أبواب - د.أمينة منصور الحطاب

طلبت المعلمة من طلبة الصف الأول القيام بمهمة تصنيف عدد من نماذج الأشكال (مثلثات – مربعات – دوائر – مستطيلات) ضمن مجموعات متشابهة، أنجز الطلبة المهمة باستثناء طفلين لم يُحققا المطلوب، فقد وضع أحدهما مربعاً مع مجموعة المثلثات، في حين صنَّف الآخر الأشكال وفق مجموعتين فقط ( الأولى: تضم الدوائر ، والثانية تحتوي على بقية الأشكال). قد تعتقد للوهلة الأولى أنَّ الطفل الأول وضع المربع سهواً مع مجموعة المثلثات، ولكن عندما سأله المدرس عن السبب أجاب أنَّ المربع يُمثل مجموع مثلثين معاً يشتركان في القاعدة !!! فما مشكلة الطالب الثاني يا تُرى؟ ألم يستطع التمييز بين الأشكال؟ أمْ أنَّه اكتشف قاعدةً خاصة في التصنيف لم يتوصل إليها أقرانه؟ في الواقع إن السبب هو الأخير، إذ كانت حُجته أنَّ جميع الأشكال لها حواف (يقصد زوايا)، أمَّا الدائرة فليس لها أية حافّة!!!

يُبدي الآباء والأمهات استغراباً شديداً عندما يجدون أبناءهم يُشخّصون هوية الأشياء من حولهم، ويصنفونها بموجب صفات ميّزوها بأنفسهم دون أيِّ تدخل من ذويهم. كما يتساءل مدرسو الصفوف الأولى عن الأسباب وراء إبداع عدد من طلبتهم في بعض المهمات وخروجهم عن النمط المألوف. إنَّ الحقيقة التي يغفل عنها غالبية المربين والآباء، أنَّ كلَّ طفلٍ يُنشئ مشهده التعلُّميِ الخاص به، حيث يستحضر في هذا المشهد شخصيات من صنع خياله، ويستخدم معارف وخبرات ربما لم يخضها بعد، ليُخرج في النهاية نتاجَ تعلُّمٍ فريدٍ ذي طابَعٍ شخصيّ، لذا لا يمكن الحكم على الجميع من زاوية واحدة وفق معايير محددة سلفًا.إن الطفل منظم نشط لمعارفه حيث يستخدم نظام الإشارات في تفاعل مستمر مع عالمه الاجتماعي.

إن الأطفال يمكنهم تنمية بعض المفاهيم وحدهم إلا أنهم غير قادرين على تنمية نماذج من التفكير المجرد لذا فإن النمو المعرفي عند فيجوتسكي–أحد رواد تطور الفكر السيكولوجي- هو عملية اجتماعية تعتمد على الدعم الذي يقدمه الكبار والأقران الأكثر نضجا للطفل، كما أن المحادثات والأنشطة التعاونية للطفل مع الآخرين ضرورية كي يتعلم الطفل طرق تفكير وسلوكيات ثقافية. وللنمو المعرفي عند الأطفال جانبان رئيسيان وهما :الجانب المادي البيولوجي (الموروث)، والجانب البيئي المكتسب. وصنفت مراحل النمو المعرفي إلى: مرحلة الرضاعة (من الميلاد وحتى نهاية السنة الاولى) حيث ينمو الطفل عن طريق علاقته بأمه، ومرحلة الطفولة

المبكرة (من السنة الثانية وحتى الثالثة) حيث ينمو عن طريق الأسرة والأقارب، ومرحلة الروضة (من السنة الرابعة وحتى الست سنوات ) حيث تنمو معارف الطفل من خلال أقرانه.

لقد وضح فيجوتسكيفي نظريته المعروفة بـ ” نظرية الثقافة الاجتماعية _ تنمية المنطقة المركزية” كيفية اكتساب المفاهيم وتعلُّمها من قبل الأطفال، ومراحل تطورها حتى تصبح بصورتها الناضجة لدى الشخص البالغ. ويرى فيجوتسكي أن الطفل الصغير يميل إلى إشباع حاجاته بصورة فورية ويصعب عليه تأجيل هذا الإشباع لفترة طويلة ولكن مع تقدم الطفل في العمر ودخوله في سن ما قبل المدرسة فإن كثيراً من رغباته تظهر تلقائياً ويعبر عنها من خلال اللعب، وأن لعب الطفل في هذه المرحلة هو دوماً التحقيق التخيلي والوهمي للرغبات التي لا يمكن تحقيقها، فاللعب التخيلي ليس نمطاً من أنماط اللعب الاعتيادي وإنما هو اللعب ذاته حيث يبدع الطفل فيه موقفاً تخيلياً من ذخيرته الفكرية.

ويؤكد فيجوتسكي على أن اللعب يحتوي على الميول النمائية كلها ويسهم في تحقيق الآتي: التفكير المجرد ؛إذ يعد اللعب مرحلة ممهدة لا بد منها لتنمية التفكير المجرد، وعندما يكبر الطفل فإن الفرصة تصبح متاحة أمامه لاستخدام اللعب دون وعي، وفي مرحلة ما بعد المدرسة ينقلب اللعب إلى عمليات داخلية وفكر مجرد. ضبط الذات ؛إن التزام الطفل بقواعد اللعب وأنظمته يوفر له متعة قصوى إذ أنه يحول دون تحقيق رغباته المباشرة وبذلك يتعلم الطفل أن يسيطر على حوافزه ويضبطها. اللعب نشاط رائد لا مجرد نشاط سائد؛ وبفضل هذه القوة النمائية يتجاوز الطفل من خلال اللعب عمره الواقعي، ولهذا يعد اللعب أفضل مجال نمائي حيوي للطفل وكأنه حقل النمو ومختبره الأمثل، وهكذا نرى أنه في الوقت الذي يرفض فيه فيجوتسكي أن يعد المتعة أساساً لتعريف اللعب فإنه يرفض بالمقابل عد اللعب نشاطاً غير هادف؛ لأن الطفل يشبع من خلال اللعب حاجات وحوافز معينة تتغير من مرحلة عمرية إلى مرحلة أخرى.

يقول الإمام الغزالي: «إن منع الصبي من اللعب وإرهاقه إلى التعلم دائماً يميت قلبه ويبطل ذكاءه»، إن للعب أهمية كبيرة في حياة الأطفال إذ يسهم إسهاماً مباشراً في بناء شخصية الطفل وتطوير عمليات النمو، والتخلص من الطاقة الزائدة، وزيادة فاعلية الانتباه، وقد بينت بعض الدراسات وجود علاقة إيجابية بين ارتفاع الذكاء واللعب.

Ameeneh@live.com