كتب:حسين دعسة.

انه ندى الصباح ،غائم ذاك الشفق قبيل فجر يوم 21 آذار 1968،ومن نبت الارض المقدسة تناول الجندي في الجيش العربي الهاشمي المصطفوي "مسلم" زهرة دحنون ونذرها هدية لأمه التي ودعته بالقبلات والدعاء

..ولأنها لحظة من الجنة ، فاض الندى مع ﺍﻟﺩﻗﺎﺋﻕ ﺍﻷﻭﻟﻰ لﻓﺟﺭ الكرامة الحاسم .

..كأي قصة من الأثر وحكايات الجدات،كان مسلم يلوح بيده متألقا يعب هواء الغور وعينه على ثرى الاردن ،نظرات ﻣﺷﺣﻭﻧﺔ ﺑﺎﻟﺗﻭﻗﻊ ﻭﺍﻟﺗﺣﻔﺯ ﻭﺍﻹﺳﺗﻌﺩﺍﺩ للدفاع عن الاوطان وﻟﻠﻘﺗﺎﻝ في سبيل الحق .

..لم يترك"مسلم" زهرته "الدحنونة " الرقيقة ، تابع احتضانها متمنيا ان يعود الى أرضه ليحصد قمح "عي"، من بيلدر الروح نازلا عن الاهل والرجال الرجال..من هنا عطر يده بالندى والتراب،وكان اوا الرجال ،ﻣﻥ ﻭﺣﺩﺍﺕ ﺍﻟﺟﻳﺵ ﺍﻟﻌﺭﺑﻲ ﺍﻷﺭﺩﻧﻲ الهاشمي الذي رابض ﻋﻠﻰ ﻣﺣﻭﺭ ﺍﻟﻌﺎﺭﺿﻪ- الاغوار.

ﻳﺑﺩﺃ ﻣﺣﻭﺭ ﺍﻟﻌﺎﺭﺿﻪ ﻋﻠﻰ ﺍﻟﻁﺭﻳﻕ ﺍﻟﺭﺋﻳﺳﻲ ﺍﻟﻘﺎﺩﻡ ﻣﻥ ﺍﻟﺟﻔﺗﻠﻙ ﺇﻟﻰ ﺟﺳﺭ ﺍﻷﻣﻳﺭ ﻣﺣﻣﺩ - ﺩﺍﻣﻳﺎ – ﺇﻟﻰ ﻣﺛﻠﺙ ﺍﻟﻣﺻﺭﻱ ومنه ﺇﻟﻰ جبال وتلال ﺍﻟﻌﺎﺭﺿﻪ وصولا الى ﻣﺩﻳﻧﺔ ﺍﻟﺳﻠﻁ. ..وقد صالوا الى ان بدأت ريح المعركة،ﺍﻟﺫﻳﻥ ﻗﺎﺗﻠﻭﺍ ﺩﻓﺎﻋﺎ ﻋﻥ ﻣﺣﻭﺭ ﺍﻟﻌﺎﺭﺿﻪ ﻭﻅﻠﻭﺍ ﺃﺣﻳﺎء ؛ ﺗﻣﻛﻧﻭﺍ ﻣﻥ ﺭﻭﺍﻳﺔ ﻣﺎ ﺷﻬﺩﻭﻩ ﻣﻥ ﻗﺗﺎﻝ ﺑﻛﻝ ﺗﻭﺍﺿﻊ.

..وكأنها ايقونة الحق؛ذلك ان الدحنون في غور الاردن مال نحو دماء شهداء الوطن، تجلت النفوس في رحى معركة الكرامة ،التي وقعت حين حاولت قوات العدو الصهيوني، الجيش الإسرائيلي الدخول الى مخاضة نهر الاردن، وبالتالي احتلال مسار النهر بضفتيه، وللعلم فإن العدو اراد نهر الأردن لأسباب يعتبرها استراتيجية عسكرية اسرائيلية.

. .وفي واقع الأمر، عبرت وحدات من اليهود وآلياته مناطق من نهر الأردن، من عدة محاور مع عمليات تجسير وتحت غطاء من قصف جوي وتموية كثيف.. هنا تصدى لها الجيش العربي الأردني الهاشمي، على طول جبهة القتال من أقصى نقطة في شمال الأردن إلى روافد جنوب -غرب البحر الميت بقوة.

