د.إبراهيم خليل

إذا تجاوزنا العتبات القصيرة التي استهل بها الطاهر وطار روايته «الشمعة والدهاليز»، وهي عتبات تترك أثراً في الكشف عن غايات المؤلف من روايته واختياره للشخوص، والأماكن، والحقبة الزمنية المحدودة التي تقع فيها الحوادث والمجريات، وما إن يقع بصر القارئ على البداية: «استيقظ الشاعر مرعوباً على أصوات تمزق سكون الليل المجروح بالأنوار المنبثة في الشوارع»، حتى يدرك أن الرواية تسلط الضوء على واقع غامض، ومخيف، واقع يلفت النظر إلى أن الجماهير الكادحة التي لقّنت المستعمر الفرنسي في الجزائر درْساً لن ينساه، بدأت تنزع السراويل والقمصان وترتدي بدلاً منها الجلابيب، وتطلق اللحى، وتستسلم لسراديب الماضي: «دون مقدمات.. يولون ظهورهم للماضي القريب، ويعودون للماضي القصيّ».

أما الشاعر الذي تدور من حوله الأحداث، وتجري الوقائع، فقد وجد نفسه فجأة أمام السؤال: هل يندمج في هذا الطوفان الهادر بالشعارات الدينية، أم يحافظ على ما كان يؤمن به من شعارات يسارية وقومية وأخرى ماركسية؟ الواضح أنه أمام أحجية، فالبلاد فيها شعْبان: «شعب سيد لا يجد وسيلة لفرض سيادته غير الأوراق والأوامر، وشعب مسود عليه، يقرر أن لا داعي للخضوع والامتثال لأقلية لم ترْضِهِ، ولم تلبِّ رغباته وطموحاته في أيٍّ من الميادين. خلعوا اللباس الذي ارتداه آباؤهم، واستعادوا الشوارب واللحى، وغطوا الرؤوس الحاسرة، وتوجهوا إلى سادتهم يطلبون منهم بصراحةٍ وإصرار التنحِّي وركوب البحر والالتحاق بالسادة الأوروبيين، هادرين: لا إله إلا الله». يقرر الشاعر، دون تردد، الانضمام لهاتيك الجموع، وعلى نحو مباغت يظهر شخص آخر في الرواية -عمار بن ياسر- وهو اسم حركيٌّ، اختاره المؤلف، وأطلقه على هذا الملتحي، مشيراً بذلك إلى أيديولوجية تقوم عليها الحركة الإسلامية التي ينتسب إليها. وفي حديث الراوي / البطل ما يشي باستئناسه لهذا الحركي، فكلّ منهما ينعت الآخر بما يحب، فالشاعر يقول للملتحي: «أنت رجل متّزن، إنني فخور بملاقاتك». ويجيب المدعو عمار بن ياسر: «وأنت؟ هل أنت شاعر وكفى؟». ويطَّرد الحوار بينهما عن المستقبل، فالمجاهدون يريدون دولة إسلامية: «سنوقد شمعة الخلافة إن شاء الله رب العالمين، من هنا، من المغرب الأوسط، من جزائرنا الحبيبة. ليعم نورها العالمين».

