د. دلال عنبتاوي

منذ لحظة القراءة الأولى لمجموعة «الكتابة على الماء والطين» للشاعر نضال القاسم، يلفت الانتباهَ ذلك الإهداء الذي يحمل في طياته التقاء خفياً واتساقاً غير عادي مع عنوان المجموعة. فالإهداء يخاطب النفوس الطيبة في العالم، تلك النفوس النقية والتي هي بالأصل متكونة من الماء والطين اللذين يمتزجان لتكوين الشكل.

إن الاتساق بين الماء والطين من جهة وبين النفوس البشرية التي جُبلت بالأصل على الطيبة والمحبة والإنسانية، جاء ليعبّر عن تداخل قوي وامتزاج مطلق بين الماء والطين لتكوين الكتلة الواحدة المتحدة؛ «الإنسان».

ويشي العنوان بأن هناك فعلاً يُكتَب على صفحة بيضاء نقية هي النفس البشرية، فعبارة «الكتابة على الماء والطين» جملة اسمية يتصدرها المصدر المأخوذ من الفعل «كتب». ومن المعروف أن فعل الكتابة فعل قويّ يحتاج إلى صفحة حتى يمكن وضع الحروف المكونة للكتابة عليها، لكننا نجد هنا أن الكتابة كانت على الماء والطين وليس على صفحة ورقة بيضاء، وكأن الشاعر أراد أن يبين أن فعل الكتابة يتجاذبه عنصران متناقضان؛ الماء الذي لا يمكن الكتابة عليه، والطين الذي يمكن أن يُخَطّ الحرف عليه ويأخذ شكل الحفر. وحين يستكمل القارئ عملية الغوص في الحالتين من الكتابة في هذه المجموعة، يجد أن الفعل تمثّل في الكتابة التي أخذت شكل الحفر على أحدهما وهو الطين، واللين والرقة والسلاسة على الماء.

ولعل أكثر الظواهر الأسلوبية التي تلفت الانتباه في المجموعة الصادرة عن الأهلية للنشر والتوزيع بعمّان، هي ظاهرة التكرار. إذ ينهض التكرار في النصوص الشعرية عامة على سمة أسلوبية وعلامة فارقة تحفز القارئ للبحث عن مدلولاتها وبيان وظيفة هذا الأسلوب على مستوى التركيب اللغوي للنص وعلى مستوى البناء النصي، فالتكرار في الأصل مبعث نفسي، وهو من ثم مؤشر أسلوبي يدل على أن هنالك معاني تحتاج إلى الإشباع. وتعريف التكرار يوضح ذلك، فهو يعني دلالة اللفظ على المعنى مردّداً، أو هو ذكر الشيء مرتين أو أكثر لغرضٍ ما.

وتحاول هذه القراءة السريعة التعرف على أنماط هذه الظاهرة في مجموعة «الكتابة على الماء والطين» والتي جاءت متجلية بتكرار الحرف، وتكرار اللفظة، وتكرار العبارة، فضلاً عن تكرار المقطع. وقد وظف الشاعر معظمها في مجموعته هذه.

إن التكرار يقوم في الغالب بدور كبير في الخطاب الشعري، وهو يعكس التجربة الشعورية الانفعالية، لذا لا يجوز النظر إليه على أنه شكل أو زينة لفظية في النص، بل يجب النظر إليه على أنه وثيق الصلة بالتجربة الشعورية وبالمعنى العام. ويلاحَظ أن هذا التكرار كان عنصراً فعالاً في تكوين قصائد نضال القاسم في هذه المجموعة.

وللتكرار في شعر القاسم تجليات مختلفة، فقد كرر الشاعر الاسم والفعل والحرف، واتخذ التكرار حضوراً مكانياً مختلفاً في النص، ومن ذلك تكرار البداية، إذ برزت بعض الكلمات في أشكالها الثلاث السابقة في بداية كل سطر، وجاء تكرارها متتابعاً أحياناً وغير متتابع أحياناً أخرى. وغالباً ما يؤدي هذا النوع من التكرار في السياق دلالاتٍ معينة، ويسمى هذا النوع من التكرار: «التكرار الاستهلالي» أو «الاستدلالي»، ويُشترط في هذا التكرار كما تقول نازك الملائكة أن يوجّه القصيدة في اتجاه يقصده الشاعر، وإلا كان زيادةً لا غرضَ منه، وهي تقصد بذلك أن يكون هذا التكرار فاعلاً في توجيه الدلالة وفي تماسك مقاطع النص، وهو ما يقوله محمد صابر عبيد كذلك.

ويستهدف التكرار الاستهلالي في المقام الأول الضغطَ على حالة لغة واحدة وتوكيدها مرات عدة بصيغ متشابهة ومختلفة، من أجل الوصول إلى وضع شعري معين قائم على مستويين رئيسيين؛ إيقاعي ودلالي.

وجاء التكرار في هذه المجموعة في بعض الأحيان من خلال كلمة واحدة أو عبارة في أول كل سطر شعري، ويسعى هذا النوع من التكرار إلى إثارة الانتباه إلى اللفظة المكررة أولاً، ثم إثارة التوقع لدى القارئ لمشاركة الشاعر إحساسه ونبضه الشعري. وعند إحصاء القصائد التي بدأت بمثل هذا النوع من التكرار يجد القارئ أن عددها سبع قصائد بدأت بتكرار تركيب مكون من جملة اسمية تارة ومن جملة فعلية تارة أخرى.

وتعدّ قصيدة «نجمة الأحد» نموذجاً للاستهلال بالجملة الاسمية. يقول الشاعر:

«هي نجمة حمراء ساحرة بلون الشمس

ونجمة الفجر الضحوك».

