عبد الهادي المدادحة

ان يحب رسم وجوهٍ لرجالٍ ونساء بقلم الرصاص على الورق الأبيض الصافي في دفتره ذي الجلدة الخارجية السميكة الذي يخفيه ولا يظهره لأحد.

يرسم الإطار الأسود أولاً على حواف الصفحة البيضاء، ثم يبدأ برسم الخطوط السوداء على الصفحة. خطّ القلم الأسود على الورقة البيضاء ليس لوناً وإنما هو حاجزٌ يفصل بين بياضٍ وبياض، فتتشكل في البياض المتصل ملامح يفصلها الخط الأسود عن ملامح أخرى. وعندما يرسم العينين تكتمل الصورة.

يجرّد الذين يرسمُ وجوهَهم من كل ما حاولوا إخفاءه، أو حاولوا أن يُبدوه من ملامح ومن مشاعر، فيصبح الناس بالنسبة إليه مجرد صور يحبسها هو في دفتره. مَن كان منهم ذا أنف كبير، ضخّم له أنفه، ومَن كانت لها شفة كبيرة الحجم، بالغَ في تضخيمها في البورتريه. كان أكثر ما يَصْدُق في الرسم عندما يرسم العينين.

يحاور الوجوه التي يرسمها ويُسقط عليها سخطه ونقمته أو رضاه وسعادته، يعكس أحكاماً افتراضية على الناس الحقيقيين الذين رسم وجوهم في دفتره ذي الجلدة الخارجية السميكة بلا استئذان منهم. يصرخ بهم أحياناً ويتعاطف معهم أحياناً أخرى، يعاقبهم ويقسو عليهم ثم يرأف بهم ويكرّمهم. كان يفصل وجوهَ النسوة عن وجوه الرجال، أو يقرّب وجهَ امرأة من وجه رجل وكأنه يزوّجهما من بعضهما بعضاً.

امتلأت صفحات الدفتر بالصور، بقيت فقط الصفحة الأخيرة فيه. استلّ قلم الرصاص الأسود وشرع يرسم إطار الصفحة من الحواف ثم يرسم «بورتريهاً» من خياله لا يشبه وجهَ أحد من الذين يعرفهم. استغرق في الرسم وقتاً طويلاً، ذهب إلى أدق التفاصيل لتوضيحها بعناية، ظهرت الندبةُ الكبيرة التي تقع فوق حاجب عينه اليمنى، والتي كان يغطيها بنظارته السوداء الداكنة. ومن خلف النظارة كان يسترق النظر طويلاً إلى وجوه الناس الذين يرسمهم ويدقق في تفاصيلها دون أن يلاحظوا ذلك.

تذكّرَ عندما استخرج بطاقة شخصية للمرة الأولى، كان قد كُتب في خانة «علامات فارقة»: «ندبة سوداء فوق حاجب العين اليمنى».. وتذكّرَ ما قالت له أمه ذات يوم عندما سألها عن تلك الندبة التي تشوة منظر وجهه، فأجابته: «هذه من عند الله لكي لا يراك الناس جميلاً فيحسدوك!».

فرغَ من الرسم، نظر إلى البورتريه الجديد الذي رسمه، وجد وجهاً يشبه وجهه تماماً يقع في الصفحة الأخيرة من صفحات دفتره ذي الجلدة السميكة. أغلق الدفتر ووضعه على صدره ثم ألقى بجسده على السرير و... مات.