أبواب - زياد عساف

العاشرة مساءً كان الموعد الذي يجمع شمل الأسرة حول إذاعة الشعب المصرية للإستماع لها و هي تغني الملاحم و السير الشعبية و تصدح بالمواويل والاّهات ، ومابين أروقة الحسين و السيدة لطالما استوقفت المارة وهي تؤدي المدائح في ليالي رمضان مع فرقتها الصغيرة ، أجادت بذكائها الفطري الاقتراب من أحلام البسطاء و كأن إسمها دلالة لمسيرتها فيما بعد، إذ استطاعت خضرة أن تعبر عن أحلام القلوب الخضراء لبسطاء الناس ، من هنا لم يكن وجودها على الساحة الغنائية عابراً وظل السمِّيعة يستعيدون أغنيتها المستقاة من الأدب الشعبي والتي ترفع من عزة وشأن الإنسان :

ولا حد خالي من الهم

حتى قلوع المراكب

أوعى تقول للنذل يا عم

لو كان على السرج راكب

ولا حد خالي من الهم

حتى الزعب في جريده

اوعى تقول للنذل يا عم

مهياش روحك في إيده

صاحبة فضل

الحديث عن خضرة محمد خضر لايتوقف عند جمال صوتها فهي صاحبة فضل بالحفاظ على كنوز الغناء الموروث إذ لا قيمة لكل ما جمعه الباحثون من التراث الغنائي و سيبدو ناقصاً ما لم يجد الصوت الواثق الذي يدوِّن كل الوان الغناء الشعبي بالطريقة الصحيحة ،هذه طبيعة المهمة التي قامت بها و أعادت إحياء تراث عظيم تم توليفه و أرشفته ضمن برامج وسهرات إذاعية وعلى أشرطة كاسيت ، لينهل منه محبو سماع هذا اللون ويصبح مرجعاً هاماً للمستشرقين و ضمن مناهج التعليم في الكليات التي تعنى بالفنون والموسيقى والتراث .

من هنا تكمن أهمية خضرة وكيف استطاعت ببساطتها و عفويتها أن تحيي حالة التذوق للغناء الشعبي الأصيل في مصر والبلاد العربية في الوقت الذي كادت فيه الأغنية الشعبية الأصيلة ان تختفي تماما لوجود متطفلين على هذا اللون وتسمع أغانيهم في الأوتوبيسات و المقاهي الشعبية وكل ما يصلنا ليس إلا أصوات نشاز و كلمات تخدش الحياء .

كمعظم مطربين زمان الذين تألقوا بالغناء الشعبي ، انطلقت خضرة في الأرياف في كوم حمادة مسقط رأسها بمحافظة البحيرة ،على صوت الجدة الحنونة كانت تسترق السمع لتحفظ منها ما تردده من أغاني التراث القديم ، وتأثرت بجمال صوت والدتها و والدها الذي كان مداحاً في الموالد و المناسبات الدينية .

أيوب المصري

في الحديث عن مشوار حياتها يظل حضور رائد الفن الشعبي زكريا الحجاوي طاغياً كونه اكتشفها أثناء تجواله في المحافظات والقرى على امتداد جمهورية مصر العربية ليجمع اغاني التراث الشعبي و في الوقت نفسه يسعى لاكتشاف الأصوات المؤهلة لأداء هذا اللون ، رغم اكتشافه العديد من الأصوات الجميلة مثل محمد طه و الريس مثقال و جمالات شيحة و فاطمة سرحان و شوقي القناوي و ابودراع، إلا أن ا تبنيه لخضرة محمد خضر كان له وقعاً خاصاً و تأثيراً لايمكن إغفاله من حيث مضمون و عدد الأعمال التي جمعتهما معا.بدأ هذا التعاون بعد انفصالها عن زوجها الذي حاول مراراً أن يثنيها عن الغناء دون فائدة ، وبحكم تواجدها المستمر مع الحجاوي لإحياء الموالد في المحافظات لفترة طويلة من الوقت ومنعاً لكلام الناس نظراً لظروفها الإجتماعية ، عرض عليها الزواج مشترطاً عدم تخليه عن زوجته الأولى ، بعد حصول الإيجاب و القبول أصبحت فيما بعد مطربة رئيسية بالفرقة التي أسسها الحجاوي و أُطلق عليها فرقة النيل الشعبي أو الفلاحين .

