سرحان ذياب

من أحضان اسطنبول التي تصحو المدن مُطيعة بين يديها، اسطنبول المدينة المثيرة اشتهاءً ورغبة، كأميرة بحريّة مُصابةٍ بالعشق ولا تعرف النوم، وُلدت تجربة ناظم حكمت (1902 - 1963). اسطنبول المدينة مثل جسد يفور فتنة وجموحاً، ويلتقي الغرب والشرق على أطراف جسورها كطفلين يتيمين تائهين، ويتهادى الشّعرُ كعبدٍ وفيِّ تحت أصابعها، ويلتفّ البحر كحريرٍ أزرق حول مفاتنها، حتى ينتحر الليل، تاركاً تلك الزوارق والسفن على أحضان شواطئها، كحروف قصيدة عشقٍ تمدح مفاتنها. يقول ناظم حكمت في قصيدة «العجوزُ والبحر»:

«في سماءِ البحر يمرّ السحابُ متعدد الألوان

على صفحةِ مياهِه

تجري السفينةُ الفضّية

في مياههِ تسبحُ السمكةُ الصفراء

وفي أعماقِه يرقصُ الطحلبُ البنفسجي

فوقَ ترابِ الشاطئ

يتساءلُ العجوز:

ترى هل أكونُ السحابَ

أم السفينة؟

ترى هل أكونُ السمكةََ

أم الطحلبَ البنفسجي؟

لا هذا ولا ذاك

كُن البحرَ يا ولدي

البحرَ بسحابهِ

وسفينتهِ

وسمكتهِ

وطحلبهِ البنفسجي».

في بلدة حلب التي تحيط مدينة اسطنبول كإسوارة على معصم غانيةٍ، سطع الشاعر التركي ناظم حكمت كوكباً شِعريّاً مُتمرِّداً، مُحطّماً أصنام الشّعر السّلطانيّ الرجعيّ وبانياً صرح الشّعر الشعبيّ الوطنيّ الذي يُمجّد تركيا كأجمل امرأة بأروع قصائد الشغف، زاخرةً، بأجنحة الخيال الشّعريّ اللامتناهية، والصور الفنيّة الثائرة عشقاً، والحبّ الأبديّ للأرض وإنسانها الذي يتحدّى أطماع المُستعمرين. يقول في قصيدته «أجمل البحار»:

«أجملُ البحار

هو البحرُ الذي لم نذهبْ إليه بعد

وأجملُ الأطفال

هم الذينَ لم يكبروا بعد

وأجملُ الأيام

هي تلكَ التي في انتظارنا

وأجملُ القصائد

هي تلك التي لم أكتبها لك بعد

يا صغيري...

يا صغيرتي».

لقد وحّد ناظم حكمت بأشعاره، وطناً ومنفىً وسِجناً، المرأةَ المعشوقةَ والأرضَ الأمّ، وقد واظب على ذلك في مسيرة حياته الدامية كفيلمٍ دراميّ مُثير، بين قضبان السجون القمعية وبين شواطئ المنافي مُطارَداً، مؤمناً بالشّعر باعثاً ومُخلّصاً للأرض التي تستحمّ بدماء الأبرياء، وللإنسان الغريق في كوْنٍ تحكمه قوى المادّة والاستعباد، وأفواه البنادق المتعطّشة للقتل، وسُعار الطائرات الذي يرمي الأبرياء بحمم الموت الرهيب.

وعلى الرغم من المنافي والسجون، تغنّى ناظم حكمت، كعندليبٍ أناضوليّ من أعماق روحه وجروحه العميقة، بمآسي ومُعاناة شعبه الكادح، وبعرق الفلاحين وعُمّال الموانئ، مُشعلاً قصائده عواصفَ نارية لاهبة في وجه الغُزاة البريطانيين الذين احتلوا تركيّا، والذين سارعوا بملاحقته واعتقاله وهو في الثامنة عشرة من عمره.

وبعد عصر الجمهورية والاستقلال التركي اللذين دشّنهُما ناظم حكمت بأشعاره ومواقفه النضاليّه مع جموع الكادحين من شعبه، سافر إلى الاتحاد السوفياتي كبرقٍ شِعريّ ثائر، وقد حظي بصداقه حميمة بأقطاب الشّعر الروسي، مثل: فلاديمير مايكوفسكي الذي رضعت الثورة الروسية أشعاره كطفل يتيم، ومنحها شرعيّة وروحاً، وانتحر، بعد ثورته شِعريّاً على الفاسدين وهو في ريعان الحب والشباب.