تحوُّلات

ويلتفت الشاعر، وهو في السيارة التي يقودها أحد المجاهدين إلى مكانٍ غير معروف، إلى أيام الثورة، وتستغرق هذه المفارقة السردية مساحة كبيرة من روايته للحوادث، وفيها يتذكر حادثة جرت لابنة خالته (العارم) مع ضابط فرنسي (بول) حاول اغتصابها فتظاهرت بالاستجابة، وقادته إلى مكانٍ بعيد عن وحدته العسكرية، وهناك تمكنت من تقييد يديه بحزامها، والاستيلاء على سلاحه، وقادته ذليلاً أمامها إلى الدوار، وقدمته لخطيبها «مختار» أسيراً.. وفي هذا الارتداد الزمني المتسع نحو الماضي ما يكشف عن أن الراوي (الشاعر) فقير، إذ لم يكن في المدرسة مَن هو فقيرٌ من تلاميذها غيره، مما اضطره للتخلي عن الدراسة، وقد شاء في صغره أن يكون قصاباً (عازفاً على قصبة تشبه الناي) في الأعراس. وما تلبث هذه التفاصيل أن تتمخض عن تحولات أخرى في حياة هذا الفقير، وذلك عندما اصطحبه عمّه إلى المدرسة المعروفة بـ»فرانكو مسليمان» في قسنطينة، وقد تم قبوله في تلك المدرسة رغم أن من التلاميذ فيها من أبناء الموظفين، الذين ليس فيهم فقيرٌ واحد. قال لمدير المدرسة ذاتَ سؤال: «كيف سمحتم لأنفسكم بالسماح لفقير مثلي أن يدخل مدرستكم بالغة النظافة؟». رداً على ذلك أفهمه المدير أن لـ»ديغول» رؤية مستقبلية تمكّنه من رؤية اتجاه حركة التاريخ، فهو واثقٌ من أن الجزائر سوف تستقل، وأن فرنسا ستخرج منها عاجلاً أم آجلاً، لذا لا يصح أن يحرَم طفل مثله من فرصة التعليم. ويتذكر أن الرد فاجأه، فسأله فوراً: «ألستَ فرنسياً»، فقال المدير: «بلى، فرنسي، ولكني أحب فرنسا، إنّ ديغول يفكر بالطريقة التي أفكر بها، ويرى ما أراه».

مفارقة زمنية

وفي هذا الجزء من مفارقته الزمنية، يعرف القارئ أنه دخل المدرسة متأخراً ثلاث سنوات عن غيره، ويعرف الكثير عن «الكورسيكي»، القيِّم العام للمدرسة، ويلمّح لمعارضته فرنسا، وتأييده الثوار، بدليل وعده بتزويد الراوي بكتب تتحدث عن الاشتراكية والماركسية، ويصرح له بقربه من الثوار، ويقول له إن الاستعمار القديم قد ولى، وآن الأوان ليحل محله الاستعمار الجديد: «فعادة ما لا تنتهي الحرب حين تبدأ. ما يتوقف هو المعارك المسلحة حسب، أما المعارك السياسية من أجل المصالح فتتعدى الحدود، ولا تنتهي. العصر هو عصرُ الاستعمار الجديد». تُداهم هذه الذكريات الشابَّ، وهو مع الجهاديين، في سيارة، فيوقظه هتافٌ سُمعَ فجأة «لا إله إلا الله»، فبين ساحة الأول من مايو (أيار) ومنزله 17 كيلومتراً فقط.

يتسع الهامش ليصف الراوي لنا المنزل الذي يقيم فيه، ويصف محتواه، مع التركيز على صور فنانين وكتّاب، وعلى غرفة تتكدّس فيها الكتب بالعربية والفرنسية، وصورة لضريح «آجداري» ذي المعمار اللولبي (في إشارة إلى أن هذا المثقف، المتشبع بالأفكار الإلحادية الجديدة، ما تزال في نفسه خلوة يشغلها الشعور الديني العميق). وتصلنا ذكريات الراوي المستعادة بانتهائه من الدراسة في الثانوية، وبالاحتفال بنهاية العام، وبالعرض المسرحي الذي جرى بحضور أولياء الأمور، وجمهور من الطلاب، وبالرقصة الفولكلوريِّة التي قدمها الشاعر بصحبة اليهودي القادم من رحبة الصوف. وفي الأثناء تداهمه ذكرياتٌ أخْرى: «العارم تخاتل الضابط، تنتزع حزامها لا لتنام معه، بل لتوثقه، وتقوده أسيراً إلى خطيبها مختار، المختار وأبي ومن معهما في حمأة وطيس.. الدبابات تنفث نيرانها، والعسكر يصعد الجبل، والطائرات من فوق تقذف بقذائف النابالم، وترسل التوجيهات للدبّابات.. وكي يتوقف القصف العلوي، والسفلي، لا بد من الاشتباك». وفي نهاية الرقصة يندلع جنون الجمهور، وتتعالى هتافات: «لتحيا الجزائر .. تحيا الجزائر..». وفيما كان الهتاف يعلو، وقع «غاندي»/ الشاعر مَغْشياً عليه ولم يدر ما الذي حدث. إذ أفاق على الملتحي عمار بن ياسر يسأله: «أين كنت أيها الشاعر الحكيم؟»، فقال مجيباً: «بل أين أنا الآن؟».