وفي لحمة شعبية وانسانية تدل على وحدة الشعب ،شهدت قرية «الكرامة» تلاحما وطنيا لوحدات اساسية من الجيش العربي الهاشمي ووحدات وخلايا من الفدائيين الفلسطينيين - كانوا يرابطوا في جبال ومغر تحيط بالكرامة والشونة الجنوبية والسلط والعارضة،اشتبكوا على يد واحدة في قتال شرس ضد الجيش الإسرائيلي الصهيوني في عملية استمرت قرابة ساعة- حوالي خمسين دقيقة- واستمرت بعدها المعركة بين الجيش الأردني والقوات الغازية الصهيونية الإسرائيلية أكثر من 16 ساعة.

..وبعد اقل من 24 ساعة، اجبرت قوات العدو على اعلان هزيمتها و اضطروا صاغرين إلى الانسحاب الكامل من أرض كل المناطق التي حاولوا التمركز فيها في ارض المعركة .

..والخاسر -العدو الصهيوني- ترك وراءه ولأول مرة خسارات بشرية وفي المعدات كثيرة ومؤلمة وفروا، دون قتلاهم ،لم يتمكنوا من إخلائهم معهم، وكانت هزيمتهم الماحقة المدوية في كل البلاد.

وتمكنت وحدات الجيش العربي الهاشمي، من الانتصار على القوات الإسرائيلية المعادية وطردوا شر طردة من أرض الاردن،ومن موقع المعركة في الكرامة مخلفين جثث قتلاهم ورائهم، ومن تلك الهزيمة العسكرية بدت معالم قوة الجيش العربي ،وقدرته التي حالت دون تحقيق العدو الإسرائيلي لأهدافه على ارض الاردن.

...

..يا لقوة قلبك ايها الجندي الاردني العربي في الجيش العربي، فقد حار العالم في صلابة ووعي وخطط عسكرية منعت العدو من التوغل في الاراضي الاردنية، فعلى ارض الكرامة جرت أحداث المعركة على حدود غور الأردن ،على الضفة الشرقية من نهر الاردن العظيم.

..والى حيث الارض ومرابط المعركة ،نسبت روعة تلك الساعات من الصمود والتضحية في المعركة إلى قرية الكرامة ،وفيها حدثت أهم الاشتباكات فيها و قربها، وتقع قرية الكرامة في الجزء الشرقي من غور نهر الأردن و هي عبارة عن منطقة زراعية منخفضة جغرافياً اشتهرت ببساتينها الكبيرة وخضرتها الدائمة وكانت تسمى بمنطقة الآبار وذلك لكثرة الآبار الارتوازية فيها، وتسمى أيضا بغور الكبد باعتبارها جزءا من منطقة زراعية واسعة وتعتبر هذه المنطقة سلة الغذاء الأردني ويعتمد 95% من سكان هذه المنطقة على الزراعة ،بحسب عديد المصادر العسكرية التي عاصرت الحدث.

..والناظر في البلاد وتاريخ الاحداث يعيد مؤشرات وتنبيهات ما حدث الى ان الاردن والبلاد العربية والاسلامية شهدت بعد احتلال «إسرائيل «للـضفة الغربية من نهر الأردن في حرب 1967، نشطت قوات ووحدات من الفدائيين الفلسطينيين في منطقة الغور الشرقي، وكانت هجمات الفدائيين تتم وفق رؤية عسكرية وسياسية فلسطينية ،بدون اي تنسيق مسبق مع وحدات الجيش العربي الهاشمي الأردني.

وفي مطلع سنة 1968 صدرت عدة تصريحات رسمية ع العدو الإسرائيلي ، اعلنت أنه إذا استمرت نشاطات الفدائيين الفلسطينين عبر النهر فإنها ستقرر إجراء عمل عدواني ضد التنظيمات الفدائية الفلسطينية ، وبناء عليه زاد نشاط الدوريات المحمولة والراجلة الإسرائيلية خلال الفترة من 15-18 اذار 1968 بين جسر الملك حسين وجسر داميا وازدادت أيضا الطلعات الجوية الصهيونية الإسرائيلية فوق وادي الأردن.

..كان جيشنا العربي المصطفوي يرقب كل تحركات ومحاولات العدو اليهودي ويفند ادعاءات كثيرة للصهيونية العالمية التي ارادت خوض معركة بهدف اضعاف الاردن وقدراته العسكرية والسياسية والانسانية.