مع كل التطور الحاصل الاّن في الوسائل السمعية و البصرية ستبقى الإذاعة المصرية صاحبة الريادة في منع اندثار الفن الشعبي المصري و إبقائه حياً لغاية الاّن و بقدر المستطاع، خير مثال على ذلك الأعمال الإذاعية الغنائية التي قدمتها خضرة من تأليف و إعداد زكريا الحجاوي صاحب الخبرة و الجدارة في هذا المجال، ومن بينها العديد من الملاحم و السير و القصص الشعبية مثل :

التمثيلية الإذاعية أيوب المصري مع المطربة فاطمة علي و تمثيل فاخر فاخر و نجمة ابراهيم واخراج يوسف الحطاب ، تمثيلية انا و ابن عمي مع المطرب محمد طه اخراج محمد توفيق ، قصة عبلة و عنتر ، ايوب و ناعسة ، كيد النسا ، قصة هانم و الخطير عمار ، قصة النبي يوسف ، ملحمة عمر بن الخطاب الجزء الأول و الثاني ، ملحمة خلينا حبايب ، ملاعيب شيحة ، يابو كف محني ، يا حلاوة البنت المصرية و خيال الماّته، في الوقت نفسه ظلت خضرة تستعيد الأغاني التي تضمنتها هذه الأعمال في الموالد التي التي تقام عادة في حي الحسين و السيدة زينب و العديد من المحافظات المصرية .

انفصال و لكن ..

لم تتوقف علاقة الناس بخضرة بالإستماع لأغانيها و إنما تذكرهم بواحدة من أجمل قصص الوفاء بالوسط الفني وهي حكاية طلاق خضرة و زكريا الحجاوي ، ما دفع الأخير لاتخاذ هذه الخطوة إصرار خضرة وبعد سنتين من الزواج : 1961-1963 - بطلب مساواتها بالحقوق و الواجبات مقارنة بزوجته الأولى عكس ما اتفقا عليه في البداية ، مع تصميم زكريا على موقفه طلبت الطلاق وكان لها ما أرادت ، تم الإنفصال حسب تقاليد الفنانين الشعبيين والتي تقضي بأن يصبحا أخوين في الدم ومن طقوسه بأن يجرح كل منهما أُصبع الإبهام في يده ويشرب كل منهما من دماء الاّخر ، الغريب ان هذا الطلاق تم بنفس الطريقة التي تزوجا بها وعلى انغام الفرقة الشعبية في إمبابة ، اعتبرت هذه الحادثة و حسب رأي الكثيرين أجمل حالة طلاق في العالم واستمر التعاون الفني بينهما بعد ذلك ، ما يروى على لسان الكثيرين ان زكريا الحجاوي خرج بعدها يتمشى على شاطيء النيل وكتب لها هذا الموال على بكيت دخان السجائر وغنته في اليوم التالي :

زرعت فدان جمايل و اربعة معروف

ورويتها ياما شهامة بالذوق و بالمعروف

واللي حماها انا وبالجدعنة معروف

وقلت هلبت تزرع من الجميل قيراطين

أتاريها أرض طين و بتنكر المعروف .

شقة الطلبة

قدمت السينما المصرية مجموعة من الأفلام واستعانت من خلالها بالمطربين الشعبيين ضمن السيناريو المعد للفيلم ، وبدا جلياً للمتتبع لمعظم هذه النوعية من الأعمال تهدف للربح المالي ولم تسهم بالترويج للأغنية الشعبية، على عكس الإذاعة كما أسلفنا ، الفنان الشعبي محمد طه يعتبر مثالاً حيَّاً لذلك باعتباره الأكثر حضوراً في السينما المصرية من حيث عدد الأفلام فقط ظهربمجموعة أعمال بفترة الستينييات إلا أن حضوره اقتصر على تقديم فقرة غنائية بكل فيلم خدمة للتوليفه المعتادة لهذه النوعية التقليدية من الأعمال .

من الأعمال السينمائية التي شاركت بها خضرة و كمطربة فقط : هو و النساء 1966 مع رشدي أباظة و هند رستم و اخراج حسن الإمام ، قدمت أغنية الفرح بفيلم -شقة الطلبة - 1967 بطولة سعاد حسني و احمد رمزي و حسن يوسف اخراج طلبة رضوان ، انا الدكتور 1968فريد شوقي و نيللي اخراج عباس كامل ، العاب ممنوعة كان اّخر الأفلام التي ظهرت بها خضرة عام 1984 لسمير غانم و اسعاد يونس و اخراج احمد ثروت .

لم تخدم هذه الأعمال مسيرة خضرة أيضاً و ظلت الإذاعة صاحبة الفضل في شهرتها محلياً و عربياً كحال غيرها من رواد فن الغناء الشعبي ، لعل الفائدة الوحيدة من ظهورها على الشاشة الكبيرة امكانية تخمين عمرها الذي لم يتم تحديده ضمن سيرتها الذاتية وعلى مايبدو أنها مواليد أواسط ثلاثينييات القرن العشرين .

