فراس حج محمد *

ما زال نزار قباني يشكل صدمة للمجتمع العربي المحافظ المتحفّظ على فكرة الجسد الأنثوي والحديث عنه بكل ما يحمل من طاقة إبداعية وحيوية خلّاقة في العلاقة بين الرجل والمرأة، ولا شك في أن نزار قباني الذي شكّل هذه الصدمة المجتمعية منذ مجموعته الأولى «قالت لي السمراء» قد تعرض لسهام النقد وعدّه كثيرون المحرر الثاني للمرأة بالمفهوم السلبي «السلفي» لمفهوم حرية المرأة، وربما عُدّ زنديقاً يحثّ على الفسوق وتدمير ما استقرّ من أخلاقيات المجتمع. مع أن نزار الشاعر «الأنثويّ» قد حمل حملته تلك لينتقد العقلية المنغلقة، والتي ما زالت كما هي حتى بعد ازدياد حمَلة الشهادات وازدياد عدد المتعلمين وتكاثر الكتب المطبوعة.

وقد حمل شعر نزار القضايا الأنثوية، ووصف كل ما يدور حول المرأة أنثى وإنساناً من علاقات مشروعة وغير مشروعة، فكان شعره حاملاً لكل ما يتصل بالمرأة من أشياء مادية وجوانب روحية ونفسية، ومنح المرأة صوتها من خلال قصائده التي تكشف عن طبيعة المرأة الإنسان بوصفها عاشقة، من ذلك ما نقرأه في قصيدة «ماذا أقول له إن جاء يسألني»، وقصيدة «أيظن» وقصيدة «لا تكذبي»، وهو بذلك الابن الشرعي والامتداد الطبيعي لعمر بن ربيعة العامري، الشاعر الأموي الذي أحدث ثورة اجتماعية وثقافية في قصيدة الغزل العربية، مع أن ابن ربيعة لم يُجرَّم ولم يُحارَب، وحقق قبولاً عند القراء وخاصة النساء، لا سيما نساء الطبقة الحاكمة على ما تذكر الروايات التاريخية، وهذا ما يشهد على انفتاح العقلية وتنوّرها قبل أن تصيبها الردة القاتمة في العصر الحديث.

وعلى الجانب الآخر، فقد صوّر شعر نزار ذلك الشبق الذكوري المتصل بجسد المرأة في شهوانية واضحة بتفاصيل غير مواربة، ومن ذلك قصيدته «القصيدة المتوحشة» والتي لحّنها وغنّاها المطرب كاظم الساهر، بعد أن أعطاها اسم «أحبّيني» ليتوافق الاسم وفن الغناء.

في غمرة الحديث عن الشعر المغنّى، يستحضر المرء ظاهرة مشهورة صارت عرفاً عاماً بين الشاعر والمطرب والملحن، وهي تغيير بعض الكلمات للمقاطع المؤدّاة من القصيدة سواء أكانت من الشعر الفصيح أم غيره. حدث هذا مع أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ، كما حدث مع غير قصيدة غناها كاظم الساهر للشاعر نزار قباني. فما الداعي للتغيير؟ ولماذا يلجأ إليه المطرب أو الملحن؟ وقد يقف وراء كل قصيدة مغنّاة حكاية طويلة وتفاصيل مثيرة، لكنني سأكتفي هنا بالموازنة بين القصيدة الأصلية وبين النص المؤدى منها، في قصيدة نزار «القصيدة المتوحشة».

من عادة المطربين اختيار بعض المقاطع بدلاً من غناء القصيدة كاملة، وهذا ما حدث هنا، فقد وقع الاختيار على قسم من القصيدة، ولن أقف أيضاً عند مسوغات هذا الاختيار، مع ضرورة الاعتراف أن اختيار المقاطع محكوم بذائقة وطريقة تفكير الشخص الذي قام بذلك. أما المقاطع التي تم اختيارها فقد وقع فيها التغيير والتبديل على ما سأبيّن ذلك في الأسطر اللاحقة.

ثمة ما يوجه المطرب نحو التماشي مع عقليةٍ ما، فقد تنازل أولاً عن المقاطع التي تصطدم بالأفكار السائدة في المجتمع، وابتعد كذلك عن الألفاظ الصريحة أو الكنايات اللطيفة، الواردة في القصيدة، مقدماً ومؤخراً بعض المقاطع ومازجاً إياها معاً في مواضع أخرى، فقد طال التغيير المقطعَ الثاني من الأغنية، وهو من المقاطع الأخيرة في القصيدة الأصلية. فبعد أن بدأ المقطع بفعل الأمر «تعرّي» على ما فيه من صدمة عارية، يصبح في النص المؤدَّى «تعالي»، ولن أوازن نصياً بين الفعلين، لأنه الموازنة ستُفقد النص قيمته ورسالته الأصلية المتوخاة في صدمة المجتمع وهزّ ضميره المنافق.

أما المقطع الثالث فيبقى كما هو، ليصل المطرب إلى المقطع الرابع فيكتفي منه بسطرين فقط، فقد حذف مواطن الصدمة النصية في القصيدة: «وأبقيني على نهديك/ مثل النقش في الحجر»، وكذلك فعل في المقطع الخامس، فقد تم حذف تلك الكناية التي تدلّ على العلاقة الحميمة بين طرفي العلاقة، فبعد أن طالب المرأة المحبوبة بعدم الخوف والخجل والشكوى من اكتمال العلاقة الحسية، تصل القصيدة إلى ذروتها في بناء العلاقة الكاملة بين الطرفين، وهذا ما تريده القصيدة من أفكارِ شاعرها، فقلّم كاظم الساهر أظافرها، وخفّف حدة الصدمة، وذلك بحذف جملة «أيشكو الغمد إذ يستقبل السيفا؟».

وبهذا تضيع رسالة الشاعر، لتنحرف الرسالة الأصلية إلى رسالة نصية أخرى، مفرّغة من هدفها، لصالح اللحن والجماهيرية والرقص طرباً على لحن جميل، وإن خسرنا شيئاً من الأفكار والرسائل المصاحبة، فالمطرب ليس معنياً سوى بانتشار أغنيته، وتحقيق نسبة مبيعات عالية، وإن كانت الخسارة كبيرة في التنازل عن هدف الشعر ورسالة الشاعر.

* كاتب فلسطيني