..وبمثل قوة الارض،وفي لمح البصر، ومن وسط حشود وتجمعات الجيش المؤمن بالنصر والقيادة الهاشمية ،واثناء ما كان الجنود يتهيأؤون لتبادل الاماكن والحركات العسكرية لتموية العدو ، وفي تمام الساعة (30ر8) دقيقة من صباح يوم المعركة، أبرقت قيادة لواء الاميرة عالية برقية مشفّرة موقعة من «العميد كاسب صفوق».. قالت البرقية ان الجندي مسلم قاسم مطير المطارنه، استشهد في منطقة العمليات، بالتوقيت العسكري الساعة 8 آلاف وثلاثون دقيقة.

التاريخ كان واحد وعشرين آذار والوطن -الاردن الهاشمي كان آذار.

..ولكن .زكيف تم استشهاد «مسلم»؛ذلك الذي تخضبت يداه بالندى والدحنون وغشيت روحه رحاب الوطن بقوه زارعا الدحنون في سبطانات المدافع لتتحول الى قوة معنوية امام جنود الجيش العربي..

تخندق الجنود وقتها كان لا بد لاحد جنود المشاه بأن يحدد الاحداثيات من اجل رمايات المدفعية ومسلم كان من قوة الحجاب، وقد تسلل رويدا بين دباباتهم، وأرسل عبر اللاسلكي رسالته الاولى، وحدد مكان القصف.. حيث ان المدفعية كانت متمركزة على هضبات السلط. .

وتقول الحكاية، كان مسلم وقد تزنر «بالرصاص».. وتزنر بالحب، وحين وجد نفسه في المنتصف، حين وجد نفسه بين دباباتهم، لم يتأخر.. ولم تتأخر المدفعية فقال لهم اقصفوا من حيث انطلقت اشارة اللاسلكي إي (أقصفوا مكاني).

في ذلك الوقت ، وقبل المعركة بأيام، كانت عيون الفتى عصيّة على النوم، وكان غازي عربيات وقتها مديرا للاستخبارات العسكرية وقد قدم تقريره الأولى، ورصد محاور الدخول، وكان قد ارسل عناصره للتسلل الى داخل فلسطين وقد رصدوا، حجم الحشود بالدقة المتناهية، وحين وقف امام قائد الاركان أخبره بالتفصيل عن مسرح العمليات وحدد له وقت المعركة ووقت الدم ووقت اندحارهم.

..انه غسيل الندى وميقات الروح التي نذرت قوتها وايمانها الى ارض الكرامة- الاردن المملكة الاردنية الهاشمية، فالجندي،الذي داعب الدحنون صاح مناديا الى الشهادة..مسلم استشهد وكان اول شهيد في المعركة وقيل ان جنديا من الجنوب، لف وجهه بالفلدة العسكرية وسحب جسده الطاهر، من مسرح العمليات.. قيل انه حمله على كتفيه وأخفاه في احد الخنادق وكان يقسم بجديلة امه انهم لن يظفروا بجسد الفتى.

كان للعبقرية العسكرية الاردنية في صياح آذار ما كان.. حيث أمر قادة المدرعات الجنود بالاشتباك وجها لوجه، قالوا لهم: أشتبكوا معهم وألغوا المسافات بينكم.. قالوا لهم اذا نفدت الذخيرة.. فاستعملوا جنازير دباباتكم ولا تدعوا قوة الجو لديهم.. تحدد مواقعكم. ... وكان الله معهم، غير ان مسلم لفرط الحماسة أنشد، وسمعوا صوت النشيد عبر اللاسلكي: «يا بنت طلي

وشوفي أفعالنا ..

إنت عليكي تزغردي (...) وحنا حماة دروعنا».

بيان عسكري رقم واحد

في صباح الشهادة-النصر يوم 21 أذار صدر البيان العسكري التالي عن الجيش العربي الأردني الهاشمي ، وفيه:

«في تمام الساعة الخامسة والنصف من صباح اليوم قام الجيش الإسرائيلي بشن هجوم واسع في منطقة نهر الأردن من ثلاث أماكن. جسر داميا وجسر سويمة وجسر الملك حسين وقد اشتبكت معها قواتنا بجميع الأسلحة واشتركت الطائرات التابعة للعدو في العملية، ودمر للعدو حتى الآن أربع دبابات وأعداد من الاليات وما زالت المعركة قائمة بين قواتنا وقواته حتى هذه اللحظة.»