مسارات الرواية

يطرأ ما يمكن أن يعَدّ تحولاً في مسارات الرواية، فحديث بن ياسر عن الجزائر، وعن الطبقة الحاكمة، وفسادها، يتيح للبطل أن يتوغل في استذكارات أخرى عن أبيه إسماعيل الذي لم نعرف عنه حتى هذه اللحظة شيئاً، وهذا مخالف لطبيعة الأمور، وهو أن نعرف الأب قبل الابن ما دام الأمر لا يخلو من أنْ نعرف الاثنين. فنتبين من هذه المفارقة السردية الجديدة أن والده من الثوار، ولم يظفر من العهد الجديد إلا بخفَّيْ حنين. وكان قد تزوج من امرأة أخرى رُزق منها بأبناء، إلا أن الشاعر لا يتقبل فكرة أن يكون له إخوة من غير أمه، يقول: «رفضت الانسجام معهم وفاءً لأمي، ورفضاً للأمر الواقع الذي فرضه علينا أبي».

ومثلما واجه البطل إشكالية في الانسجام مع إخوته من أبيه، كذلك حار في الانسجام مع الحركة الإسلامية، ففيها فصائل عدة، بعضها يسعى لإحياء الخلافة الإسلامية، وبعضها يكتفي بدولة إسلامية، وبعضها يقبل بجمهورية إسلامية، وآخرون يرفضونها بحجة أنها من الغرب: «الجمهورية كلمة مستوردة من الفرنسيين». وتطَّردُ مناقشات الشاعر «غاندي» مع محدّثيه،: «إن قيام الدولة الإسلامية ليس بهذه البساطة، فهي لن تقوم إلا بالعنف الدموي، أو التواطؤ المشبوه، وإذا استبعدنا العنف، وجب السؤال عن التواطؤ، فمن هو المتواطئ، ولصالح مَن؟». ويصارحُ محدّثيه في جلسة أخرى بأنه لا يشغله شيء من هموم الدنيا سوى القراءة والبحث. ومجيئه إلى هذه الحركة -يقصد الإسلامية- كان من أبعد السبل، وعلى نحوِ يفاجئ فيه المؤلفُ القارئ ينفجر الشاعر متسائلاً: «ما دور الخيْزران، وهل هي الشمعة التي تضيء الدهليز وتنيرهُ؟».

سؤال افتراضي

يبدو أن الطاهر وطار بهذه النقلة المفاجئة يفرضُ على روايته مساراً غير طبيعي، ولا يتسق مع المتن الحكائي الذي ابتدأه. فتحت عنوان «الشمعة» يحدثنا الراوي العليم عن رؤية البطل لفتاة (زهيرة) يلقبها بالخيزران، وهو اسم أو لقب لفتاة من المغرب الأوسط يُقال إنها من البربر، تزوجها الهادي ثالث الخلفاء العباسيين وهي أم هارون الرشيد، الخليفة الرابع*. ويصفها الراوي وصفاً يوشك أن يكون «مونولوجاً» داخلياً منقولاً نقلاً غير مباشر، وهذا الوصفُ الذي هو وصف دقيق يتكرر في عدد من المواقف، ولا سيما في أثناء محاكمة الشاعر، وهي محاكمة تدور في معظمها حول تهمٍ لهذه الفتاة ضِلْعٌ فيها، أو علاقةٌ ما.

