موسى إبراهيم أبو رياش

المسافة بين مُجمَّعَي الباصات القديم والجديد في مدينة الزرقاء قصيرة، يمكن قطعُها مشياً على الأقدام بأقل من عشر دقائق، وفي الباص بحدود خمس عشرة دقيقة على الأقل بين انتظار امتلاء الباص وأزمة السير.

بعد غروب أحد الأيام، عدت من عمّان متعباً، وفضّلت أن أركب باصاً بين المجمعين؛ طلباً للراحة. جلستُ في مقعد خلف السائق مباشرة. سألتْ امرأةٌ السائق: «ألن تتحرك؟ لو مشينا لَوصلنا من زمان!».

حدد السائق المتكلمةَ عبر المرآة، وقال: «لن أتحرك حتى يمتلئ الباص. الباص يمشي على الديزل وليس على الماء، يعني (فَتّ مصاري)! وإذا مستجلة كثير (يَخْتِي)، ووراءك صفقات تجارية خذي (تاكسي)، أو اطلبي (كريم -وما كريم غير رب العالمين- يأتيكِ حتى باب الباص!».

ران صمت مشوب بالقلق والحذر والامتعاض لحظاتٍ، كسره نزولُ فتاتين من الباص، فضّلتا قطع المسافة على الأقدام. تابعهما السائق بنظراته عبر المرآة مغتاظاً، ثم أرسل عبر النافذة بصقة عنيفة على أرضية الشارع.

بعد دقائق، نزلت فتاتان أيضاً، ثم شاب، ثم رجل وزوجته، ثم فتاتان، ثم رجل، ثم امرأة، ثم فتاة، ثم رجل مُسنّ بعكّاز، والسائق يُتابع عبر المرآة بغضب، يضرس الحصى، تكاد نار القهر تأكله، فرصيده من الركاب يتناقص بشكل كبير، وتسرُّبهم بهذا الشكل لا يبشّر بخير، فتعويضهم صعبٌ للغاية في هذا الوقت الحرج من المساء.

بدوري، استنكرت تصرف الركاب غير الأخلاقي، فمن المعيب أن تجلس دقائقَ طويلة في الباص ثم تغادره، الباص ليس مكاناً للاستراحة، وليس حديقة تجلس فيها وتغادرها عندما تشاء. الركوب التزامٌ وموقفٌ يجب أن يُحترم.

قررتُ ألّا أترك الباص مهما كان السبب، ولو انتظرتُ للصباح، من باب مؤانسة السائق، والأهم عدم كسر خاطره، وخاصة من رجل كبير السنّ مثلي، يُفترض أنه يعرف الأصول. وعبر المرآة أشعرته -بهزات الرأس- بتعاطفي معه وموقفي الثابت، واستنكاري لتصرفات الركاب غير المسؤولة. وثمة سبب آخر لموقفي الصلب؛ فأنا الراكب الأخير الذي صعد إلى الباص، وأتمنى ألّا يكون السائق قد انتبه إلى ذلك، وإلا اعتبرني وجهَ نحس، وقطََّاعَ رزق!

بعد ثلث ساعة من ركوبي، نظرت خلفي لأتبين عدد الركاب، فلم أجد غيري. خاطبت السائق: «الله المستعان، ستُفرَج إن شاء الله، بعد قليل يعود طلبة الجامعات ويمتلئ الباص بلمح البصر».

نظر إلي السائق عبر المرآة، وهو يكاد يتميز من الغيظ، وقال: «يا حجّي، انزل، الله ييسّر أمرك ويسترها معنا ومعك، شكلها مغبرة ومشحرة، انزل، ودعني أعود إلى البيت، أتعشى وأشاهد مسلسلاً تركياً أو فيلماً هندياً أحسن».

مكسورَ الخاطر، نزلتُ، أجرجر قدمي وأنا أشعر بوهن في جسدي، أفكّر؛ كيف سأقطع المسافة التي أراها طويلة طويلة بلا نهاية؟!