حليمة الدرباشي

إنه الشعور مرة أخيرة، ذاك الذي ما زال يتحول إلى كائن رمادي كثيف الشعر واسع العينين، ذي جثة متوسطة الأبعاد، يبتلعني كل ليلة من مكان مختلف، فتؤلمني انقباضات السرداب المظلم المؤدي إلى جوفه. ذات مساء ابتلعني من عينه اليمنى، وإذ بي أجد كل الصور التائهة هناك، آخر الحب، أول الخوف، شكل الموت، لون الحياة، لكنه عندما ابتلعني من عينه اليسرى، رأيت بئراً طافحةً بالعطر ينسكب فيبلل الدائرة المحيطة به، تتسع الدائرة لأهرب إلى زاوية يركن فيها رجل مرخيّ الكتفين متوسط الطول جميل الهيئة بائس الملامح، ينتف الياسمين النابت من الجدران الرطبة وينثره في الأثير الذي يدوي به بكاءُ طفل رضيع بين الفينة والأخرى، أخاف فأوجّه بدني شطر الجهة المقابلة لأجد امرأة ترتمي غرّتها فوق عينيها كالجثة، تكتب عن بلاد لا تصنع إلا الأغلال، وعن قلبٍ تفتّت من فرط الانتظار، وعن قبور باتت شواهدها حدباء.

الشعور يا حبيبي الذي يقذف بنا من ناصية الحياة إلى أوديتها، فقد كنت ناصيةً ذات ظهيرة قبل أن تحولتَ إلى وادٍ سحيق يخرم عتمتَهُ خيطُ ضوء رفيع المستوى كالكذبة البيضاء وسط أكوام السواد، وقد كنتَ كتفاً يشتهيه الباكي على بلادٍ راحت ثم ما لبثتْ أن عادت بدائيةَ النواة بيضاءَ العين، لكنك عندما كنت عنقاً طويلة تتقن العناق تماديتَ والتففتَ حول نفسك فخنقتَها وهربتَ إلى الغربة، وها أنا اليوم بتُّ لا أعرف لمن أكتب؛ إليك أم للغربة ذاتها!

والآن، قد يُصلح العطار ما أفسده الدهر! لكن مَن يصلح ما أفسدناه نحن! قممٌ تهاوت من علوّها واستحالت أرضاً رملية ساكنة مستسلمة، دول أرخت أذنيها للصندوق الأسود فسحبها من ثقبٍ صغير في سطحه، أشلاء تترامى على مسامعنا كل ليلة، قصص حب فاشلة، قصص موت باهتة، وقليل من الورد العطِش على قارعة الطرقات.. كل هذا الفساد حدث وأنت غائبٌ في الشّمال المشظّى!

وها أنت تفكر بالعودة يا صديقي، لكنك لم تفكر لحظةً في الشعور، أنت تحاول الخروج من فنجان قهوة عنقه طويلة، وربما تحاول الظهور كنجم ساطع في لجّة الليل، ولعلك لم تفكر فيما إذا كنتَ سبباً من أسباب الأخربة تلك، أو حتى سبباً في ضياع المرساة أو غرق الربّان، صرتُ أفكر جدياً في الأسباب التي تجعلك قادراً على الاستمتاع برسائلي الخمسين السابقة، وأنت تبلع ريقك في وجهِ الأوداج المنتفخة.

إنه الشعور أيها الغريب الذي يجعلنا ندور في هذا الكون مفقوئي الأعين، مهترئي الأطراف، مكتنِزي القلب!

وإنّه الشعور ذاته، مَن يمنح بذرةً طائرة على جناح الريح فرصةً أخرى للحياة.