ويقول في قصيدة «حب» أيضاً:

«وفي دفتر الشعر أكتب أني عليل

وفي دفتر الشعر أكتب أن الذي بيننا محض ذكرى».

ويتجلى التكرار الاستهلالي بالفعل في قصيدتَي «حراقة العينين» و»المرأة النهر»، حيث يوظف الشاعر فعل الأمر «ردي» والفعل الماضي «سئمت». يقول في «حراقة العينين»:

«ردي السلام.. إلى جنحيك ضميني

ردي علي..».

وفي قصيدة «المرأة النهر»:

«سئمتك قالت...

سئمت التفاصيل والأقنعة...

سئمت البلاد التي لا تثور».

ومن الملاحظ أن التوظيف هنا جاء متراوحاً ما بين الفعل والاسم، ففي القصيدة الأولى يوظف الشاعر الاسم أربع مرات، وفي النص الثاني يكرر الفعل مرتين فقط، وفي نص آخر ثلاث مرات. وهذا النوع من التكرار يحضر في قصائد القاسم كثيراً. يقول في قصيدة «شجر الغواية»:

«أصطاد من نبض الحقول قصائدي

أصطاد رائحة البنفسج والصباح

أصطاد من شجر الغواية ما تيسر من جنون».

لقد تكرّر الفعل المضارع «أصطاد» ثلاث مرات، وقد جاء هذا التكرار الاستهلالي ليوفر دفقاً غنائياً يعمل على تقوية النبرة الخطابية، فالشاعر هنا يوظف الفعل المضارع ليؤكد قدرته على قنص الأشياء الجميلة من حوله.

ومن النماذج التي تجلى فيها تكرار العبارة، قول الشاعر في قصيدة «قلبي عالق في الفخ»:

«هي ذي تطل على ضفاف الأغنيات كنجمة حيرى

هي ذي تطل كنجمة حيرى في عينيها عتب

هي ذي تطل ويشتعل المدى لهبا

هي ذي تطل على غصون الروح كنيزك مجهول

هي ذي تطل ويرشح من أصابعها الندى والكهرمان».

إن تكرار عبارة متكاملة على صيغة تركيب الجملة الاسمية «هي ذي تطل» خمسَ مرات، يعني أن الشاعر يركز على حالة من الحضور الذي تمتلكه تلك المرأة، فهي تتمتع بإطلالة متميزة، لذا يركز على حضورها الدالّ والمكثف من خلال تأثر كل ما حولها بتك الإطلالة.

ومن أنواع التكرار اللافت في المجموعة، تركيز الشاعر الواعي -وربما غير الواعي- على استخدام الحروف والأدوات (حروف الجر، أسماء الإشارة، أدوات النداء.. إلخ)، وقد غلب حضورها في معظم قصائده. ومن الأمثلة على ذلك قوله في قصيدة «عصافير طوكيو»:

«هنا، ضيع القلب آماله

هنا، ضيع القلب أحلامه وتشظى

هنا، لا وقت للحرب والحب والميجنا

هنا دوختني الخرائط والقطارات الخفيضة والسريعة».

فقد تكرر اسم الإشارة هنا أربع مرات، للتأكيد على حضور الواقعة في مكان موجود لكنه غير محدد المعالم، وقد استعاض الشاعر باسم الإشارة «هنا» عن الكشف عن ملامح المكان وتحديد تفاصيله وربطه بأرض محددة، ولم يُسَمِّ المكان مباشرة، مكتفياً بحضوره من خلال عنوان القصيدة.

ومن الأدوات التي كان توظيفها متميزاً في حضوره وله قيمة عالية في الكشف عن الحالة التي يعيشها الشاعر ما بين الحب واللاحب، وحالة التشظي بين ما يتمناه وما هو متحقق على أرض الواقع، توظيف الضمير «هي» الذي يومئ إلى أنثى حاضرة وغير حاضرة. يقول في قصيدة «رياح الشمال»:

«هي هكذا

هي شهقة الفجر المضرج بالندى والكهرمان

هي رعشة الناي المعذب بالأماني

هي هكذا».

ومن الأدوات اللافت توظيفها كذلك، أداة النداء «يا» التي توظَّف غالباً لنداء البعيد، وكأنه يريد الكشف عما تحمله تلك الأداة من تعلُّقٍ بوهمٍ قد يستطيع المنادى فيه أن يرد على من ينادي عليه وقد لايرد (المنادى هنا لا يرد في الغالب). يقول القاسم في قصيدة «بين حربين ومنفى»:

«رأسي مثقل بالحرب

يا أنتِ

يا امرأة الحقيقة في فمي

يا أنت ِ

يا أيقونة للسحر».

وفي قصيدة أخرى يوظف النداء الذي يُشعرنا بمدى القرب الذي تحظى به تلك البعيدة القريبة أو الغائبة الحاضرة. يقول في قصيدة «قلبي عالق في الفخ»:

«في البال أنت يا مجنونة القسمات

يا موّارة بالخصب

يا مجبولة بدمي».

وأخيراً، لقد وظف الشاعر التكرار في مجموعته توظيفاً جميلاً للتعبير عن مكنونات ذاته وخفاياها، وما تجلّي التكرار بأشكال عدة سوى تعبير عن حالة من حالات التعلق بالأشياء التي يعانيها المبدع حين يصعب عليه امتلاك أشيائه التي يحبها، فيلجأ إلى تكريسها وخلقها بشكل مضاعف، ولعل إحدى الطرق تكرارها حتى ترسخ عنده وتصبح علامة فارقة في تجربته.