على الشاشة الصغيرة بقي ظهورها محصوراً و قليلة هي البرامج و السهرات التي ظهرت بها و انضمت الى فرقة الفنون الشعبية التابعة لوزارة الثقافة ومن خلالها قدمت أيضاً مجموعة من الملاحم و القصص الشعبية ، اعتزلت الغناء في السنوات الأخيرة من حياتها الى ان توفيت عام 1998 ولا زالت اعمالها غائبة عن المحطات الفضائية باستثناء المتخصص منها في اعادة إحياء الغناء الشعبي ، بالإضافة لبعض المحطات الإذاعية الرئيسية في مصر التي تستعيد الكنوز الإذاعية مثل تسجيلات من زمن فات و منوعات درامية و روائع التسجيلات الإذاعية .

مواويل

استحقت خضرة وبجدارة لقب مطربة شعبية بتقديمها كل الوان هذا الفن الأصيل مثل الموال وامتعت جمهورها بالعديد من المواويل منها : ريح العصاري ، عاشق قابل مبتلي ، عليل الجسد ، كذاب ياللي تاّمن للغرام ،يا رب انت الغني ،دنيا غرورة ، خلخال خطر ع القدم ، اللي بنى مصر ، ياللي ناسبت الأصيل ، عجبي اريدك ، عيان يا طبيب ، ان خس مالك ، ارضى بقليلك ، تعمل عمايلك و يا تاجر الحلو .

تعتبر الحكم و الأمثال الشعبية المنبع الأصيل للغناء الشعبي ، من هذا اللون أيضا استعادت خضرة بصوتها مربعات ابن عروس ومنها الرباعية الجميلة:

اللي يداديك يابا داديه ..واجعل عيالك عبيده ..واللي يعاديك يابا عاديه .. روحك ما هياش في إيده.

لا و النبي يا عبده

اسماء الأشخاص الأكثر تداولاً في الأوساط الشعبية كانت حاضرة في أغنياتها ومنهم سعيد الحظ عبده : لا والنبي يا عبده و عطية: تتاقل بالمال يا عطية و عبد العال : والله عال يا سي عبد العال .

في أغانيها تأخذ المستمع الى أجواء الريف بكل تفاصيله ومنها :

على ورق الفل دلعني ، شي الله يا سيدي العجمي ،الحرة جمالها اللي يزينها ، الصبر احسن دوا ، خد بندقة ، اشكي غرامك لغيري ، حلالك زلالك ، كل المراحب عندنا ، طلي من المشربية ، غني يا قلبي الحلو ، من الحدايق ، الملك لله ، ليه وانا مالي ، خدني معاك ، الحرة جمالها اللي يصونها ، ياللي رماك الهوى ، يا زارع الشجر في الريف و في الصحرا ، تابلوه الإصلاح الزراعي ،عند السواقي ، يا وابور الساعة 12 بالأمس جاني الخبر ، تعشق ليه يا قلبي، رد الجميل ، عجباني يا حلوة ، يا زمان ، ومن أغنية متى أشوفك تغنت بمدن الصعيد: متى أشوفك يا قلبي مبسوط.. و حبيبي في جرجة و انا بلدي أسيوط..متى اشوفك يا قلبي فرحان .. وحبيبي في الاقصر .. وانا بلدي أسوان .

قبض الحلو الجمعية

تؤكد اعمال خضرة ان من طبيعة الغناء الشعبي الأصيل تعبيره عن كل زمان و مكان ، ومن غنائها القديم الذي يعكس حال هذا الزمن: ولا كل من لف العمامة يزينها ..ولا من ركب الحصان خيَّال .. ولا كل من جرِّة الكحلة صبية .. ولا كل من وضعت تقول انا جبت ولاد ..يا ناس دا انا عيان ما تقلبوش فيَّا .. 99 طبيب غير التمرجية ..جرح البنات البيض خضَّر بلا ميَّة.

وتبقى الأغاني التي على شكل الحكاية الشعبية أجمل ما يشد السامع وهذا ما نلمسه في مجمل اعمال خضرة، واجملها أغنية على لسانها تتحدث عن العريس الذي جمع المهر من خلال جمعية ونزل السوق بصحبة خطيبته ليشتريا مستلزمات الفرح:

قبض الحلو الجمعية

ودفعلي خياطة الجلابية

وواعدني في ساعة العصرية

نتمشى في الموسكي شوية

خدني ولفينا شمال ويمين

وقعدنا نبص على الفتارين

نقالي في ايديه احلى الفساتين

نقتله لسَّه وطاقية

نقينا مشجَّر ومقلِّم

وستاير ايه يا سلام سلم

ده خطيبي في نقاوته معلم

نقالي في ايده الناموسية

التاج والطرحة اشتريناهم

وشموع الزفَّة جبناهم

ميَّات و شوية دفعناهم

خلصنا فلوس الجمعية !