عبدالله المتقي *

«عناقيد الدهشة»، هي مجموعة قصص قصيرة جداً للقاص والشاعر التونسي محمد بوحوش، بعد مجموعته «مائة قصة قصيرة جداً»، وعدد من المجموعات الشعرية باللغتين العربية والفرنسية. والقراء لذلك يعرفون بوحوش قاصاً وشاعراً له حضوره ونبرته الشعرية والسردية في المشهد الثقافي التونسي، ومؤخراً، انتهى به المسار في الرواية ليصدر عملاً أدبياً اختار له من العناوين «تحت سماء تحترق».

وقد صدرت «عناصر الدهشة» عن دار الثقافية للطباعة والنشر والتوزيع (2016)، وهي تحتوي على مائة قصص مصغّرة برع القاص في التقاطها ونحتها، حافلة بالتفاصيل الصغيرة وبالكثير من المواقف والاختيارات.

المقبل على الدخول لهذه التجربة الميكرو-قصصية، يثير انتباهه عنوانها المعلّق في سقف الغلاف «عناقيد الدهشة»، إذ يحيلنا الوصف اللغوي على جملة اسمية لا ملاءمة فيها بين المسند (عناقيد) والمسند إليه (الدهشة)، ومن ثمة تتولد المنافرة والانزياح، فمع الدخول إلى عوالم القصص المصغرة واستنطاقها، تصبح «العناقيد» التي تعني في قواميس اللغة ما تعقّد وتراكمَ من ثمر، هي هذه القصص التي سنقرأ تراكمها وعلى شكل ثمور وبأحجام صغيرة، أما «الدهشة» التي تعني «الذهول»، فلن تكون سوى المباغتة والإدهاش وغير المتوقع الذي سيربك المتلقي ويحيّره، وتعضيداً لما سبق، نقرأ في نص مفتتح عنونه القاص بـ «فاتحة»: « تناول عنقوداً من المعنى فلم يجد إناء يحتويه.. تناول عنقوداً من المفردات.. وضع إصبعه على الزناد، وأطلق صرخة، تهاطلت المعاني عليه، فكتب مجموعة قصص قصيرة جداً سمّاها: عناقيد الدهشة».

في ضوء هذا المعنى، يتحول العنوان إلى شاهد إثبات على انسجامه مع نصوص المجموعة، ومحققاً تلك الصياغة التي يتبناها القاص، ونعني بها حرصه وعنايته الخاصة بتقطير قصصه التي يسِمُها التنوع في مادتها الحكائية التي يستقيها القاص من دواخل عوالم متعددة، وفي سياق تصعيد هذا الـ»غير المتوقع» يتكئ الشاعر في نحت قصصه القصيرة جداً على المفارقة.

ولا غرو أن «المفارقة» من أبرز الظواهر التعبيرية التي تميزت بها نصوص محمد بوحوش، وأكسبت لغته «كثافة» دلالية، ومسافات كبرى من التوتر. فما تعنيه المفارقة؟ وأين نجدها في «عناقيد الدهشة»؟

يحيل مفهوم المفارقة إلى تقنية بلاغية وجمالية يكون فيها المعنى المرموز في تضاد مع المعنى الظاهري. هي تقنية لغوية ذكية تعمل على المجاورة بين الأضداد، والالتئام بين المتناقضات، «شكل لغوي بلاغي يراد به نقيض معناه الظاهر، كأن تقول لمن لم يحسن اللعب في لعبة ما: أنت لاعب ماهر» وفقاً لما يراه محمد الأمين سعيدي.

كما إن للمفارقة وظيفة مهمة في الأدب بشكل عام، والشعر والقصة القصيرة جداً بشكل خاص، فهي في القصة القصيرة جداً تفاجئ القارئ كي تثير انتباهه، تبث فيه التشويق الحافل بالتشويق، تحفزه على التأمل، ثم تنشيط تلقّيه، ومنحه حساً اكتشافياً يبعده عن أيّ انفعال مباشر. إذ كثيراً ما تحتاج المفارقة إلى جهد ذهني للوصول الهارب والغائب في أعماق النص وفضاءاته البعيدة.

في السياق نفسه، وفي أفق تحقيق هذه الدهشة المعلن عنها في العنوان، تحفل الكبسولات القصصية في المجموعة بالكثير من أنماط المفارقة، التي يعي القاص تقنياتها وأهدافها ومساهمتها في حياة النص والقارئ، ومن هذه المفارقات: مفارقة الأضداد التي تجمع بين متنافرين في الدلالة اللغوية بشكل مباشر، وتسمى كذلك «مفارقة التجاور»، ومن نماذج هذه المفارقة قصة «لذة»: «صعد إلى القمة.. شعر بلسعة برد، نظر كل منهما إلى الآخر، شربا أنفاساً، وانزلقا إلى الهاوية» (ص11).

إن قارئ النص السابق يدرك أنه يقوم على عنصرين ضدين هما: «القمة الهاوية»، تعبيراً عن الجدلية الأزلية (الحياة والموت)، بيد أنها نهاية متفق عليها، وأكاد أقول إنه سقوط مثنى، لكنه بصيغة المفرد.