رسالة القائد الأعلى الملك الحسين بن طلال إلى كافة منتسبي القوات المسلحة بعد المعركة

«لقد مثلت معركة الكرامة بأبعادها المختلفة منعطفاً هاماً في حياتنا ذلك أنها هزت بعنف أسطورة القوات الإسرائيلية كل ذلك بفضل إيمانكم وبفضل ما قمتم به من جهد وما حققتم من تنظيم حيث أعدتم إحكام حقوقكم واجدتم استخدام السلاح الذي وضع في أيديكم وطبقتم الجديد من الأساليب والحديث من الخطط وإنني لعلى يقين بأن هذا البلد سيبقى منطلقاً للتحرير ودرعاً للصمود وموئلاً للنضال والمناضلين يحمى بسواعدهم ويذاد عنه بأرواحهم وإلى النصر في يوم الكرامة الكبرى والله معكم».

..ومن يحلم ب «دحنون» مسلم وعشرات الشهداء الأبرار في معركة الكرامة يندى جبين المحبة بالوطن الاردني الهاشمي ومع قيادته الهاشمية التي سطرت الانتصارات ..وكنا معه وبه إنا ماضونْ، على هدب الشاعر المجدد حيدر محمود، وقد مجد الارض والقيادة :

فلتشهد يا شجر الزيتونْ..

قد أحببناه وبايعناه

وزرعنا الراية في يمناه

وحلفنا بتراب الاردن

بأن يبقى فالكل فداه

لعيونك كل اغانينا

يا وطنا مزروعا فينا

برموش الاعين سيجناك

واودعناك امانينا

ومعا اقسمنا ان نبقى

يا وطني ابدا احبابا

ماء وسماء وترابا

ودما وزنودا وحرابا

فلتشهد يا شجر الزيتون

انا معه وبه ماضون».

..وعلى صليل الشهادة وتضحيات الجيش العربي صدر البيان رقم 5:

بيان عسكري رقم خمسة

بيان صادر عن قيادة الجيش العربي الأردني: «ما زال القتال على أشده بين قواتنا وقوات الجيش الإسرائيلي على طول الجبهة، ويدور القتال الآن بالسلاح الأبيض في منطقة الكرامة، وخسائر الجيش الإسرائيلي في المعدات والأرواح فادحة..»

فيروز تغني للأردن ومعركة الكرامة

..وعلى مشارف مرور 50 عاما على النصر الاردني العسكري على قوات الصهيونية الاسرائيلية ، كشفت في العاصمة عمان وئائق ثقافية واجتماعية مهمة منها أغنية نادرة للسيدة فيروز تغني فيها للاردن وتمجد معركة الكرامة الخالدة،غنتها عام 1969، بعنوان ' القصة الكبيرة'. واستضاف برنامج يسعد صباحك المذيع ممدوح ابو الغنم الذي وجد الأغنية اثناء اعداده برنامجاً اذاعياً عن ارشيف الاذاعة الاردنية.

وتبيّن بحسب ما نقلت وكالة عمون الاخبارية أن الاغنية هي جزء من أوبريت تم إنجازه بداية عام 1969 للإحتفال بالذكرى السنوية الأولى لمعركة الكرامة. وبحسب ابو الغنم، فإن الاغنية كانت ضمن ارشيف الوزير السابق صلاح ابو زيد، الذي تم مقابلته للحديث عن تاريخ الاذاعة وكشف عن الاغنية ليصار على اذاعتها مجدداً عبر التلفزيون الاردني.

وتعود كلمات الأوبريت الذي تبلغ مدته نحو 25 دقيقة للأخوين رحباني بالتعاون مع وزير الإعلام السابق صلاح ابو زيد، والألحان للأخوين رحباني'.