ويمعن المؤلف فيما بعد بإيراد التفاصيل المهمة، وغير المهمة، عنها، فهي في العشرينات، أي أنه يكبرها بنحو عشرين عاماً أو أكثر، وأخواتها خمس، منهن مَن تزوجت، ومنهن مَن تنتظر، ومنهن مَن أتمت الدراسة، ومنهن مَن لم تتابع، وإخوانها من الذكور ثلاثة نَفَر. وأمها «وردية»، وجدها «بولزمان»، الذي يُعْتقد أنه وليّ من أولياء الله الصالحين، ويتجلى لهم في صور شتى، ونماذج عدة. وتعتقد الأم «وردية» أن «بولزمان» هذا تجلى لـ»زهيرة» في صورة الشاعر الذي تعرّف إليها في الحافلة، وأحبَّها، ولاحقها مراراً، وأراد لها أن تكون زوجته على الرغم من أنه لم يفكر بالزواج قبلاً، حرصاً منه على الرهبنة في سبيل العلم والقراءة والكتابة وقرْض الشعر.

أما الحوار بين البطل والفتاة (الخيزران) فيوضح أنه أستاذ في الجامعة، وشاعر في الرابعة والأربعين من العمر، وأن انشغالاته في العلم والقراءة والتدريس، صرفته عن التفكير بالزواج والحبِّ وحفظ النوع البشري، وهذا الذي تعرفه «زهيرة» عن فتاها تحدّثُ به أمَّها التي تظنه مخبولاُ، أو أنه الولي «بولزمان» تجلى لها في صورة ذلك العاشق.

فضاء العشق

على أن البطل الراوي الذي تغيَّب عن موقع السارد تاركاً للراوي العليم أن يُفضي بمكنونه تارة، ولـ»الخيزران» تارة أخرى، سرعان ما يستأنف الحلول في موقع السارد المشارك، ليتهجَّد تهجُّداً في فضاء العشق. مما يحول السرد إلى خطاب تأملي يتحدث فيه الراوي لنفسه عن تاملاته في الحبّ، والجنس، وهو خطابٌ مطولٌ، ومملّ إلى حدّ ما، ويصعب وصفه بالمونولوج الداخلي، لأن المؤلف يخرج فيه من إطار الحديث عن عالم البطل الداخلي، إلى الهذْر في قضايا فلسفية، ونفسية، ونظرياتٍ عن العلم والنشوء، والإنسان، والخلْق، والصراع الطبقي، والدين.. إلخ. وأن يستحيلَ المونولوج الداخلي إلى بحثٍ في خلاصات لينين عن أن الشيوعية ينبغي لها أن تعادي الإمبريالية، تحوُّلٌ ينأى بالشمعة عن إضاءة الدهاليز في هذا الموقع من الخطاب الروائي. ومما يُنقذ الخطاب الروائي من عشوائيته هذه عودة الكاتب إلى السارد العليم: «استلقى على سريره بثيابه، بسرواله الجينز الخشن الذي يتسع لعدة أجسام مثل جسمه، بالجوربين الممزقين اللذين يحتاجان لمزيد من الغَسْل، والرتْق».