والمفارقة نفسها تصادفنا في قصة «الرائي».

أما مفارقة السخرية فعادة ما تنبني على فعلٍ يناقض ما يُنتظر فعله، إذ يأتي الفعل مغايراً للوجهة التي من المفروض الوصول إليها: «كان مولعاً بحصانه، كل صباح يحنو عليه فيصهل، ذات يوم، والصباح يحنو عليهما، بدأ حصانه ينهق» (ص20).

للقراءة الأولى يبدو كما لو أن هناك ثنائية فعلية ضدّية (يصهل-ينهق) تتجاذب النص، بيد أن وضعه في سياق أسباب نزوله، وتساوقاً مع هذا السقوط إلى أسفل الذي يعاني منه الإنسان العربي وأمته التي بالملايين، تكون الثنائية الحقيقية هي «الكرامة-الذل»، خاصة وأن الحصان يرمز في المتخيَّل للبطولة والشجاعة والانتصارات واستمرارية الحياة، حتى إنه كان يقدَّم أضحية للضيوف وقرباناً للآلهة.

وفي التصعيد نفسه لبلاغة المفارقة في قصص المجموعة، نأتي على مفارقة المقابلة التي تجمع بين موقفين متضادين، كل منهما يتبنى صوراً تنقض الصور السابقة. نقرأ في قصة «لعبة»:

«ركض الطفل صباحاً صوب الحقل.

الحقل ربيع..

ولُعَبٌ متناثرة في الحقل.

أمسك بلعبة.. فتحها، فضحك الموت في وجهه» (ص20).

تظهر المفارقة في النص السابق، في كيفية تصوير القاص مشهدَين مغايرَين؛ الأول مفعم بالحياة (الركض، ربيع) مما يحيل على الفرح والتفاؤل، والثاني يحيل على الموت (ضحك الموت في وجهه). هذه المفارقة تفتح الشهية للقبض على المعنى الهارب والخفي، وبعد الحفر والتأمل ونية الاكتشاف، يكون المشهدان معاً صورةً لمخلفات الحرب من ألغام وميتات مؤجلة وجارحة، لأنها بريئة وطفولية.

وهناك مفارقة التحول، وذلك بأن تكون هناك صورة لها دلالات معينة، تتحول في النص إلى دلالات مغايرة، ودائماً في إطار الرفع من مستوى الإدهاش. ومن الأمثلة عليها نقرأ في قصة «بانت سعاد»: «أخيراً التقى بها، قرأ لها قصيدة (بانت سعاد). ضحكت، نهضت، وقالت: قد حان وقت الفراق» (ص40).

في هذا العنقود القصصي ينفتح الحكي على الإيجاب (التقى، قرأ، قصيدة، ضحكت)، وهو إيجاب ريثما يتحول وبشكل مباغت إلى السلب (نهضت، حان، الفراق). هي شواهد نصية توحي بالتحول من اللقاء إلى الفراق، من السلب إلى الإيجاب، مما يفتح الكوة على مجموعة من الأسئلة حول أسباب هذا التحول المفاجئ، من قبيل: هل هو تحول مزاجي؟ تحول من اليقين إلى الشك؟ موقف من الشعر؟

وبخصوص مفارقة المباغتة ومخالفة ما يتوقعه القارئ، نقرأ في قصة «معزوفة»: «توجهت إلى جهاز البيانو، قررت أن تستمتع بمعزوفة، همّت بوضع إصبعها على مفتاح (دو).. تذكرت أنها مبتورة الأصابع» (ص46).

يتشكل هذا النص استجابة للتفاوت بين القصد والمطلوب، حيث أن نتيجة قرار الاستماع لمعزوفة موسيقية يتعارض بين المتوقع وما يحدث، وبذلك تتصادم الرغبة الموسيقية والواقع القاسي في العالم الخارجي (تذكرت أنها مبتورة الأصابع)، وبهذا، يمكن القول إن هذا النمط لم يكون انحرافاً بالموقف إلى أن يكون مراوغة ذكية وممتعة.

ومن نماذج هذه المفارقة المفاجئة، نقرأ في قصة «عودة» (ص11): «في طريقه إلى المطار، تذكّر أنه نسي جواز سفره، فعاد إلى المنزل، طرق الباب، خرجت زوجته مذعورة، صرخت خلفها ابنة السنوات الثلاث: في بيتنا أشقر».

في هذا الشاهد يعتمد القاص تقنية المفاجأة، فأول ما يلفت انتباه القارئ في هذه الأوبة من المطار ويخرق انتظاره، هو تلك المفارقة العجيبة التي تكسر التوقع، باعتمادها على عنصر المباغتة والمفاجأة، مما يؤدي إلى استفزاز وعي المتلقي لإدراك المعاني الخفية التي تنطوي عليها هذه المفارقة، سعياً منهم إلى إدهاشه القارئ، ورغبةً في فتح شهيته، وإجباره على الإعجاب بهذه الصورة المتضادة التي تصور مواقف الحياة المتضاربة، وتكشف عن تناقض كثير من سياقاتها، كما يراها القاص تورطاً في الخيانة الزوجية.

* شاعر وكاتب من المغرب