وخلال البرنامج بين ابو الغنم 'أنه تم عمل مونتاج جديد للأغنية تركز على الصورة بالأبيض والأسود وصور من معركة الكرامة، من خلال مخرج برنامج يسعد صباحك حسين تيم'. ونقل ابو الغنم عن الوزير السابق الشاعر حيدر محمود، الذي اجرى معه مقابله لغايات المشروع، قوله أن :هذا الاوبريت له قصة عندما بث لأول مرة على الإذاعة الأردنية'. وتابع ' أن الاوبريت كان سيبث في الذكرى الأولى لمعركة الكرامة، في وقت كان جري انجازه في بيروت، وتم الانتهاء من تنفيذه قبل ذكرى الكرامة بايام، ولم يسعف الوقت الأخوين رحباني لتأمين تسجيل الأوبريت للإذاعة الأردنية ، فأقترح صلاح ابو زيد أن يبث الأوبريت من خلال إذاعة لبنان، على ان تسجله الاذاعة الاردنية.

وجرى بثه في الوقت المحدد للإحتفال'.

وتركزت كلمات الأوبريت على إبراز قدرة المواطن الأردني سواء العامل أو الطفل أو المزارع أو العسكري على تحقيق النصر كل في موقعه. والكلمات هي:

والقصة الأخيرة ، قصتنا الكبيرة ،

نكتبها جميعاً بالأحرف الكبيرة بلادنا الكتاب ،

تاريخنا الكتاب، وكلنا الحروف والسطور والكتّاب العامل الصغير يكتب كل يوم ،،

حرفاً من التاريخ قبل النوم والولد الصغير في غرفة في البيت،، يكتب أقماراً تضيء البيت والزارعون يكتبون السطر في التراب ،، ويتركون اسمهمُ يسقط في التراب وجيشنا يكتب تاريخنا لنا بالدم بالرصاص والحراب والقصة الأخيرة قصتنا الكبيرة نكتبها جميعاً بالأحرف الكبيرة ويكتب الأردن ،

بذهب الكرامة ،

بالعز بالشهامة ، تاريخاً كبيراً ، يكتبه الأردن وينشد الأردن ،

أغنية بهية ، حسناء كالحرية ، أغنية قدسية ، ينشدها الأردن وإنني نذرت يا بلادي ، صوتي لأجل الحق والجهادِ لقصةٍ من شرقنا جميلة ، للحب ، للعزة للبطولة . والقصة الأخيرة ،

قصتنا الكبيرة نكتبها جميعاً بالأحرف الكبيرة .

هي، معركة كل الاردن والعرب، فيها غنى البارود وزغرد..وفيها اشعلنا الحق الاردني وان هناك الجيش القوي المؤمن، ومن شواهد المعركة ما سجله التاريخ العسكري: أن عملية الإنزال التي قامت بها القوات الإسرائيلية الصهيونية المعادية شرقي بلدة الكرامة كانت الغاية منها تخفيف الضغط على قواتها التي عبرت شرقي النهر بالإضافة لتدمير بلدة الكرامة، خاصة عندما لم تتمكن من زج أية قوات جديدة عبر الجسور نظرا لتدميرها من قبل سلاح المدفعية الملكي وهذا دليل قاطع على أن الخطط الدفاعية التي خاضت قوات الجيش العربي الأردني معركتها الدفاعية من خلالها كانت محكمة وساهم في نجاحها الإسناد المدفعي الكثيف والدقيق إلى جانب صمود الجنود في المواقع الدفاعية, وفي عمقها كانت عملية الإنزال شرق بلدة الكرامة عملية محدودة، حيث كان قسم من الفدائيين يعملون فيها كقاعدة انطلاق للعمل الفدائي أحيانا بناء على رغبة القيادة الأردنية، وبالفعل قام الإسرائيليون بتدمير بلدة الكرامة بعد أن اشتبكوا مع القوات الأردنية وبعض من المقاتلين من الفدائيين الذين بقوا في البلدة والذين يسجل لهم دورهم بأنهم قاوموا واستشهدوا جميعا في بلدة الكرامة.

انسحاب القوات الإسرائيلية العدوة

لقد شهدت علوم العالم العسكرية على فشل الجيش الصهيوني الإسرائيلي المعادي تماماً في معركة الكرامة، دون أن يحقق أياً من أهدافه القذرة عسكريا وانسانيا ،خرج من الكرامة- المعركة خاسراً مدحورا ،مادياً و عسكريا ومعنوياً خسارة لم يكن يتوقعها أبداً. لقد صدرت الأوامر الإسرائيلية بالانسحاب حوالي الساعة 15:00 بعد أن رفض الملك الراحل الحسين بن طلال طيب الله ثراه ،الذي أشرف بنفسه على المعركة، وقف إطلاق النار رغم كل الضغوطات الدولية.

لقد استغرقت عملية الانسحاب تسع ساعات نظراً للصعوبة التي عاناها الصهاينة الإسرائيليون في التراجع الى عمق الضفة الغربية .

..وكانت تلك الازاهير الربيعية تحمل شواهد النصر واكاليل المحبة ودموع امهات الهداء، فرحة الشهادة المقدسة.

قصص الحرب

أن معركة الكرامة لم تكن معركة محدودة تهدف إلى تحقيق هدف مرحلي متواضع، بل كانت معركة امتدت جبهتها من جسر الأمير محمد شمالاً إلى جسر الأمير عبد الله جنوباً.. هذا في الأغوار الوسطى، وفي الجنوب كان هناك هجوم تضليلي على منطقة غور الصافي وغور المزرعة ومن خلال دراسة جبهة المعركة نجد أن الهجوم الإسرائيلي قد خطط على أكثر من مقترب، وهذا يؤكد مدى الحاجة لهذه المقتربات لاستيعاب القوات المهاجمة وبشكل يسمح بإيصال أكبر حجم من تلك القوات وعلى اختلاف أنواعها وتسليحها وطبيعتها إلى الضفة الشرقية لأحداث المفاجأة والاستحواذ على زمام المبادرة ،بالإضافة إلى ضرورة أحداث خرق ناجح في أكثر من اتجاه يتم البناء عليه لاحقا ودعمه للوصول إلى الهدف النهائي، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن جبهة المعركة تؤكد أن تعدد المقتربات كانت الغاية منه تشتيت الجهد الدفاعي لمواقع الجيش العربي [8] وتضليلهم عن الهجوم الرئيسي، وهذا يؤكد إن القوات المتواجدة في المواقع الدفاعية كانت قوات منظمة أقامت دفاعها على سلسلة من الخطوط الدفاعية بدءاً من النهر وحتى عمق المنطقة الدفاعية، الأمر الذي لن يجعل اختراقها سهلاً أمام المهاجم، كما كان يتصور، لاسيما وأن المعركة قد جاءت مباشرة بعد حرب عام 1967.

لسلاح الدروع والمدفعية في الجيش العربي وقناصوا الدروع دوراً كبيراً في معركة الكرامة وعلى طول الجبهة وخاصة في السيطرة على جسور العبور ما منع الجيش الإسرائيلي من دفع أية قوات جديدة لإسناد هجومه الذي بدأه، وذلك نظراً لعدم قدرته على السيطرة على الجسور خلال ساعات المعركة، وقد أدى ذلك إلى فقدان القوات الإسرائيلية المهاجمة لعنصر المفاجأة،ما عزل القوات المهاجمة شرقي النهر وبشكل سهل التعامل معها واستيعابها وتدميرها ،وقد استمر دور سلاح الدروع والمدفعية الأردني بشكل حاسم طيلة المعركة من خلال حرمان الإسرائيليين من التجسير أو محاولة إعادة البناء على الجسور القديمة وحتى نهاية المعركة.

طلب وقف إطلاق النار

وتؤشر وثائق المعركة من مكتبات التوجية المعنوي في الجيش العربي الهاشمي ، طلب «إسرائيل « المعتدية ولأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي وقف إطلاق النار في الساعة الحادية عشرة والنصف من يوم المعركة، إلا أن الأردن أصر وعلى لسان الملك الحسين قائد الجيش ورغم كل الضغوطات الدولية عليه:»عدم وقف إطلاق النار طالما أن هناك جنديا إسرائيليا واحدا شرقي النهر»

1. قالت صحيفة نيوزويك الأمريكية بعد معركة الكرامة: «لقد قاوم الجيش الأردني المعتدين بضراوة وتصميم وإن نتائج المعركة جعلت الملك حسين بطل العالم العربي».

2. قال حاييم بارليف رئيس الاركان الإسرائيلي في حديث له ان إسرائيل فقدت في هجومها الأخير على الأردن آليات عسكرية تعادل ثلاثة أضعاف ما فقدته في حرب حزيران.

