سميحة خريس

تعود جائزة أبو القاسم الشابي بقوة إلى موقعها بين الجوائز العربية التي تتمتع بالمصداقية في اختياراتها بما يليق مع ارتباطها باسم مبدع كبير. وكانت الجائزة قد حُجبت ما بين عامي 2012 و2016 بسبب الظروف التي مرت بها تونس، ولكنها عادت مفعمة بالحيوية وبتوجهها العربي نفسه ليحصل عليها عام 2017 الشاعر البحريني قاسم حداد، ثم لتكون هذا العام من نصيب «طريقي إلى الحرية» وهو كتاب في السيرة الذاتية يمثل رصداً ذكياً لسيرة وطن، كتبه مبدع متمكن من لغته وأسلوبه، هو د.حمادي صمود.

«صمود» الذي يمثّل حالة ثقافية متميزة، درّس في عدد من الجامعات التونسية (كليات الآداب والعلوم الإنسانية)، وألقى محاضراته في جامعة باريس، وهو عضو في مؤسسة بيت الحكمة. وقد صدرت له مجموعة من الكتب النقدية منها: «التفكير البلاغي عند العرب»، «الوجه والقفا في تلازم التراث والحداثة»، «من تجليات الخطاب الإبداعي»، «بلاغة الهزل ومسالة الأجناس الأدبية عند الجاحظ»، «البناء على الخطأ.. ابن رشد قارئاً أرسطو» .

حصد حمادي صمود عدداً من الجوائز، ففي الترجمة من الفرنسية حصل على جائزة خادم الحرمين الشريفين، كما حصل على جائزة ابن خلدون التي تمنحها المنظمة العربية للتربية والثقافة، وجائزة الدولة التونسية في العلوم الإنسانية، ومؤخراً جائزة العويس الثقافية، وأخيراً جائزة أبو القاسم الشابي.

كتاب «طريقي إلى الحرية» الذي صدر عام 2017 يلفت الانتباه إلى تجربة فريدة، صيغت بأسلوب روائي خالص، خاصة في الجزء الأول منه، حين نقل لنا الكاتب تجربة حياته بأسلوب شفاف وصياغة عالية لنرى معه مسيرة حياته منذ البداية، حين كان هذا الأكاديمي المتمكن في التدريس في أعرق الجامعات مجردَ صبي صغير وابناً لصائدِ سمك، يعيش حياة متواضعه في قرية صيادين لا يعرف أحد عنها شيئاً، وبفضل الحلم الذي سيطر على أمه كان له فرصة أن يلتحق بالتعليم، مُعانياً متاعبَ ومشاقَّ الارتحال من مكان إلى آخر، صانعاً نفسه بتفوقه العلمي، وهو في الوقت نفسه يقدم لنا وجبة غير مسبوقة عن حياة تلك الفئة من الناس، ثم وعندما يتغير مسار حياته سنرصد معه تلك الثورة العلمية التي عصفت بالبلاد كلها لتغيّر واقعها ومواقع أفرادها، ولعل هذا هو أهم المفاصل في ذلك الكتاب الممتع، إذ ينتقل من البساطة إلى تعقيد المدن، ومن مهنة تستلزم الصبر على الرزق إلى مهنة تساهم في صناعة الوعي وتشكيل العقل.

يحظى القارئ في القسم الثاني من الكتاب، برصد دقيق وفاحص لتطور العملية التعليمية في تونس وقادتها والمؤثرين فيها وكيفية تطورها لتوافق عصرها. إنه أيضاً كتاب في السياسة. فعبر العملية التعليمية يمكنك أن تقف على أهم ما تركته السياسة في إعادة تشكيل واقع الناس في تونس وصولاً إلى منظومة هي الأكثر تميزاً في العالم العربي من حيث إتاحتها الحقوق المدنية والحريات.

بهذا يصنَّف الكتاب على أنه سيرة ذاتية في سيرة جمعية، ونرى الكاتب نفسه يتوقف عن سرد تفاصيل حياته الشخصية التي فاض بها في الجزء الأول لصالح إحساس بأنه صار واحداً من هذه المنظومة التعليمية الجمعية، فيتنقل بنا بين المؤسسات المختلفة ويُطلعنا على إنجازات التربويين والأكاديميين التونسيين والعرب، وكذلك الفرنسيين إبان إقامته في باريس. ليغدو الكتابُ شهادةَ عصر وشهادة على الطريق التي سلكها المؤلف وصولاً إلى حريته، أو حرية تونس كلها التي حصلت عليها بإثراء نظامها التعليمي برجالٍ من صلب مجتمعاتها الأصيلة.

وقف حمادي صمود يتسلم جائزته في «نزل افريكا» في شارع الحبيب بورقيبة، حيث كل المؤشرات تحكي عن مجتمع بناه التونسيون بمعركة فكرية خالصة، وكان قبلها بقليل قد نال اعترافاً عربياً من جائزة العويس الثقافية، ولكن الجائزة التي تُمنح في بلاده كان لها طعمها الخاص، حيث شارك في تقديم الجائزة له وزير الشؤون الثقافية محمد زين العابدين والمدير العام للبنك التونسي محمد بن الحبيب ورئيس الجائزة عز الدين مدني وكاتبها العام ساسي حمام.

وكانت لجنة تحكيم الجائزة قد قررت منح صمود جائزة هذا العام من بين خمسين عملاً في السيرة تقدمت لنيل الجائزة من الدول العربية، من العراق وسوريا والأردن ولبنان ومصر وتونس والمغرب والجزائر، وهذا عدد كبير بالنظر إلى ندرة الأعمال التي تُحسب ضمن تصنيف السيرة.

وقد رأت اللجنة المكونة من الهادي ثابت ود.مبروك المناعي وفوزية الصفار ورجاء بن سلامة من تونس، وحسن رشيد من قطَر، وماجد السامرائي من العراق، وسميحة خريس من الأردن، أن هذا الكتاب بما فيه من أصالة وفن رفيع وقيمة معرفية يستحق الجائزة، فكان القرار بالإجماع.

يُذكر أن جائزة الشابي تأسست عام 1984 في البنك التونسي بإشراف وزارة الثقافة، وهي تُمنح كل عام لحقل من حقول الإبداع، وقد سُميت باسم الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي تكريماً له.