د.أماني سليمان

سئلْتُ مرة: لماذا الكتابة؟ صفنتُ قليلاً حينها، وقلتُ دون حذرٍ من آخرين يحملون رؤيةً مغايرةً: إنها فكرةُ الخلق، فكرةُ الرغبةِ أن تكونَ خالقاً لعوالمِكَ، مُتحكِّماً، مُسيطِراً عليها، تُحرِّكها مثلَ دمىً كيف تشاء، وتختطُّ لها بابَ غضبٍ مرةً وبابَ رحمةٍ مرات.

ثم صمَتُّ، وأشرتُ –متفكِّرةً- إلى أنّ القرآن تجسيدٌ خطيرٌ لفكرةِ تمثُلِ الألوهية في لغةٍ يُحمِّلها الإلهُ خِطابه، فيعمَدُ إلى صَوغِ الكونِ مِنْ خلاله وفْقَ ما يشاءُ أن يكون عليه.

لعلّ الكلامَ حينها لم يُعجبْ سائلي، ولم يُعجِبْ آخرينَ لم تصلهم فكرتي..

لذا قررتُ حين أُسْألُ مرةً أخرى، لماذا الكتابة؟ أن أجيب: ربما جرّتني الحروفُ إليها، فرُحتُ مغمىً عليَّ مُنساقةً نحو رسمِ شيءٍ ما، أريدُه بالضرورةِ، ولا يَظهرُ متجلّياً أمامي إلا حين أعودُ إلى تأويله، أو يُحسِنُ تأويلُه غيري، فهو غائمٌ في منطقةٍ ما في عقلي اللاواعي، أو هو تجسيدٌ لعقلٍ جمعيٍّ لا أستطيعُ التنصّلَ منه، أو هو نتاجُ ما ظلَّ خابياً في بواطني من بيئتي ومجتمعي وثقافتي وخيباتي وأحلامي.

في مجموعتي القصصية «سمِّه المفتاح إن شئت»، تبدو الكتابةُ منشغلةً بذاتها، باحثةً عن بوّابةٍ تلجُ منها إلى الحكاية/ القصة، ولمّا تجدُ الأبوابَ مغلّقةً دونها، تفتِّش عن مفتاحٍ سحري، مفتاحٍ (ماستر)، يُشْرِعُ لها كلَّ مُغلق، وكلَّ مستور، وكلَّ مُعَتّمٍ عليه، فتتحرَّكُ الشخوصُ في الزمان والمكان فيتخلّق الحدثُ، ولا يكونُ أمام الكتابةِ إلا أنْ توجِد الحبكةَ الموائِمة، ليكتملَ النص.

والنصُّ يتفلّت هارباً من تشكُّلٍ منطقيِّ مألوف؛ يتفتّتُ، ويتقطَّعُ، وتتناثرُ المشاهدُ فيه، كما تتناثرُ الرؤى والأفكار، فلا يكفُّ القارئُ عن اللُّهاث، ولا يقبِضُ على يقينٍ إلا مع انتهاءِ الحكاية. ولمّا يفكِّرُ، هل ثمةَ حكاية؟ يدخلُ في سِردابٍ جديدٍ من الركض اللامتناهي.

لكنّ المسألةَ ليست معقّدةً إلى هذا الحدّ، فثمةَ في قصصي عقلٌ يتنازع منهوباً بشغفِ المعرفة، وثمة وجهٌ يتكسَّر في المرايا يتلملم في ذهنِ الذاكرة، وثمة حُلُمٌ يتشظّى لكنه بالتأويلِ يغدو واقعاً، وهناك ما يشبه السَّهوَ الذي يجرجرُ الماضي إلى اللحظةِ المعيشةِ، فيعيدُ مَنْ ماتوا –لوهلةٍ- إلى الحياة، وهناك شجرةُ اللذةِ والفكرةِ والحنينِ؛ حيث ليس كلُّ بدعةٍ ضلالة، وثمة اختلافٌ في الرؤيةِ، لمّا نغيِّرُ زاويتَنا فـ»من الخلف تبدو الحكايةُ مختلفة»، وثمة المدينةُ التي انكسرتْ شوكتُها بعد أن كانت «سجادةَ ضوء»، حيث أطفأتها الحروب والدماء، وثمة «توتٌ وعجينٌ ونار» حيث يتبدّلُ المكانُ ومَنْ فيه بين ماضٍ قريب، وحاضرٍ يُخلخِل كلَّ مألوف.

في كلِّ محاولاتِ الكتابةِ هذه، ثمةَ نساءُ مشغوفاتٌ بما لا تتورّعُ الحياةُ عنْ منحِهِ أو منعِهِ؛ مِن معرفةٍ، وفقدٍ، وعشقٍ، وأحلامٍ، وذاكرةٍ، وضعفٍ، وموتٍ وحياة.

لذا... لمّا تروحُ لقراءةِ المجموعة، باحثاً عن دلالاتها، أو مغامراً في البحثِ عن معنى فيها، ووجدتَ نفسَكَ قد قبضتَ عن معنىً يَلُمُّ في جعبتهِ بضاعةً تناثرتْ بين الصفحات، لكَ الحقُّ حينها أنْ تسميَه ما تشاء، أو سمِّه المِفتاحَ - إنْ شئت.

• شهادة إبداعية قُدمت في ندوة نظمتها جمعية النقاد الأردنيين