3. قال حاييم بارليف رئيس أركان الجيش الإسرائيلي في حديث له نشرته جريدة هارتس يوم 31/3/68 « إن عملية الكرامة كانت فريدة من نوعها ولم يتعود الشعب في (إسرائيل) مثل هذا النوع من العمليات، وبمعنى آخر كانت جميع العمليات التي قمنا بها تسفر عن نصر حاسم لقواتنا، ومن هنا فقد اعتاد شعبنا على رؤية قواته العسكرية وهي تخرج متنصرة من كل معركة أما معركة الكرامة فقد كانت فريدة من نوعها، بسبب كثرة الإصابات بين قواتنا، والظواهر الأخرى التي أسفرت عنها المعركة مثل استيلاء القوات الأردنية على عدد من دباباتنا والياتنا وهذا هو سبب الدهشة التي أصابت المجتمع الإسرائيلي إزاء عملية الكرامة.

4. قال عضو الكنيست الإسرائيلي (شلومو جروسك) لا يساورنا الشك حول عدد الضحايا بين جنودنا، وقال عضو الكنيست (توفيق طوني) لقد برهنت العملية من جديد أن حرب الايام الستة لم تحقق شيئاً ولم تحل النزاع العربي الإسرائيلي.

5. طالب عضو الكنيست (شموئيل تامير) بتشكيل لجنة برلمانية للتحقيق في نتائج الحملة على الأرض الأردنية، لأن عدد الضحايا أكثر نسبياً في القوات الإسرائيلية.

6. وصف قائد مجموعة القتال الإسرائيلية المقدم (أهارون بيلد) المعركة فيما بعد لجريدة دافار الإسرائيلية بقوله: لقد شاهدت قصفاً شديداً عدة مرات في حياتي لكنني لم أر شيئاً كهذا من قبل لقد أصيبت معظم دباباتي في العملية ما عدا اثنتين فقط.

7. قال أحد كبار القادة العسكريين العالميين وهو المارشال جريشكو رئيس أركان القوات المسلحة السوفياتية في تلك الفترة: لقد شكلت معركة الكرامة نقطة تحول في تاريخ العسكرية العربية.

8. قال الفريق مشهور حديثة الجازي: وهنا أقول بكل فخر، أنني استطعت تجاوز الخلاف الذي كان ناشئا آنذاك بين الفدائيين والسلطة الأردنية، فقاتل الطرفان جنبا إلى جنب، وكقوة موحدة تحت شعار: كل البنادق ضد إسرائيل، فكان النصر .

لقد استطاعت القوات الأردنية وخاصة سلاح المدفعية تحت قيادة الرائد مشهور حديثة من حرمان القوات الإسرائيلية من حرية العبور حسب المقتربات المخصصة لها . ودليل ذلك أن القوات الإسرائيلية التي تكاملت شرقي النهر كانت بحجم فرقة وهي القوات التي عبرت في الساعة الأولى من الهجوم وبعدها لم تتمكن القوات المهاجمة من زج أية قوات جديدة شرقي النهر بالرغم من محاولتهم المستميتة للبناء على الجسور التي دمرت .

بداية الهجوم

تحركت القوات الاسرائيلية في الساعة الخامسة والنصف من صباح يوم 21 آذار 1968 على أربعة محاور:

1- حور العارضة من جسر الأمير محمد إلى مثلث المصري فطريق العارضة – السلط الرئيسي.

2- محور وادي شعيب من جسر الملك حسين إلى الشونة الجنوبية فالطريق الرئيسي المحاذي لودي شعيب السلط.

3- محور سويمة من جنوب البحر الميت إلى غور الرامة – ناعور فعمان.

4- محور الصافي من جنوب البحر الميت إلى غور الصافي فطريق الكرك الرئيسي.

ولكن المعارك الرئيسية دارت فعلا على المحاول الثلاثة الأولى.

عبرت القوات الإسرائيلية النهر تحت تغطية نيران المدفعية. ولكنها ما كادت تتقدم مسافة 200 متر حتى اصطمدت بمقاومة عنيفة أعاقت تحركها فدفعت بعناصر محمولة بالحوامات أنزلت بعضها في غور الصافي للتمويه والتضليل ومعظمها في الكرامة. فتصدت لها القوات العربية وكبدتها خسائر كثيرة، مما اضطر القيادة الاسرائيلية إلى زج قواتها الجوية بكثافة كبيرة مركزة قصفها على مرابض المدفعية الأردنية ومواقع الفدائيين ومرابض الدبابات والمدافع المضادة للطائرات. وتابعت خلال ذلك الحوامات نقل عناصر اضافية والعودة بالجرحى وجثث القتلى. واستثمرت القوات المدرعة نتائج القصف الجوي والمدفعي المركز لمتابعة تقدمها فأمكنها في الساعة العاشرة تقريبا الاتصال بالقوات المنزلة جوا بالبنادق والبرمائيات اليدوية ثم بالسلاح الأبيض. وقد خاضت القوات الأردنية ايضا معارك عنيفة على المحاور الأخرى وأحبطت تقدم العدو ومنعته من تنفيذ مخططاتته.

وفي الساعة 14.00 – وكانت خسائر الاسرائيليين قد تزايدت واتضح لهم مدى الثمن الذي سيدفعونه لقاء كل تقدم – ادعوا بأنهم قد أتموا تنفيذ المهمة الموكولة إليهم وبدأو بالانسحاب. وكانوا قد طلبوا وقف إطلاق النار في الساعة 11.30 بواسطة الجنرال أودبول كبير المراقبيين الدوليين ولكن رئيس الحكومة الأردنية رفض الطلب حتى انسحاب القوات الاسرائيلية بكاملها. وقد تم انساحب آخر جندي اسرائيلي في الساعة 20.30. وتكبدت القوات الاسرائيلية خلال انسحابها ايضا خسائر كبيرة اذ تعرضت لها الكمائن التي بثتها قيادة المقاومة قبل المعركة.

الآثار المترتبة

كان العدوان الاسرائيلي على الكرامة أول مرة تتخطى فيها القوات الاسرائيلية نهر الأردن. فقد توغلت مسافة 10 كم على جبهة امتدت من الشمال إلى الجنوب نحو 50 كم. وهي أول عملية على نطاق واسع قادها رئيس الأركان الاسرائيلي الجديد آنذاك حاييم بارليف. وقد حشدت لها اسرائيل قوات كبيرة نسبيا أرادت منها أن تكون درسا رادعا للفدائيين وللجيش الأردني، وأن تحقق بواسطتها نصرا سريعا تستغله في رفع معنويات السكان الإسرائيليين التي بدأت تهتز تحت ضربات العمليات الفدائية في الأراضي المحتلة. ولم تكن النتائج كما كانت تتمناها إسرائيل. فقد اعترف رئيس حكومتها أمام الكنيست يوم 25 آذار «أن الهجوم على الكرامة لم يحل مشكلة الإرهاب». وقال ناتان بيليد ممثل حزب المايام *: « إن على إسرائيل أن تصوع تكتيكها العسكري وفقا لاساليب القتال المتبعة عند العدو والظروف السياسية المحيطة – وطالب شموئيل تامير عضو الكنيست بتشكيل لجنة تحقيق برلمانية للبحث في – التعقيدات السياسية الناجمة عن عملية الكرامة – وأضاف «إن تخطيط العملية وتنفيذها يثيران أسئلة كثيرة تتطلب الاجابة». وقد عبر يوري أفنيري عن فشل العملية بقوله: ان المفهوم التكتيكي للعملية كان خاطئا من الأساس ، وأن النتائج أدت إلى نصر سيكولوجي للعدو الذي كبدنا خسائر كبيرة.

بلغت خسائر الاسرائيليين 70 قتيلا وأكثر من 100 جريح، و45 دبابة، و25 عربة مجنزرة و27 آلية مختلفة، و5 طائرات. وخسر الجانب الفلسطينية 17 شهيدا. أما الأردنيون فقد خسروا 20 شهيدا و65 جريحا بينهم عدد من الضباط و10 دبابات و10 آليات مختلفة ومدفعين.

..مرحبى لذاكرة النصر، انها منازل المحبة والنصر على ارض الكرامة..

ارض الحق ومعنى قوة وعظمة الجيش العربي الهاشمي المصطفوي، القيادة والقائد الملك المعزز عبدالله الثاني..

هي دمعة حنايا القلوب التي تمتد للملك القائد وتعيد دحنونة الكرامة الى ارضها المقدسة، ومع الصوت الشقيق للاروح نبتهل النداء والوفاء:

مـَرحى لمدرعاتنا رمز القوة لبلادنا

إن نـِزلِت للميدان تحمينا من العدوان

وتخـَلي النصر بجالنا

دبابات الجنزير مدفعها عياره كبير

على الظالم لما تغيير ( تهجم) يتدمر تحت أقدامنا

شهداء معركة الكرامة