د.فيصل غرايبة

يتزايد الاهتمام بفهم الثقافة مع تزايد الاهتمام بفهم الإنسان، الذي يتفاعل مع الآخرين، في إطار المجتمع الذي يعيش فيه، والثقافة التي ينهل منها والتي توجه له سلوكه وتشكل له مرجعيته في الحياة. فلقد شكلت الثقافة المحور الأساسي للاهتمامات السوسيولوجية، كما هو شأن التطور عند الكائن الحي، الذي يشكل محور اهتمامات البيولوجيا والجاذبية التي تشكل محور اهتمامات الفيزياء، والأرض التي تشكل محور اهتمامات الطب، لذا فقد أقر علم الاجتماع تبعاً لذلك أن السلوك الإنساني لا يمكن فهمه أو توقعه إلا في ضوء فهْمنا للثقافة، التي تصمم للناس إطار حياتهم الخاصة منها والعامة.

ويُعدّ مفهوم الثقافة من المفاهيم العامة لعلماء الاجتماع والباحثين في قضايا المجتمع والمخططين لمستقبله، إذ إنها الطريق المتميز للناس الذي يرسم مستقبل حياتهم بكاملها، كما تقوم بوظيفة الدم في الجسم، إذ تغذّي الحضارة وتحمل الأفكار وتشكل إطار الشخصية، في أربع زوايا (الأخلاقية والجمالية والعقلية والنفسية)، فتشد الصلة بين أعضاء المجتمع وتحكمها.

ومؤخراً صدر كتاب عن دار يافا العلمية للنشر والتوزيع (2018)، بعنوان «أبحاث فكرية في السياسة العربية» من تأليف د.جلال فاخوري، الكاتب المهتم بالقضايا العربية والمختص في فلسفة علم السياسة. ويتألف الكتاب من 246 صفحة، يزينه غلاف جميل يعبّر عن انشغال المثقف العربي بقضايا أمته، ويحتوي على 16 موضوعاً -بالإضافة إلى الإهداء والمقدمة والخاتمة- تلتقي جميعها في البحث في الشخصية العربية المعاصرة والأوضاع العربية الراهنة.

ويلفت انتباهَ القارئ بدايةً قولُ المؤلف أن الشخصية العربية سقطت في حياض التلاشي، وتبعاً لذلك تلاشت قدرة العرب على الإسهام في الحضارة الإنسانية وعجزوا عن تقديم ما يثبت الوجود العربي ويدل على معنى التوازن. يقرر فاخوري هذه الصيرورة، ويوحي بها كإجابة عن تساؤل يطرحه: «أين تسير الأمة العربية في ظل هذه الحالة وهذه الفوضى الفكرية المسيطرة؟»، ويحاول أن يضع الإثبات لذلك من خلال تداعيات «الربيع» المزعوم الذي اجتاح الكيان العربي، والتي تعكس بوضوح مدى ما يغطّ به الوجود العربي من جهل لا علاقة له بالعقل المغيب. ويستحضر لدعم جوابه ظاهرة الإسلام السياسي الذي نشأ حين سُيِّس الدين واستُغِلّ لمصالح خاصة.

وفي موضع آخر، يقترح الباحث على النخبة العربية المثقفة سبل معالجة الحالة عن طريق استعادة الثقة بالنفس والعقل والإدارة، ومحاولة دراسة التاريخ واستيعاب أحداثه، وإعطاء الأهمية للهوية والوجود والأرض. ويقترح أيضاً محاولة فهم كيفية إدراك العالم للحياة، وتعديل النظرة إلى الغير، لا معاداتهم، بل احترام كل البشر والآراء، وكذلك التفكير في الأحداث على أناة بجدلية التطور، واحترام الشعب على أنه مصدر كل سلطة، واعتبار الديمقراطية أول الطريق، وعدم الرضوخ للعولمة على أنها الحل.

ويلجأ إلى الأحزاب كركن أساسي لوجود حكم ديمقراطي، إذ يعمل الحزب كمنظمة تعليمية توجيهية تثقيفية لأعضائه، بينما تصهر الأحزاب فئات المجتمع في بوتقة الوحدة الوطنية، وتمكّن مختلف الجماعات من التعبير بطرق منظمة وفعالة، وتقوم بمهمة الرقابة خارج إطار الحكومة، مما يحول دون استبداد الحكومات، ويعطي الشعب الفرص للأختيار. ويستدرك الكاتب بقوله إن الأحزاب لم تستطع استقطاب أعداد كبيرة من الشعب لصفوفها، وقد غابت عنها الأيديولوجيات أو النظريات أوالبرامج، وأضحت بيروقراطية لا ديمقراطية.

وإذا ما انتقل فاخوري إلى الحديث عن ثقافتنا في ظل العولمة، فإنه ينبه إلى محاولات إقصاء الإنسان العربي خاصة والعالمي عامة، والتي من شأنها أن تؤدي إلى تغريب هذا الإنسان عن خصوصيته وبيئته وهويته، إذ إن الثقافة في ظل العولمة «وهمٌ يراد تجييره للمصلحة الأميركية»، وهكذا تصبح الثقافة عنصراً مهماً لتكريس الأوضاع لمصلحة الليبرالية العالمية.

ينظر المؤلف إلى الحروب كواحدة من أبرز المعالم التي يستند إليها في التاريخ، ويراها الحدود التي تدل على المنعطفات الكبرى للأحداث المهمة في العالم أو أي جزء منه أو منطقة، ورغم أن تاريخ الحضارة البشرية مليء بالحروب، إلا أنه لا يمكن منع الحروب إلا إذا تغيرت الأسس الاجتماعية وطرق تفكير الشعوب تجاه القضايا والظروف المختلفة. حتى إن المثقفين الأميركيين يرون أن الحروب الأميركية جميعها لا تستند إلى أخلاق ولا إلى عقل أحياناً، أو أنها ظالمة وغير قانونية، فهي في حقيقتها قهر للشعوب، وما التحالف ضد الإرهاب مثلاً إلا إرهاب بحد ذاته، فالولايات المتحدة في أزمة، وتريد تصديرها بهذه الصورة، فتباً لإرهاب المذابح الذي جاء بأحلاف المصالح! إنّ الإرهاب بطبيعته القائمة على المفاجأة وبحكم الصدمة النفسية والعاطفية الحقيقية التي يحدثها لحظةَ وقوعه، يمثل وسيلة فعالة من وسائل الدعاية النفسية للقضايا التي تحارب أميركا الإرهاب لأجلها، فالإرهاب يمثل أكثر الأدوات فعالية في تدمير الزعامات المتربعة على أجهزة السلطة وفي النيل من هيبة الحكومات وإضعاف تماسك الدولة، وهذا أمر مرتبط بتحقيق أهداف ذاتية، مثل الضغط لإخراج من هم في السجون في الدول النامية لدواعٍ سياسية، وفي إقرار تدابير يكون الهدف منها قمع حركات التحرر الوطني أو إنكار شرعيتها.

ينوه الكاتب هنا إلى أنه غالباً ما يتم الخلط بين مفهومي «العنف» و»الإرهاب» لكونهما يتمحوران حول القتل واستخدام الشدة وغياب العلاقات الإنسانية، ليتبعها بتساؤل فحواه: هل هناك تصورات ورؤى يمكن أن نحدّ بها من ظاهرتَي العنف والإرهاب؟ ويحاول أن يؤطر الإجابة بالأخذ بالاعتبار اتحاد جهود العالم وعزمه على مقاومة الإرهاب، وأن تكون النية والهدف صادقين في مقاومة الإرهاب، وكذلك تجفيف مصادر التمويل للمنظمات الإرهابية.

أما على الصعيد الداخلي لكل دولة، فيمكن اتباع سبيل العدالة، واعتبار كل مواطن شريكاً في المواطنة، وشريكاً في الإنجاز، وشريكاً في الدفاع عن الأرض والهوية. إضافة إلى النظر إلى كل مواطن يمارس العنف أو الإرهاب كمتآمر على الوطن وعلى الشعب وعلى الهوية الوطنية.

إن الشرق الأوسط عامة، والعالم العربي خاصة، منطقة متفجرة ومأزومة دوماً، وما دامت الحروب ليست رغبة بشرية، وكذلك السلام، فإن الحياة بطبيعتها تشمل الرغبة لكل منهما، فالمصالح والكيد والانتقام عوامل باعثة على الحرب، بينما تكون عوامل السلام قائمة على الخوف من المآسي.

ويذهب المؤلف إلى إفريقيا ليأخذ منها مثالاً مما يحدث بين القبائل السودانية والإفريقية التي تنظر إلى وحدة العنصر نظرة إيجابية، إلا أن الاقتتال بين هذه القبائل أفقدها مفهوم المواطنة، إذ إن انعزالها عن الوطن والعالم اجتماعياً وسياسياً وفكرياً ونفسياً واقتصادياً، قد أوقعها في حالة فقر دائم. وتختلف الصورة عندما استطاع الإنسان العربي أن يقطع شوطاً واسعاً في التقدم، لكنه مع كل خطوة صعود، يفقد جزءاً من صلته بالأرض ويزداد انفصاله عن الواقع، كما إن التقدم العلمي لم يوظَّف لسعادة الإنسان العربي إلى حد بعيد، لذا يمكن القول إن العالم العربي المعاصر عالم متناقض مليء بالأزمات والصراعات، من نتائجها حالة اختلال توازن تحدّ من قدرة الإنسان العربي على التكيف المتكامل مع بيئته، مما قد يمنعه من الاستمرار في نقل سر الحياة إلى الأجيال القادمة، مع أن نجاح المجتمعات في الاندماج بالنظام السياسي العالمي يقاس بقدرة الدولة على البقاء والمحافظة على استقلالها في عالم تسعى فيه جميع الدول إلى الهيمنة.

ويناقش المؤلف في موضع آخر من كتابه، العلاقة بين الديمقراطية والعلمانية، التي تستند إلى العقلانية وتستمد مشروعيتها منها، ويعدّها موقفاً شمولياً من المعرفة وشرطاً أساسياً من شروط الديمقراطية، وتشكل أرضية للمصالح الاجتماعية، يمكن الاحتكام إليها عند الضرورة. إنها ليست تياراً فكرياً يتبع نهجاً خاصاً أو سياسة معينة أو فكراً بحد ذاته، إنما هي ثقافة حياتية يمارسها الفرد والمجتمع بصورة عملية. ويمتدح المؤلف فيها توفيرَها الاستقلالية التامة لحياة مجتمعية بعيداً عن التحكم الرسمي للدولة، وتوفيرها المساواةََ بين المواطنين في الفرص والمسؤوليات والواجبات. ويخلص إلى عدّ العلمانية مجموعةَ قيمٍ عقلية تستهدف استقلال العقل.

ويستنكر فاخوري التوقف عند العدد في مفهوم الأقليات، والذي -في نظره- يسهم في تكوين حساسيات، مطالباَ بتغيير النظرة العددية إلى الموضوع والاستعاضة عنها بالنظرة التقييمية لقيمة الفرد فيما يؤديه من عمل وطني إيجابي. ويتساءل: «كم من الأرقام والأعداد غير المنتجة ضمن الفئات الكبيرة ومن غير الأقلية العددية؟»، وينتهي إلى أن البناء المجتمعي العصري الذي يقوم على المواطنة والنظرة إلى المكون الوطني نظرة إيجابية، هو الذي يدفع بالوطن إلى التطور المستمر.

ثمة أربع نظريات في النظام العربي، يعرضها الكاتب، الأولى: النظرية الواقعية، التي تركز على قضية الحفاظ على الأمن القومي والسيادة الوطنية وبناء القوة؛ والثانية: النظرية المثالية، التي تركز على الالتزام بالقوانين والأعراف الدولية وقواعد سلوك المجتمع الدولي؛ والثالثة: النظرية السلوكية السريعة، التي تتمثل بفقدان الدول تدريجياً لأهميتها بحيث لم تعد الدولة هي الوحدة السياسية النهائية؛ والرابعة: نظرية التبعية، التي تعترف بالهيمنة الدولية على العالم والاعتراف بحالة التخلف المدني والعلمي. أما التقدم التكنولوجي فقد جعل من المجتمعات العربية هشة غير متماسكة، واحتفظ بعضها بطابع البداوة، رغم وفرة الدخول والموارد المالية الكبيرة، بينما لم يجد حلولاً للتناقضات، في ظل غياب العقل الناظم للسلوكيات، وفقدان روح الحوار الإيجابي.

يتبنى فاخوري الفلسفة كمقوم فكري مهم في الحياة الثقافية، التي لم تعد في نظره نظاماً فكرياً للمعرفة، إنما ما تزال نظاماً فكرياً للتأويل. إذ تقوم الفلسفة على مناهج متكاملة للمعرفة، وتنقد القيم القديمة وتدفع بالقيم الجديدة، وتحاول التوفيق بين الأطراف الفكرية المتعارضة، وتسعى إلى تأمين الاستقرار والتخفيف من الصراعات، وتكون عاملاً من عوامل الانسجام والتماسك.

نعم.. فالثقافة تطبع شخصية الإنسان منذ ولادته بصفات خلقية وقيم أخلاقية، وتربط سلوكه -بطريقة لا شعورية- بأسلوب الحياة في المجتمع الذي ينتمي إليه ويعيش فيه، أو تشكل شخصيته في خضم التفاعل الاجتماعي بين أعضاء المجتمع. ومن خلال هذا التفاعل المستمر والمتصاعد، يتشرب الفرد ثقافةَ المجتمع كجزء من التراث الاجتماعي، ويعيد تشكيلها وتحويرها حتى تصبح تراثاً ينتقل من جيل إلى جيل.