وليد سليمان

جمعتنا الصدفة هكذا... دون ميعاد في احد شوارع عمان الشعبية وسط البلد.. صديقان قديمان و أنا ثالثهم ! سلمنا على بعضنا البعض بين اللهفة والعتاب الرقيق , وأحاديث متناثرة سريعة عن الماضي البعيد.

دعوت صديقاي للجلوس لنشرب فناجين من القهوة في المقهى التراثي « كوكب الشرق «.. فكل واحد منّا مشتاق للآخرين .

منذ سنوات طويلة لم نلتقِ معاً نحن أبناء الحارة الواحدة قديماً في رأس العين.

حكايات وحنين وماضٍ مليء بالمحبة , كان من أمتع ما تداولناه من ذكرياتنا عن الباعة الشعبيين المتجولين في حارات وشوارع و أزقة عمان القديمة. فمنهم من كان له محل صغير شعبي يبيع فيه السلع والأعراض في الستينات والسبعينات من القرن الماضي!! مثل باعة الترمس والذرة المسلوقة وشعر البنات وعنبر التفاح السكري... إلخ.

نواعم طرية

قال أحد الأصدقاء: ألا تتذكرون الباعة المتجولين على أقدامهم ، الذين كانوا يأتون إلى حارتنا والحارات الأخرى ، لبيع سلعهم الغذائية المسلية وسط هتافاتهم ونداءاتهم المعروفة .. فهذا البائع العجوز شبه الضرير الذي كان يأتي في عصاري النهار كل يومين او ثلاثة ليبيعنا نحن الأولاد الصغار , وكذلك للبنات الصغيرات النواعم الطازجة الصفراء اللون – معمول محشي بالعجوة - وهو ينادي: (نواعم يا نواعم ..حلوة وطرية يا نواعم) .

نعم نتذكره وكنا نشتري منه ونأكل نواعمه بكل لذة وشوق ومتعة.. ولو لم يكن معنا النقود كان يسلفنا “بالدين” للمرة القادمة!! وأحياناً كان هذا العجوز يقعد تحت ظل شجرة أو سور في أيام الصيف ، ويطلب منا شربة ماء من الجرة أو الزير المليء بالماء البارد.. حيث لم تكن الثلاجات المنزلية منتشرة في ستينات القرن الماضي!!.

بوظة.. إسكيمو

أما البائع الآخر وكان يبيع البوظة .. يحمل صندوقه الخشبي الطويل ، وبداخله تيرموس زجاجي , يضع بداخله كتل البوظة العربية الملونة بالأبيض والأصفر والزهري والبني ومرات الأخضر.. يحمل هذا الصندوق على جانب كتفه بقشاط غليظ, وعلى كتفه الآخر يحمل كيساً به حبات البسكويت ذات الشكل المخروطي والملونة بعدة ألوان.

ولقد كان ينبه أولاد وبنات الحارة قائلاً عند مجيئه: (بوظه بوظه.. آيمه آيمه.. يلا تعال.. يلا قرب يا سلام ) .

و كان غيره يبيع الاسكيمو, وهي حبات صلبة ثلجية ملونة ، بنكهات وطعم الليمون والبرتقال والحليب.

قال أحدنا: ولكن تذكرون كنا لا نقبل شراء حبات البوظة أو الاسكيمو إذا بدت لنا أنها شبه ذائبة وغير صلبة!! فقال آخر: والله حرام علينا!! يعني بدك مثل هذا البائع يخسر بضاعته ولا يربح آخر النهار بعد تعبه وشقاه؟! وضحكنا على عنادنا أيام كنا صغاراً لا نرى سوى مصلحتنا في شراء السلع الغذائية اللذيذة.

قَرِّب يا عطشان !

وقلت أنا : ما رأيكم لو عدنا بالماضي بذاكرتنا إلى صيف تلك الايام ! فقد كان بعض الباعة الشعبيين يتواجدون أكثر وقتهم في شوارع وسط البلد بقاع المدينة في عمان بشارع طلال.

وأكملت: لا بد أنكم تذكرون منهم: باعة شراب السوس والخروب.. وهما شخصان مختلفان, كانا يتواجد أحدهما أكثر الأوقات قرب سوق البخارية , والآخر مقابل سوق اليمنية!! .

الأول هو أبو علي المصري حيث كان يحمل جرة الخروب المعدنية على خاصرته وبيده أدوات نحاسية صفراء تسمى الصاجات, يضربها ببعضها البعض بصوت وترنيمة جميلة ملفتة منادياً على شراب الخروب: (عسل يا خروب.. خروب يا عسل) ويصب لك بكاسات مصنوعة إما من النحاس أو الألمنيوم.

أما البائع الآخر والذي كان يتميز بصوت قوي كان لا يبيع إلا شراب السوس , ويحمل جرته المعدنية وأدواته كما يفعل أبو علي المصري.. لكنه كان ينادي بكلمات منها مثلاً: (حَطِّب يا حَطَّاب.. خمير السوس يروي العطشان).

وقال أحد الأصدقاء: أنا كنت قديماً مُغرماً بشراب السوس المثلج ، هذا رغم أن طعمه مر قليلاً , إلا أن آخره حلو المذاق فعلاً.. وعندما كبرت وأصبح معي ارتفاع ضغط سمعت أن السوس غير مناسب لي ، فامتنعت عنه, رغم أنني أحبه وأشتاق إليه!!.

