راجانا حمية*

يختصر الكثيرون الدم باعتباره سائلاً أحمر. هذا الاختصار هو «اختصاص» الناس العاديين الذين يرونه على هذه الشاكلة. أما طبياً، فالدم ليس مجرّد سائل أحمر، وإنما هو جهاز كامل بعناصر كثيرة وآليات عمل شديدة التعقيد تتكامل لضمان استمرار الحياة.

يتكون الدم من جزء سائل شفاف يميل إلى الاصفرار يعرف بـ«البلازما» ويشكّل 55% من إجمالي حجم الدم في الجسم.

وتحتوي هذه البلازما على بروتينات ذات مهام متنوعة جداً، إضافة إلى العناصر الغذائية التي تذوب فيها، إضافة إلى عناصر خلوية أخرى تشمل: كريات الدم الحمراء، وهي المسؤولة عن نقل الغذاء والأوكسجين إلى خلايا الجسم المتنوعة وتخليصها من غاز ثاني أوكسيد الكربون الضار. أما كريات الدم البيضاء، فهي المسؤولة عن المناعة وحماية الجسم من الجرائيم والفيروسات وبقية العوامل المؤدية للإصابة بالأمراض. ثم أخيراً هناك الصفائح الدموية والتي تلعب دوراً مهماً وأساسياً في تخثر الدم.

انطلاقاً من هذا التعقيد، قد يصاب الدم شأنه شأن باقي أعضاء الجسم الأخرى بأمراض كثيرة ومتنوعة تشمل كل مكوناته. ولعل من «أسوأ» ما قد يحدث هو ما قد يطرأ على الخلايا الثلاث، سواء نقص في تعداد أحدها أو جميعها. وهو ما يطلق عليه مرض نقص خلايا الدم الشامل. فما هي أبرز أسبابه؟ وطرق تشخيصه؟ وكيف يمكن معالجته؟ وهل من طرق للوقاية من الإصابة به؟

يعرّف مرض نقص خلايا الدم الشامل بأنّه انخفاض في القيم الطبيعية لأعداد خلايا الدم الثلاثة، الأمر الذي يمنعها من القيام بوظائفها الحيوية وظهور أعراض «خلل». فمثلاً نقص الكريات الحمراء يؤدي إلى الشعور بالإرهاق والتعب الشديد وضيق النفس، خصوصاً عند بذل أي مجهود، وذلك بسبب انخفاض تزويد الجسم بالأوكسجين اللازم، وعند نزول معدل الهيموجلوبين في الدم لا بد من تعويض ذلك بنقل الدم حسب الحاجة.

يؤدي انخفاض كريات الدم الحمراء إلى انخفاض نسبة الأوكسيجن في الجسم

في حين يؤدي نقص كريات الدم البيضاء المسؤولة عن المناعة إلى أمراض إنتانية متكررة، غالباً ما تصيب كلاً من الجهاز التنفسي والجلد. أما نقص الصفائح الدموية الذي يظهر على شكل نزف تحت الجلد على شكل نقط حمراء صغيرة تظهر تحت الجلد تعرف بـ«الفرفريات». فعند نزول معدل الصفائح الدموية، يكون المريض أكثر عرضة للنزيف سواء أكان ذلك بحدوث إصابة أو بدون، ويكون على هيئة نزول الدم من الأنف أو الفم أو مع البول أو البراز مع احتمالية حدوث نزيف داخلي.

وتصنف الأسباب المؤدية لحدوث نقص خلايا الدم الشامل إلى مجموعتين أساسيتين:

أولهما: النقص الناجم عن التكسر المحيطي لخلايا الدم. ويقصد بهذا التعبير أن خلايا الدم الثلاث تتولد وتتشكل بشكل طبيعي وأعداد طبيعية من قبل نخاع العظم، ولكن في مرحلة ما تتعرض للتكسّر، الأمر الذي يؤدي إلى تناقص عددها بعد خروجها من النخاع إلى مجرى الدم. ولعل السبب الأهم والأكثر شيوعاً لهذا النقص ما يسمى بأمراض المناعة الذاتية، حيث يقوم الجهاز المناعي للجسم بمهاجمة هذه الخلايا وتدميرها، كما يحدث على سبيل المثال في داء الذئبة الحمراء وبعض الأمراض الروماتيزمية الأخرى. أما السبب الآخر، فهو حدوث تضخم في الطحال الناجم عن أسباب متعددة، من أهمها أمراض الكبد المزمنة كالتشمع الكبدي، حيث يؤدي تضخم الطحال إلى تجمع خلايا الدم داخل الطحال مما يؤدي إلى نقصها في الدم الخارجي.

ثانيهما: النقص الناجم عن فشل نخاع العظم، وهذه تضمّ مجموعة واسعة من الأمراض بعضها وراثي غالباً ما يظهر أثناء الطفولة وأو مرتبط بتاريخ عائلي للإصابة بنفس المرض، والبعض الآخر من هذه الأمراض يكون مكتسباً وغالباً ما يظهر في مرحلة ما بعد البلوغ ويستمر طوال حياة الإنسان.

وتكمن أهم الأسباب المكتسبة لنقص خلايا الدم الشامل هي الالتهابات الفيروسية وغالباً ما يكون النقص الناتج عنها عابراً أي مؤقتاً، كما لا يمكن إهمال استخدام بعض الأدوية التي تعمل على تثبيط نخاع العظم، وهذا الأمر ليس محصوراً فقط بالعلاجات الكيميائية أو الإشعاعية بل أيضاً بعض العلاجات الشائعة كالمضادات الحيوية، وكذلك نقص بعض العناصر الغذائية مثل فيتامين (ب 12) والذي له أهمية كبيرة ليعمل الدماغ والجهاز العصبي بشكل طبيعي. كما أن له دوراً في تشكيل الدم وحمض الفوليك الذي يستعمله الجسم لإنتاج كريات الدم الحمراء، كما يساعد هذا الفيتامين على توزيع الحديد بشكل صحيح في الجسم بسبب النقص الشامل في خلايا الدم.

ومن الأسباب أيضاً ما يعرف بفقر الدم اللاتصنعي (اللاتنسجي)، وسببه زوال الخلايا المولدة للدم من نخاع العظم لأسباب مختلفة، أو حدوث تكوين غير فعال لخلايا الدم مما يؤدي لأشكال غير طبيعية لهذه الخلايا وتدميرها وهو ما يعرف بمتلازمة خلل تكوين نخاع العظم، وهي غالباً تصيب الأعمار المتقدمة كما أن بعض الأورام الخبيثة وخاصة تلك التي تصيب الدم كسرطان الدم وأحياناً الأورام التي تصيب الجهاز اللمفاوي تصيب نخاع العظم وتحل محل الخلايا السليمة المولدة لخلايا الدم مما يؤدي إلى نقصها.

أما بالنسبة لطرق العلاج، فهي تعتمد على تشخيص الأطباء. فلكل نقص علاجه، وغالباً ما تكون العلاجات بالأدوية هي الأكثر شيوعاً.

* حمية كاتبة تهتم بشؤون الصحة والسلامة العامة.من صحيفة الاخبار البيروتية

rhamyeh@al-akhbar.com