ناصر الريماوي *

أباريق وأيقونات نحاسية ما زالت معلّقة على يمين الدكاكين القديمة، جدرانها العارية مغبرة تطل على الساحة، أتلفها الغبار بعد أن أفقدها لونها التمري وحاسة السمع.

تعبر منها الرياح التي تتيه في أزقّة الشّام كلَّ خريف، ذلك الصفير المطفأ هو صدى ارتطامها الأزلي، حين يرتدّ خاوياً وفارغاً من رنين الأواني.

«شاغور» جواني، حتى أنا أضيع بين سوق الصبّاغين وباب الجابية، قلت له ...

فهل أتبع الريح وهي تكنس الطريق إلى الحارات؟ لم يجب.

اسمع... ذات يوم أخذتني فتاة إلى بيت دمشقي قديم، في أرض الديار، وحول نافورة البحرة تحولتْ إلى نارنج. غطستْ في عمق المصطبة، حتى تلاشى آخر ضرس لها في التراب!

لكنه صاح بي: حاولتَ لمسها.. أليس كذلك؟ مأفون...

لم يكن ردّي على قدر من الأهمية، فقد تلاشى هو الآخر مع أول مصباح زيتي، قفز إليه مشدوهاً: يا الله.. هذا من عهد هشام!

***

كانت قطرات الضوء الفضّية للقمر تقطر بصوت مسموع عبر زخارف النافذة الخشبية، تختلط بأصوات الأباريق المعلّقة على بُعد سبع حارات دمشقية من هنا، وصوت نقر بإيقاع رتيب على خشب زان أو بلوط ثقيل، لنقّاشٍ طال به السّهر، قلتُ له إنها تخدش هدأة الليل. فيما هو نصف نائم، يخفي رأسه تحت تطريزة الغطاء، يردّ في ضجر: هذا المأوى، كان بيتاً دمشقياً قديماً، لذا فكل شيء ممكن، فقط لا تأبه لما تسمع.

سوق «القباقبية» كان يشتعل ليلاً، في الطابق السفلي، ووسط القاعية التحتية، «ليوان» المأوى وقبوه العتيق يضجّان بأصوات الحفر على الخشب، أذكر ذلك المأوى جيداً، وحين طلع النهار، لم يبق سوى خرير الماء على رأس النافورة المدمَّى بحبّ البحرة في المنتصف، وبعض حفيف قشور زهر القيشاني وهي تزنّرها بغلالة زرقاء، شفافة، حيث الأرض الرخامية تنظر بنصف عين.

النادل وضع كأس البابونج على حافة الماء مستغرقاً: «قباقبية» وحفر على الخشب، ليلاً...!؟ السوق بعيد من هنا! هزّ رأسه وخرج.

أذكر أنه كان ينتقي خطواته بعناية على أرض الديار، حتى لا يدوس أوراق الشجر العطريّ في طريقه.

أصوات باعة، تتدفق عبر زخارف النافذة الخشبية، مع الليل.

كان مصدرها مجهولاً، أخذت تعكّر صفو شلال الضوء المنهمر على أسطح البيوت القديمة، قبل أن تهطل عندي، تختلط الأصوات بصخب الناس في الأسفل، من حرفيين وزبائن، ثم تصعد لتعلق على هالة القمر.

رفيقي نصف نائم، يدفن رأسه تحت خيوط التطريز الرمادية، ربما هو يحلم الآن...

قلت له نهاراً: حتى أنا أضيع بين سوق «الصبّاغين» وباب الجابية.

لكنه لم يصدّق.

تلاشى صخب الباعة وحلّ مكانه همسٌ خفي، أخذ يعلو من حولي لنسوة.. أهازيج وزغاريد، ترتفع، بين الحين والآخر.

العتمة على «درابزين» الخشب المطلّ على أرض الديار، تفتح ذراعيها لضوء القمر، ولي... على وهج بنفسجي يحرك الأشياء في الأسفل، ويكشف عن سكينة غامضة في الزوايا..

كان الشّجر وحده، مزمناً بذاكرة مفزعة، نارنج وخشخاش، وكان يطوق الرواق، ويجادل الليل في شغب، ويهذي!

***

أعيانا المسير ونحن نبحث عن مأوى جديد، بلا شجر، عن بيت يربض فوق سطح الذاكرة الدمشقية، ولا يوغل فيها. في سوق الحرف اليدوية كان كل شيء هادئاً أمام الحوانيت الصغيرة، النصف مشرعة، وكنّا على انفلات الضوء الشحيح، نتلمس هالة الدرب الضيق، ونعدّ على جانبيه أحواض الزينة في ضجر.. أغلب الحوانيت مقفلة، تطل على عتمة الأزقة الخالية بشيء من التعب.

أين يذهبون بسيل الذاكرة اليومي، آخرَ النهار؟

أشار صديقي بصمت للشجر خلف أسوار البيوت، وأحواض الزينة.

وأنا جذبني الصخب إلى «القشلة»، أصوات الجنود القدامى، من فرنسيين ومغاربة، ظلّت هناك.

أمام البوابة الشمالية، عَلا صهيل غامض، تجرّد من زخم الرياح المثقلة بالحنين في تلك الأمسية، وفاح على الملأ، لم يكن سوانا، قال لي: لا تغرّنك الأماكن بهذا الهدوء، فالشجر القبلي، بشر مثلنا، وقد يفضي لنا بما هو أغرب!

ثكنة وميدان فروسية، وأصداء، أمام البوابة الشمالية، أوهام حقيقية، وأبنية يغشاها الأرق، كباقي البشر..

كل نافذة هناك، تدلّى منها غصنٌ مثقل، يوشك أن يحكي.

كل بوابة خشبية عملاقة أعياها الصرير، رقدت في حضن شجرة، وكانت على أهبّة البوح لنا. نباتات الزينة في أحواض الفخار بدت لنا مشوّشه، وغير نادمة على حملها الثقيل..

الأشجار تأذن للريح بالمرور، ليلاً، وهنا تكمن المعضلة. لو أنها... لكنها تتهامس فيما بينها، وهو أصل المعضلة

هذا ما قاله لنا رجل يمضي على عجل، كنّا قد استوقفناه عند مفترق معتم، في حيّ «البرامكة»..

الآخر أنكر الصهيل، وأشار إلى «كلية الصيدلة».. وآخر لم يكترث لنا، ولا لأصوات الجنود القدامى، وأشار إلى «قاسيون» عبر سيل الضوء في «أبو رمّانة»... ومضى ساخراً

قلنا للثالث وهو الأخير: نريد أن ننام بلا صخب أو ضجيج.

نريد بيتاً في الشّام بلا شجر، بلا حوض أو نبتة...

لكنه لم يصغ لنا، وأشار للسماء في ضيق.

كان الصباح يشق طريقه مسرعاً، هبط عن تلّة «قاسيون»، ثم تدلّى عبر بوابات عتيقة، أنكرْنا عليه فعلته، حين بدا غير قانع بنا، وهو يقول: «لا وقت لدي، غسلتُ بوابة واحدة، كانت في طريقي، لكنها لا تحسب.. بوابة «الصالحية» خارج التوقيت، وعليّ أن ألحق ببوابات أخرى، عديدة، ابتعدا عن طريقي».

في الضحى لم نحرّك ساكناً، في الظهيرة كنّا نمرّ ببوابة المخيّم، «مخيم اليرموك»، وكان منشغلاً، يحصي فوجاً جديداً لطلبة مدارس «الأونروا».

عند العصر ظللتنا أزقة «القصّاع» القديمة.

في «باب توما» شرعنا نغتسل بالماء والوقت ونرجم «بردى».

مساءً، كنّا على مقعدٍ حجري بمسندين من رخام صناعي، في «ساحة عرنوس»، نستجدي بيتاً ومأوى، قلنا للناس أمام تلك الحلقة التي أخذت تتسع بمقدار ميدان من حولنا: «نريد بيتاً يربض فوق سطح الذاكرة الدمشقية، نريد بيتاً بلا شجر لنمكث فيه».

لكنّ أحداً لم يُجب، فقط تلك الدائرة كانت تتسع، ونحن في المنتصف.

فجأة، تراجعَ الجميع في دهشة وذعر، نظرت إلى صديقي، كانت شجرة تطل من رأسه، نظر نحوي بدوره، ثم صاح في فزع: «يا إلهي.. ما الذي ينبت في رأسك؟!».

• قاص أردني مقيم بالسعودية