلامي» الذي صدر في القاهرة عام 1902.

ومن الطبيعي أن تكون ضمن هذه المجموعة الخاصة بعض المصادر في اللغة العثمانية أو المترجمة عن العثمانية، وخاصة في المجال القانوني، وهي مهمة هنا لأن الإمارة الأردنية الناشئة بقيت تعتمد في السنوات الأولى على القوانين العثمانية إلى أن أصدرت قوانينها الخاصة بها. فلدينا هنا مجلدات عدة باللغة العثمانية، تشتمل دستور 1876، والقوانين والأنظمة التي انبثقت عنه في نهاية القرن التاسع عشر. ولدينا أيصاً الطبعة الثانية من الإنجاز الحقوقي (مجلة الأحكام العدلية) التي صدرت في استانبول عام 1880. ولدينا كتاب «حقوق أساسية» باللغة العثمانية الذي كان يدرّس في شعبة الحقوق في جامعة استانبول (1907)، والذي يبدو أنه يعود إلى أحد المتخرجين في شعبة الحقوق بجامعة استانبول.

وبالاستناد إلى الإرث القانوني العثماني، لدينا كتب نادرة تمثل الحلقة الوسيطة بين الدولة العثمانية الآفلة والدول الحديثة التي تشكلت خارج إطارها، كالإمارة الأردنية. ومن ذلك كتاب «مجموعة القوانين التي تحتوي على جميع القوانين والأنظمة المعمول بها في جميع البلاد العربية المنسلخة عن الدولة العثمانية» الذي ترجمه عارف رمضان وصدر في بيروت عام 1925.

أما فيما يتعلق بالتاريخ المبكّر للإمارة الأردنية، فلدينا عدد من الكتب ترصد البناء القانوني للكيان الجديد المنبثق عن الدولة العثمانية. وضمن هذه الكتب لدينا «مجموعة القوانين والأنظمة 1918-1931» التي جمعها ورتبها محمد توفيق سنو، رئيس محكمة الاستئناف العليا والذي صدر في عمّان عام 1933.

وفي هذا السياق لدينا أيضا «مجموعة القوانين والأنظمة» التي جمع موادها محمد البخيت (كاتب وزارة العدلية)، وعلي الحسن (كاتب ديوان رئاسة الحكومة)، ومحمود القطب (رئيس ديوان وزارة العدلية) التي تضم القوانين الجديدة والإرادات الأميرية التي تعود إلى السنوات الأولى للإمارة الأردنية والتي تعكس التطور الإداري والاجتماعي والثقافي.

وهناك أيضاً الإرادة الأميرية التي صدرت في ربيع عام 1923 ونُشرت في الجريدة الرسمية بتاريخ 11/6/1923 وتتعلق بـ «إبطال عادة خطف البنات». ومن الواضح هنا أن الأمر يتعلق بعادة قديمة في المجتمع الشركسي التي لا تعني «الخطف» بالمعنى الحرفي للكلمة بقدر ما هي جزء من التقاليد الخاصة بالشراكسة. ونظراً لأن الشراكسة قد تمركزوا في عمّان منذ نهاية القرن التاسع عشر وأصبحوا يمثلون أكبر كتلة في مطلع القرن العشرين (1905) فقد استمرت هذه العادة سواء في عمّان أو في القرى والبلدات التي استقر فيها الشراكسة (وادي السير وصويلح.. إلخ). ولكن بعد تأسيس الإمارة في عام 1921 واختيار عمّان عاصمة لها، صدرت «الإرادة المطاعة» للأمير عبد الله بن الحسين في حزيران 1923 بـ «إبطال عادة خطف البنات من بيت أهلهن المتبعة لدى بعض مهاجري الشراكسة عند عقد الزيجة، وأن تراعى بعد الآن في عقد الزواج قواعد الشريعة الإسلامية الغراء».

وفيما يتعلق بالزواج، تضم هذه المجموعة من القوانين والأنظمة «قانون تعديل قانون رسوم عقد النكاح لسنة 1936» الذي صدر عام 1936 والذي يعبّر عن واقع الحال في ذلك الوقت. فقد شهدت ثلاثينات القرن الماضي ضائقة اقتصادية ومعاشية في الأردن وخاصة في البادية، ولذلك صدر هذا القانون الذي يسمح للقاضي الشرعي «أن يأمر بإعفاء الزوجين من دفع الرسم القانوني لعقد النكاح أو إلى الحد الذي يراه مناسباً إذا كان طالب الزواج من أفراد العشائر الرحّل المعرّفة من محاكم العشائر».

ومن ناحية أخرى، فيما يتعلق بالشريعة الإسلامية، فقد أبقت الإمارة الأردنية على عدد من القوانين والممارسات من العهد العثماني التي كانت تعبّر عن مرونة الفقه الحنفي الذي كان المصدر الرئيس للقوانين، ومن ذلك «صندوق الأيتام» الذي كان يقدّم القروض بفائدة منافسة بالنسبة للبنوك. وفي هذا السياق أصدر رئيس الوزراء خالد أبو الهدى بلاغاً في 16/8/1930 سمح فيه لموظفي الدولة بالتقدم للاقتراض من «صندوق الأيتام» بعد الحصول على الموافقة اللازمة للتأكد من عدم العجز عن إيفاء الديون.

وقد بقي «صندوق الأيتام» يعمل بهذا الإرث العثماني حتى بعد صدور قانون الأيتام لعام 1953، الذي نصّ على أن هذا «إجراء مرحلي حتى يتم تأسيس مؤسسة لغرض تنمية أموال الأيتام». وهكذا بقي هذا الصندوق يقوم بتقديم القروض بفائدة منافسة حتى صدور قانون 20 لعام 1972 المتعلق بـ «مؤسسة إدارة وتنمية أموال الأيتام»، الذي يهدف كما جاء في المادة الرابعة منه إلى تنمية أموال الأيام واستثمارها في الوجوه المشروعة التي لا تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية.