كتب : طارق الحميدي

لم تكن الحياة بين السهوب الاوكرانية، بعيدا عن صخب الحياة ومدنها المأهولة، تناسب الكثيرين، إلا أنها قد تكون نمط الحياة الأنسب لمحاربي القوزاق الذين اختاروا قبل عقود خلت أن يعيشوا في السهول، حيث لا سلطان لأحد عليهم.

القوزاق الاوكرانيون مجموعة من عرقية السلاف اختلفت المراجع على أصل تسميتهم الا أن أغلب المؤرخين يرون أنها مشتقة من (الرجل الحر) والتي ترتبط ارتباطا وثيقا بمنط حياتهم وسلوكهم وثقافتهم التي كانت دائما ما ترفض التبعية وتنادي باستقلالٍ أوكرانيٍ كامل وتغذي النزعة الوطنية الاوكرانية.

شكل القوزاق على الدوام قلعة الإلهام للأوكرانيين الوطنيين من خلال نضالهم في كل العصور بهدف إعلاء الوطن الأم ورفض محاولات الهيمنة من مختلف الامبراطوريات التي كانت دائما تسعى للسيطرة على أوكرانيا لما فيها من خيرات وثروات.

ويرجع في الاصل القوزاق الى الجنود الفلاحين الذين كانوا يعيشون في مناطق نهري الدنيبر والدون بشرقي أوكرانيا تحديدا في خورتيتسيا ومركز زابوريززيا سيتش.

زابوريززيا سيتش التي شكلت معقل جمهورية القوزاق وهي مدينة محصنة تقع خارج منحدرات الدنيبر في جزيرة خورتيتسا. كانت منذ القدم معقلا للقوزاق الأوكرانيين وفي حين أثر القوزاق على تراث المدينة الا أن المدينة بحد ذاتها أثرت بقوة على تشكيل الوعي الذاتي للقوزاق.

ورد اسم القوزاق في العديد من المصادر التاريخية الاوروبية والبيزنطية حيث ذكرت المصادر التاريخية أن القوزاق الاوكران من المحاربين الاشداء وكانوا في مراحل من التاريخ يعملون في الخدمة العسكرية في المناطق الحدودية وحماية القوافل التجارية التي تسير على طرق السهوب.

بحلول نهاية القرن الخامس عشر اكتسب الاسم إحساسا أوسع وطبق على الأوكرانيين الذين ذهبوا إلى السهوب لممارسة المهن المختلفة الا أن فنون الحرب هي التي لازمتهم والتي كانت وما تزال تبعث الفخر بالاعتزاز عند الاوكرانيين الذين يرون بهذا الزي التقليدي مصدرا لإشعال لهيب الوطنية في كل مكان.

يرسم القوزاق صفحات مشرقة من التاريخ الأوكراني فثار القوزاق الأوكران منذ البداية ضد أي طامع في الأراضي الأوكرانية وشاركوا في نضال الشعب الأوكراني ضد الإضطهاد الإجتماعي والإقتصادي والديني الوطني.

ولعب القوزاق الاوكران دورا مهما في بناء دولة أوكرانية المستقلة، كما لعبوا دورا سياسياً مهماً في تاريخ الشعب الاوكراني واستقلاله الثقافي والحضاري والثقافي منذ القدم وحتى يومنا هذا.

تاريخ القوزاق

ومع نهاية القرن السادس عشر أصبحت مناطق نهر الدون ونهر الدنيبر مملوكة للقوزاق الذين حولوا أماكن إقامتهم إلى مستوطنات ثابتة عاشوا فيها بطريقة هرمية مميزة فكان لهم نظامهم الديمقراطي الخاص وقائدهم الذي كان يعتبر رأس القوزاق ومرجعهم.

منذ قرون مضت خاض القوزاق في زابوريززيا، المستوطنين في السهوب، عملية نضال ضد غارات التتار، حيث امتدت مقاومتهم للتار الى شواطئ البحر الاسود واكتسب القوزاق شهرة على مستوى القارة الاوروبية في ذلك الوقت.

ومنذ عام 1654، عندما اعترفت أوكرانيا بسلطة القيصر، أصبحت المشكلة السياسية الرئيسية للقوزاق، ولا سيما قادتهم، الدفاع عن الحقوق المستقلة لأوكرانيا من التعدي على المركزية الروسية.

عید «بوكروفا»

في الرابع عشر من شهر تشرین الأول/أكتوبر تحتفل شریحة واسعة من سكان أوكرانیا بواحد من أبرز أعیادها الدینیة، وهوعید «بوكروفا»، وتعني الترجمة الحرفیة لهذه الكلمة «شفاعة مریم العذراء.

