يمتلك الطفل باحساسه أطهر أنواع الحب لأنه يحتضن العالم بأسره بنظرة واحدة من عينيه. يشعر وهو بأول سنوات الطفولة بكل نغمة عذبة يسمعها ويتأثر بها بصدق، يحب بقلبه وروحه وبكل قواه وأفكاره. ذلك الطفل تتملكه الدهشة بجمال السماء ويفتن بروعة الأرض.

لكن ما يلبث أن يصاب قلب الطفل البريء بصدمة إذ تهب عليه النسمات الباردة الجافة الأولى من العالم الزئبقي. يكبر الطفل ويصبح شاباً ثم ناضجاً ومع الأعوام يبدأ ينبوع الحب والشغف للأشياء والأشخاص بصدقها الفطري بالتلاشي رغم كل محاولات الاحتفاظ بذكريات الطفولة.

في مرحلة الشباب يجتازُ من العمر أعواماً وينطلق في الحياة بأندفاع. يمضي في ممر طويل على جانبيه أشجار عالية تحجب احياناً اتجاه الأفق وتجعله يقف بحيرة ويتساءل الى أين اتجه!

ما أن يصل إلى نصف رحلة العمر حتى يبدأ بريق العين الطاهرة بالانطفاء وتختفي نظرة الطفولة البريئة من العينين ويحل محلها خيالات التعب والريبة فينظر لأخيه الإنسان نظرة الغريب وتتسع الأفكار لتدرك معنى كلمة خاصتي وخاصتك. وتبدأ رحلة التسابق والتنافس في الحياة والبحث عن عناصر الاختلاف لا التشابه.

في زحمة طريق الحياة ينسى بعض البشر جمال ابتسام الشفاه وحرارة السلام وقد تتساقط الأحرف العذبة عن جناحي النفس وتبقى كلمات لا تروي عطش التائه في صحراء الحياة وقد يطبق الصمت بين البشر وتبعد المسافات.

ما مصير البشر في بحر الحياة! هل فرقتنا المواجع والأزمات شرقاً وغرباً دون أمل باللقاء. لما فقدنا حرارة مصافحة الصديق الذي ابتعد عنا قصراً وقهرا. لما حل العتب محل المحبة التي غرست بالفطرة في أعماق النفس البشرية. لما ضاقت الطرق وأصبحت ملتوية.

لما أغلق كل منا على نفسه وجعل من مسكنه سجناً اختيارياً يخصه وحده. لما حلت الكآبة محل الفرح والخذلان محل المساندة واختلط مفهوم العدل والظلم والكره والحب. أسئلة عديدة تنطلق باحثة عن دليل وقد نقضي العمر نبحثُ عن إجابات لها.

هل حدث كل ذلك نتيجة شعور الإنسان بضعفه حيال قوة العالم وعجزه عن تحويل الأشياء الى مجراها الصحيح. لقد بات يتعذر على الكثير من البشر التعبير عن الأفكار والعواطف رغم المناداة بحرية التعبير. كثيرة هي الأفكار التي تمر بدون ألفاظ. والاقوال أصبحت بلا أفعال.

لكن تبقى النفس الإنسانية طفلة حتى في هرمها وكلما ذاقت ذرعاً بالحياة أرسلت تترجى حظاً من السماء. لما لا! فمن مياه الأحلام المتجمدة يستخرج قوس قزح الوانه السرمدية. لم يكف البشر عن الالتفات الى جمال ربيع الحياة ولن يتوقفوا عن إلقاء نظرة على هيكل الذكريات.

هناك ساعات يناجي بها القلب ذاته قائلاً: أشعر بالربيع متيقظاً بداخلي أريد أن أعيش وأن أحب وأن أشعر بالسلام والسعادة بعيداً عن كل متاعب الحياة وعراقيلها وشقائها وشقاوتها.

جميعنا ندرك أن لا نقطة ارتكاز تحمل السماء على الأرض ولم تلبث السماء مجددة آفاقها فتمسك بأن تجعل نهارك جميلاً محملاً بعبق الرضا والمحبة ومهما مزقت أشواك الحياة يديك استخلص من الأعشاب بلسماً للشفاء. لا تدع غبار المادة يعلق بأهداب عينيك فيخفي الجمال المعنوي للأشياء. لا تسمح لزمجرة رياح الحياة أن تسد أذنيك فينسيك أن تسمع أنشودة الجبل وألحان السهول. تؤضأ بماء الحياة الطاهر وعش حياتك بعذوبة وسلام.

ان قراءتي للعديد من الكتب المترجمة لكُتًاب من ثقافات مختلفة جعلني أدرك انه مهما اختلفت الأصول والأعراق والملل يبقى هناك شيء واحد يجمع البشر من كل أنحاء الكون وهو براءة الطفولة ورغبة كل إنسان في هذا الكون الواسع بأن يكون محبوباَ.

البراءة والمحبة هما جوهر النفس البشرية وفطرتها الأولى النقية وجميع قوى الروح تناديها بأصوات ولغات مختلفة. فمهما ثقل عقلك بالأفكار وضاق منك الصدر بهموم لا تعرف ماهيتها تذكر أنك وطئت الأرض طفلاَ جميلاً فنبهت في قلوب الشيوخ الفرح. ابق هادئاً كصفحة البحيرة وتمسك بالأشياء التي تفرحك ودع ما دون ذلك لسيل الحياة الجارف.

A_altaher@asu.edu.jo