السارد المزدوج

ولا يجد الطاهرُ وطَّار حرجاً في أن يجعل السارد سارداً ذا وجهين، فمرة يخاطب البطل مستعملاً ضمير المخاطب: « م تنتظر كثيراً. وها إنك بين ذراعي فتاة في الثانية والعشرين». ويترك المجال لـ»زهيرة» مرة كي تروي لأمها عنه: « أراه يمه. أينما اتجهت أراه، أينما اتجهت. كلما فكرتُ فيه رأيته». وتقول لها «وردية»: «لعله مرسَل من عند سيدي بولزمان.. الشايلله به». ويعود بنا مرة إلى الراوي العليم مستخدماً ضمير الغائب: «ما إن رآها حتى تقدّم نحوها بثبات كأنما يعرفها منذ دهور، مادّاً يده لمصافحتها، لم تكنْ لتصافح الرجال، لكنها مدَّت يدَها نحوه». ويعود بنا مرة أخرى لحديث بين الاثنين: «أقول لكَ الحق؟ لا أثق في شيء مما قلته لي عن أنك أستاذ، وشاعر... و.و. و .. ما أنت إلا سيدي بولزمان قطعت المسافات وجئتَ لأمْرٍ ما». وأخيراً يعود بنا الكاتب للراوي المشارك، الذي هو البطلُ نفسه: «قد يكون عاودني المرض». وفي هذا يجد القارئ ما يذكرهُ بالسابق، أيْ بحديث السارد شبه الخطابي عن الواقع السياسي، والاجتماعي، في الجزائر بعد الاستعمار، وهو حديث ينحرف بنا بعيداً عن مسار النسق الروائي قبل أن يرجع بنا الكاتب إلى الحديث المتبادل بين الابنة «زهيرة»، و»وردية» الأم عن هارون الرشيد (البطل)، تقول «زهيرة» لـ»ورديَّة»: «شوفي يا يمّه. عندما تكونين معه يُطَلْسِمُك تماماً. يتحدَّثُ مرة عن العرب، ومرة عن البربر، ومرة عن أفلاطون، ومرة عن دقيانوس، ومرة عن الجنِّ، ومرة عن العقل، ويريد أن يتأكد ما إذا كنتُ مومياءَ مصرية هربتْ من أحد أضْرحة الفراعنة».

وعلى الرغم من أن البطل الذي يُعرف بأسماء عدة يحاول الاقتراب من الإسلاميين، إلا أن حيرته وتردُّده لم ينطليا على الجهاديّين. وقد حددوا له موعداً في أحد الجوامع ليختبروه، ولما لم يأتِ قام سبعة منهم باقتحام منزله عنوة، وكانوا قد أعدوا له محاكمة مسبقة، وحكموا عليه بالقتل، وفيما كان ذلك تعبيراً عن شكوكهم في إلحاده ومعاداته للحركة، وقفَ عمار بن ياسر مؤبناً له، قائلاً: «أيها الشهيد الشاعر، أيها الوزير الشهيد.. أيها الشهيد الأول في تاريخ الجمهورية الإسلامية.. إلخ».

ويتضح أنَّ السبعة الذين اختطفوه لديهم لوائح اتهام ضدَّه، فمنهم من اتهمه بتدبير انقلاب ضد النظام الجمهوري الديمقراطي بالتعاون مع الإسلاميين. ومنهم من اتهمه بالهرطقة: «أغويت بنتاً في زهرة العمر، وأفسدت علاقتها بالأجهزة. وهذه هي أوصافها. لقد برزت لها في هيئة شابٍ وسيم، وطلبت منها أن تصلّي، ومن يومها سكنْتَها بصفتك سيدَها بولزمان». واتهمه آخر بإغراء تلك الفتاة، «زهيرة»، التي ساعدته على اقتحام عالم «عمار بن ياسر»، فنصب له كميناً أوقعه في شباكه، ولذا حكم عليه بالموت ذبحاً.. واتهمه رابع بالزندقة، فهو يناصر المعتزلة ضد أحمد بن حنبل، ويقول بخلق القرآن. واتهمه خامس بعضِّ الأيدي التي مُدَّت له وأحسنت إليه، وبالخطر على فرنسا، وعلى الجزائر الحرة، وعلى حلف شمال الأطلسي، ومجلس التعاون الخليجي.

المفارقة الساخرة

وأياً ما يكن الأمر، فإن هذه المحكمة المهزلة خرجت بخطاب الكاتب الروائي عن طوره الطبيعي لتشبه نكتة يتداولها عامة الناس عن حيرة الإنسان العربي في أيّ اتجاه من الاتجاهات يسير، لأن كل الاتجاهات متَّهمة، فقد يُتّهَم المواطن بأنه إسلامي متطرف، وملحد، وعميل أجنبي، ومتآمر على الدولة يدبر انقلاباً، أو عاهر، أو مجنون في آن. ويزداد قلقُ الانتماء لدى هذا الإنسان إذا كان مثقفاً مثل هذا الشاعر الذي نودي بـ»غاندي» تارة، وبـ»هارون الرشيد» تارة أخرى. وهذا يعني أنه مجرد موطن جزائري، لا ضرورة لمعرفة اسمه الحقيقي، ففي بلاد يفتقر فيها الإنسان للخصوصية لا قيمة للاسم الذي يوثَّق في شهادة الميلاد، أو في الهوية الشخصية، أو في وثيقة السفر.

