د.أيوب أبو ديّة

في رواية «عبر الشريعة» للأديب د.بسام أبو غزالة، نجد مشروعاً وطنياً وأدبياً بامتياز تم بناء أركانه من خلال رواية أحداث ساخنة جرت وقائعها في ستينات القرن الماضي وسبعيناته بين بيروت وعمّان والضفة الغربية. ومن الواضح أنه مشروع يخصّ فلسطينياً عاش النكبة بكل منطوياتها العاطفية والاجتماعية والنفسية والاقتصادية والسياسية والنضالية.

يشعر القارئ المتمعن في تفصيلات الرواية الصادرة عن «الآن ناشرون وموزعون» بعمّان (2018)، أنها تؤرخ لحياة كاتبها ولمعاناة الفلسطينيين وتاريخ النضال الفلسطيني وطموحات شعبه؛ فهي من زاويةٍ تتحدث عن قصة حياة «طاهر» الذي بدأ شبابه طالباً ومراهقاً في بيروت ثم انتقل إلى عمّان وعَبَر «الشريعة» بُعيد حرب 1967 للالتحاق بأهله. و»الشريعة» هو اسم نهر الأردن باللهجة العامية الأردنية-الفلسطينية. وهكذا عاد «طاهر» إلى وطنه بالتسلل عبر نهر الأردن مع خطيبته للانضمام إلى أهله في الأرض المحتلة.

وفي ثنايا الرواية يشرع الكاتب في استعراض المجازر الصهيونية قبيل نكبة 1948 لغاية نكسة حزيران؛ كذلك تستعرض الرواية أدوار كلّ من بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية وتخاذل العالم العربي تجاه القضية الفلسطينية. ولكن سياق الرواية في مجمله يصور سيرة حياة هذا الطالب المهندس الذي يعود في جذوره إلى قرية الطنطورة الواقعة إلى الجنوب من حيفا والتي ارتكب الإسرائيليون فيها مجازر خلال 22-23 أيار 1948، حينما كان والده يعمل في حيفا آنذاك؛ إذ يقرر «طاهر» أن هناك أولوية للنضال على الدخول في شراكة زوجية مع خطيبته وحبيبته «كندا»، لذلك يؤجل مشروع زواجه حتى يحلّ الوقت المناسب.

وفي هذا السياق، يستعرض البطل التياراتِ السياسية التي كانت متاحة آنذاك والتي رغب في الانضمام إليها لمقاومة الاحتلال بوصف المقاومة مشروعاً أعطاه «طاهر» أولوية على الحياة الزوجية الخاصة التي كان بالإمكان تأجيلها. ومن الهيئات السياسية التي كانت منتشرة آنذاك منظمة التحرير الفلسطينية والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وغيرهما، حيث سعت الرواية الى الكشف عن الجوانب الإيجابية والسلبية لكل منها.

ولا تقف الرواية موقفاً حيادياً من الفكر السلفي، حيث تدخل في حوارات حول قضايا تؤرق الكاتب وتؤرقنا جميعاً، وهي فكرة الاستسلام للقدر والركون إلى أحاديث غير مسندة تدعو إلى التواكل والتخاذل، كمثل الحجر والشجر اللذين من شأنهما أن ينطقا كي يرشدونا الى اليهودي الذي يختبئ وراءهما ويحتل الوطن، إذ يتساءل الراوي منفعلاً: «ألن يسألنا الله يوم القيامة، ألم أخلق لك عينين تبصران سبيل الحق وعقلاً يهديك سواء السبيل ويداً تقدّ بها الصخر الصلب؟». وبالرغم من ثراء حوارية رقم 32 في الرواية والتي تبدأ في الصفحة 244، فإن المحاور تنتهي إلى أن النقاش مع التيار السلفي يؤول دوماً بالدوران في حلقة مفرغة. مثل هذه القضايا بحاجة إلى حوار عقلاني هادئ بعيداً عن التكفير والتعالي والتشجنج، ذلك إذا شئنا أن نتقدم أنملة واحدة صوب التفاهم مع الآخر وفتح باب الحوار الوطني وتعزيز الجبهة الداخلية لتصبح على قدر الهجمة المسعورة على بلادنا من شتى الأمم والأعراق.

ويعود أبو الطاهر وابنه لزيارة منزلهما الذي ظل على حاله منذ أن تركوه أثناء إقامتهم في حيفا حتى وصلوا إلى شارع الناصرة وفتحوا باب البيت بالمفتاح الذي احتفظ به أبو الطاهر لأكثر من عشرين عاماً. ويسجل الروائي عبر الوصف العاطفي الجياش موقفاً يذكّرنا بسرديات سميح مسعود وذكرياته في حيفا التي تقطر ألماً ومعاناة وشوقاً وقهراً ودماً، وبخاصة ثلاثيته الملحمية «حيفا برقة.. البحث عن الجذور» وكتابه الأخير «حصاد السنين».

ويتساءل المرء أحياناً عن بعض المواقف العاطفية التي ربما تكون لها مواقف إشكالية، كحمل بعض التراب من الوطن ونقله حتى يُدفن مع الفلسطيني في الشتات. أليس من الأَولى أن نظل نحلم بالعودة إلى أرضنا ووطننا وأن نُدفن هناك؟

كذلك يسجّل الكاتب موقفاً محيراً قبيل انتهاء الرواية وبعد خروج طاهر من السجن الإسرائيلي بالإسراع بإتمام معاملات الزواج بهدف الإنجاب والتكاثر للمساهمة في تحرير تراب فلسطين! وهنا يتساءل المرء عن نجاعة هذه الإستراتيجية التي ربما تكون مفيدة في نظام ديمقراطي يحسب للأكثرية وزناً، وهذا ما لا يتوافر في الدولة اليهودية العنصرية القابعة على تراب فلسطين المحتلة وعلى صدور العرب جميعاً.

كذلك، يمكننا استخلاص رسالة من الرواية حول المقاومة السلمية وذلك من مجمل أحداث الرواية وبخاصة دور «طاهر» في تشكيل «لجنة التوجيه الوطني» وتأسيس فروع لها في معظم مدن الضفة، فضلاً عن الانكباب على رفع وعي الجماهير بضرورة المقاومة والمقاطعة والاستناد إلى البعد القومي العروبي لإبقاء الصراع مفتوحاً والدعم العربي قائماً.

إنه منهج أقرب إلى اليسار القومي، إن صحّ التعبير. وربما يتّضح هذا الموقف أكثر بتقدير الراوي لمواقف المحامية الإسرائيلية «فليسيا لانغر» في الدفاع عن المعتقلين الفلسطينيين؛ وهذا موقف عقلاني وموضوعي أراه إيجابياً في الصراع مع عدو ينظر إليه العالم كله تقريباً بأنه على حق، فيما يرى أن المظلوم والضحية (أي الفلسطيني صاحب الأرض) هو المعتدي والإرهابي.

لا شك في أن هذا العمل الأدبي الرائع يمثل رؤية لجزء من تاريخ منطقتنا عبر رواية ممتعة الأسلوب، محكمة اللغة، موضوعية الطرح، عقلانية التركيب والتحليل، فضلاً عن أنها نابعة عن معاناة واقعية للفلسطينيين في الشتات، حيث فقدوا أرضهم وبيوتهم ومصدر رزقهم ولكن «طاهر» ما يزال يعتدّ بهويته الفلسطينية وعروبته ويطمح إلى تحرير وطنه مهما طال به الزمن.