وعلى رغم أن عيد بوكروفا هو عيد ديني الا أن له ارتباطاً وثيقاً بالقوزاق الأوكران حيث كان أمراء وقادة الجیوش یوجهون أدعیتهم إلى مریم العذراء راجین منها الشفاعة، أما القوزاق فقد بنوا في مدینة زابوريززيا (المدینة الأساسیة لجیوشهم) كنیسة عباءة مریم العذراء، واعتبارا من العام 1999، تحتفل أوكرانیا بعید «بوكروفا» رسمیا كیوم القوزاق الأوكرانیین.

كما یعتبر عید «بوكروفا» في أوكرانیا كیوم لجیش المتمردین الأوكراني، أو یوم السلاح. الذي تأسس في 14 أكتوبر من عام 1942 ،وكان هذا الجیش یحارب من أجل استقلال أوكرانیا ضد الجیوش البولندیة والألمانیة، إضافة إلى جیش الاتحاد السوفیتي، وهكذا أصبح عید «بوكروفا» بالنسبة للأوكرانیین لیس عیدا دینیا فحسب، بل عیدا وطنیا كذلك.

وكعید شعبي، شمل الاحتفال بعید «بوكروفا» كثیرا من عادات الأعیاد السلافیة، التي تتعلق بموسم الخریف، وترمز إلى انتهاء الأنشطة الزراعیة، والكثیر من الأوكرانیین، وخاصة الذین یعیشون في القرى، یتبعون التقلید الشعبي العریق، وهو إجراء حفلة الزواج بعد عید «بوكروفا».

أساطير القوزاق

بسبب شجاعة القوزاق وتاريخهم النضالي نسجت القصص والروايات والاساطير حول القوزاق وتحول الحديث عنهم الى نسمات تداعب قلوب الاوكران وتدب فيهم الحماسة الوطنية كما نقشت أسماء قادتهم خالدة في تاريخ اوكرانيا الحديث وما تزال الاجيال تستذكر تضحياتهم وبطولاتهم الى اليوم.

حياة القوزاق الاجتماعية

تشتهر في الثقافة القوزاقية العلاقات الاسرية المتينة حيث كان الاب والام هما رأس الاسرة والأجداد كانوا رأس الحكمة فيها، ولهم الكلمة العليا، وكانت النساء في المجتمع عند القوزاق يحظين باحترام كبيير في القرون الوسطى.

وكان القوزاق الاوكران يكرمون الضيف ويعتبرون أن الله ارسل لهم الضيوف لاكرامهم وكانت من عاداتهم اطعام الضيف بكرم وتقديم واجب الضيافة بسخاء وتوفير سبل الراحة للضيف من شيم القوزاق ومن خالفها كان يوصم في المجتمع ويعتبر شخصا منبوذا.

وفي حين حرص القوزاق على إنشاء مجتمع يخلو بشكل شبه تام من الجرائم والسرقات حتى في بدايات تشكيل المجتمع ،بسبب العادات الاجتماعية التي كانت تنبذ مثل هذه السلوكيات والنشأة الصارمة التي اتبعها القوزاق في تربية الاطفال على عدم السرقة والغش.

كما كان القوزاق يفرضون عقوبات صارمة على السرقات قد تصل في بعض الاحيان في بدايات تأسيس مجتمعه الى الاعدام وذلك للحفاظ على نقاء بيئتهم والحرص على بقائها نظيفة من الانحطاط الاخلاقي.

واشتهر القوزاق بزيهم الخاص والذي كان عبارة عن سروال فضفاض وعليه شريط واسع من الجلد عادة ما تحفظ فيه السيوف في حين اشتهر القوزاق باطلاق العنان للشارب الذي كان يغطي مساحة واسعة من الوجه ويرمز الى الرجولة وقوة البأس.

وحتى اليوم ما يزال سكان المناطق التي أنشأها أجدادهم القوزاق يحتفظون بالعديد من القصص المتواترة التي تحتفي بتاريخهم المجيد في حين يصر آخرون على احياء تاريخ القوزاق في المهرجانات والاعياد من خلال اراتداء زيهم التقليدي ومحاكاة معاركهم ليصبح القوزاق أيقونة للوطنية في اوكرانيا وأضحى تاريخهم في الاستقلال السياسي ونضالهم لمحاربة الهيمنة والاستعمار وشجاعتهم في الوقوف ضد المستعمر مصدر فخر للأوكرانيين الذي يفجر فيض المشاعر الوطنية.