ومما هو جديرٌ بالذكر، أن الكاتب يستخدم في هذه الرواية التواتر، وهي تقنية تعتمد إعادة رواية الحدث غير مرة، مع أنه لا يحدث في الواقع إلا مرة واحدة. فالحدث المتعلق بتركه المدرسة (الميلية) والالتحاق بثانوية «فرانكو مسليمان» تكرر مراراً. ولقاء الشاعر بـ»الزهيرة» تكررت روايته مراراً، وقد أسفر عن تكراره في مشهد المحاكمة اتخاذه طابعاً ساخراً. وكذلك زيارته من قِبَل الخاطفين تكررت مراراً.

وعلاوة على هذا التواتر يلجأ الكاتب للسرد اللاحق، الذي يروي فيه الراوي متأخراً ما حقه أن يُروى متقدماً، ومن ذلك الحديث عن والده «إسماعيل»، وزواجه من امرأة أخرى غير أمه، وما نجلته له من أبناء لا ينسجم معهم هذا البطل تضامناً مع أمه، ورفضاً للأمر الواقع الذي فرضه عليهم الأب. ويروي أيضاً شيئاً عن علاقته بالثورة، وأنه لم يظفر من العهد الجديد بغير خُفَّي حنين.. ويورد روايات أيضاً عن جده وعمه وعن طفولته وفقره في مواقع متأخرة من المتن الحكائي.

أما الشطحات الفكرية، والفلسفية، التي استهلها الكاتب على لسان الراوي، فقد خرجت بنا عن المسار الطبيعي للسرد الروائي لغيره. وتكرَّر هذا الاستطراد والحشو مراراً. يضاف إلى ما سبق لجوء الكاتب لأسلوب القصة القصيرة بطريقة تنأى بنا عن الرواية. يقول في حديث مونولوجي للبطل: «الله أكبر. تتيهين في المدى. أعود فأبقى وحدي. كل أسرتك تحيط بك. أنت تغمضين عينيك. أنزل من خلف الستار الأزرق. أزرق. إنني أراه. آخذك من يدك. نخرج. نغادر قاعة الجلوس. ها نحن في الغرفة التي تشتركين فيها مع شريفة. أتفرج على أشيائك محدودة القيمة. أتعاطف معها حباً لك. أقبّلك من جبينك. من السيماء التي في جبينك. تلك الحفرة المتمّمة للفلجة في ذقنك. آخذك. نطير. نطير».

وهذه الطريقة في «الشمعة والدهاليز» تتكرر، وتحيل الرواية في بعض المواقع إلى ما يشبه القصة القصيرة، غير المتقنة، لأنها لا تمتلك من مقومات القصة إلا هذه الطريقة في استعمال الجملة المجزأة.

وصفوة القول إن «الشمعة والدهاليز» رواية تمثل شهادة شخصية على الخراب الذي حل ببلاد الكاتب بعد استقلالها، ودخلت بسببه نفقاً مظلماً يحتاج لا إلى شمعة واحدة كي تبدد الظلام الدامس، وإنما إلى شموع لا يعرف عدَدَها إلا الله. أما على المستوى البنائي فالسرد لديه تشوبه شوائب الاستطراد، والعدول عن النسق الروائي لخطابات فكرية، وفلسفية، وأيديولوجية مباشرة، مع الإغراق أحياناً في الكوابيس، والنزوع لاستخدام أسلوب القصة القصيرة بلا ضرورة.

• هذا ما ورد في الرواية، والصحيح أن الخيزران بنت عطاء جارية من اليمن حُملتْ إلى الخليفة المهدي (127- 169هـ) ثالث الخلفاء العباسيين، فتزوج منها، وهي والدة الخليفة هارون الرشيد ولم يرد ما يفيد أنها بربرية من المغرب الأوسط.