ثم راحت بنا الذكريات للحديث عن بعض الباعة في محلاتهم الصغيرة - التي ما زالت في البال – تلك التي كانت تقع في قاع المدينة في عمان مثل :

فلافل جَبَّر الله

ورجع صديق آخر بالحنين القديم سارداً :وفي بعض المساءات عندما كنا نشتهي أكل ساندويشات الفلافل الطازجة, كنا نذهب مشياً إلى مطعم أو كافتيريا «جبر الله» والذي كان لا يفتح محله الصغير جداً إلا قُبيل المغرب – الذي كان موجود مكانه تحت بيت درج في آخر شارع طلال قرب شارع المهاجرين .

قال أحد الاصدقاء : نعم.. نعم.. سقا الله على أيام “جبر الله”... كان جبر الله صاحب الكرش الكبير والابتسامة اللطيفة ساحراً في قلي الفلافل وعمل الساندويشات السريعة ؛ فلافل وسلطة بندورة فقط .

قال آخر : ولا أشهى من ساندويشاته الزهيدة الثمن.. والكل كان يقف بالدور انتظاراً لشراء ساندويشاته الطازجة الشهية والألذ من أية أكلة فخمة!.

و أردف أحدنا : وإذا كانت لدينا نقود أخرى كنا نكمل متعتنا بشراء حبات البوظة العربية من محل حلويات وبوظة الجماصي القريب من بسطة فلافل جبر الله.. فقد كنا نرى هؤلاء العمال الأقوياء وهم يقومون بجهد عضلي عظيم ، بعملية دق البوظة العربية بمدقة خشبية ضخمة جداً ، حتى تجمد البوظة وتصبح جاهزة للبيع والأكل.

محلات في المصدار

قلت: وكان شارع المصدار القريب من حارتنا نذهب إليه كل فترة نشتري من محلاته بعض الأغراض والمأكولات.. ألا تذكرون سعيد الشامي الذي كان يبيع الألبان الشهية اللذيذة وبسعر معقول؟!.

ومحلات أو محمص خضر حبش الذي كان يبيع البزر الأبيض والبطيخ الطازج فقد كان بائعاً سخي اليد عند وزنه للوقية أو نصف الوقية منها! .

كذلك نتذكر ذهابنا إلى أعلى الشارع في بعض صباحات العطل الصيفية لأكل الفول اللذيذ من مطعم أبو اسكندر قرب مخرطة الحوراني في شارع المصدار,فمن كان يتصور أن صحن الفول مع الرغيف فقط بقرشين, وفي مرات نعطيه قرشاً ونصف القرش فقط ! فلا يقول شيئاً ! بل يقول: أرزاق ونعمة من الله ..وأهلاً وسهلاً بكم في مطعم عمكم أبو اسكندر.

مكتبة فوزي الحكيم

ولماذا ذهبتم بعيداً؟! ألا تذكرون مكتبة فوزي الحكيم, عند جسر المهاجرين الذي اختفى شيدت أمانة عمان سقف السيل ؟!.

فهذه المكتبة كانت مشهورة جداً لكل أهالي مناطق الأشرفية وشارع الطلياني والنظيف ورأس العين والمهاجرين ، ولطلاب المدارس المتواجدة بالقرب من هذه المكتبة وما أكثرها من مدارس حكومية ووكالة وخاصة أهلية كدير اللاتين وراهبات الوردية.

كنت أنا شخصياً كل فترة أذهب وأشتري من هذه المكتبة : الدفاتر والأقلام والبرايات والمحايات وعلب الهندسة, ثم مجلة العربي الكويتية لأخي الكبير كل شهر, وبعد ذلك شراء مجلة سمير المصرية للأطفال ، والتي كنا نتشارك أنا وأخوتي بثمن شرائها, حيث يدفع كل واحد قرشاً ونصف القرش فقد كان ثمنها (45) فلساً أي أربعة قروش ونصف بالتمام والكمال.

وكانت البنات والفتيات والنساء كذلك يترددن على مكتبة فوزي الحكيم كثيراً لشراء الأزرار وشبر الشعر وقبات المدارس وأشغال الخياطة وخيطان التطريز والإبر وأسياخ حياكة الجرازي وغير ذلك من الأعمال الفنية الخاصة بالطالبات وربات البيوت.

في شوارع وسط البلد

ولابد كذلك لا ننسى يا أصدقائي هؤلاء الباعة الشعبيون في شارع طلال مثل: بائع حلوى الدحدح عند أول شارع بسمان, والهنيني بائع الساندويشات مع المقالي مساءً , فقد كان الهنيني يتميز بعربته الثابتة الجميلة بأضواء النيونات الملونة عند مدخل تكسي الاردن قرب المسجد الحسيني.

وهذا البائع الأرمني المتجول الذي يرتدي على رأسه برنيطة أجنبية، حيث كان يحمل صندوقاً زجاجياً فيه حبات الجاتوه , وهو ويدق على زجاج صندوقه بخاتم إصبعه لتنبيه المشترين!.

وذكرنا صديق بقوله : ولا تنسوا عندما كنا نلتقي مساءً في البلد في بداية سبعينات القرن الماضي لنأكل الفول والحمص - مع التصليحة في مطعم هاشم – ثم لنقف بالقرب من مطعم جبري عند بسطة بائع الهريسة في اول دخلة سينما فلسطين او بنك الرافدين نتسامر ونتحدث و نمزح .

وبائع الفستق الساخن عمر النيجيري عند سوق الذهب, وزكي بائع الكبدة والطحل في نفس المكان, وباعة كتب الأطفال ومجلاتهم القديمة مثل :راشد أبو عاطف, وروحي صاحب المكتبة الأموية الصغيرة, وأبو شنب مقابل البريد وبجانبه بائع السمسمية اللذيذة!!.