لقد كانت روح ناظم الشعرية قدحاً ناريّاً لا يرتوي، فاحتسى بموسكو روائع الشّعر العالمي، وتفتّحت روحه الشعرية وقلبهُ المُرهف كزهرةٍ كبيرةٍ بحجم جروحه الإنسانية، فحبّه العميق لبلاده تركيّا، وقلبه الذائب وجداً على أبناء شعبه الكادحين، وثوريّة الظروف التي عاصرها واعتناقه الفكرَ الاشتراكي، هو الذي أطلق ناظم حكمت كعاصفةٍ قمريّة ظامئة للحرية والعشق.

الشّعرُ هو الخلقُ بمعناه الواسع المُطلق والابداع الخياليّ السّحريّ.. لطالما ردد ناظم حكمت هذه العبارة، فاضحاً بأشعاره الحمراء الشّعراءَ الرجعيّين الذين يتمسّحون ببلاط السلطنة، ناثرين أشعارهم التقليدية كغيوم صغيرة من البخور الفاسد الذي يضرّ السامع والرائي، فظلت قصائدهم حبيسة تلك المواضيع والقوافي البالية، وعرّى بسخريته الناقدة أولئك الذين جعلوا من الشعر التركي سجوناً وأصناماً لا تغادر السرايا.

لقد أنزل ناظم حكمت الشّعر من برجه العاجيّ المُتهاوي، الذي ظل كبوقٍ يمجّد السلطنة، وجعله خبزاً وهواءً نقيّاً للشعب الكادح من فلاحين وعُمّال موانئ، وجعل الشّعر يبشّر بمستقبل تركيا الواعد، فالشاعر، بحسب ناظم حكمت، إنْ لم يتغنَّ بأوجاع أبناء شعبه ومعاناة بلاده، فهو شاهد زور لا يُعتدّ به. يقول في قصيدته «ذبحة صدرية»:

«إذا كان نصف قلبي هنا أيّها الطبيب

فنصفه الآخر هناك في الصين

مع الجيش الزاحف نحو النهر الأصفر

وكل صباح، عند شروق الشمس

يعدمون قلبي في اليونان

وفي كل ليلة أيها الطبيب

عندما ينام السجناء، ويغادر الكلّ المستشفى

يطير قلبي

ليحطَّ على منزل مهدّم في إسطنبول

وبعد عشر سنوات،

ليس لديّ ما أقدّمه لشعبي الفقير

سوى هذه التفّاحة

تفّاحة واحدة حمراء، هي قلبي

هذا هو سبب الذبحة الصدرية أيّها الطبيب!».

وبعد عودته من موسكو عام 1925 نشر ناظم قصيدته الثملة بالروح الثورية والنبض الإنساني، ناقداً أقطاب الفساد في بلاده حتى تمّ تقديمه للمحاكمة بتهمة كتابة أشعار ثورية متداولة بين أفراد الجيش التركي تمسّ النظام الاستبدادي. وحُكمَ عليه بالسجن خمسة عشر عاماً، ولكنه استطاع الفرار بمساعدة بعض علاقاته من المُثقفّين الاتراك، وظل حتى عام 1938 ينتقل خفيةً بين وطنه ومنفاه، كاتباً تحت اسمٍ مستعار، وكان يكتسب عيشه مُتخفّياً في المطابع والصُحف وفي ترجمة الأفلام السينمائية الأجنبيّة، حيث كان مُلّماً باللغتين الفرنسية والروسية. وفي أواخر عام 1938 قُدّمَ للمحاكمة من جديد بتهمة نشر الفكر الاشتراكي وتقويض نظام الحُكم التركيّ، وفي جلسات سرية تم الحكم عليه بالسجن المؤبد، وبجراءة شاعر كبير، افتخر ناظم حكمت باعتناقه الفكر الاشتراكي، ولكنه أنكر على الإطلاق أنه قد خالف قوانين بلاده.

وبفضل ثقافته الفنية الواسعة، وإتقانه الرسمَ والنحت، وروحه الشعرية الجامحة، وإلمامه بأسس الإبداع الفنيّ والتجديد، وأشعاره العاشقة لبلاده ولأبناء شعبه، حوّل ناظم حكمت السجنَ، إلى منارة ثقافية كبيرة وإلى خليّة ثقافةٍ وفنّ هائلة تضجّ بالحياة والأمل والابداع، وكان السجّانون ومديرو السجون يعشقون أشعاره الساحرة، ويكتبونها عندما يلقيها أمام زملائه المُثقفين السجناء معه، وكان يرسم لوحاتٍ فنية، ويقوم بإلقاء مُحاضرات ثقافية وفنيّة، حول كيفيّة النهوض بالعمل الفنّي كرواية ونحت ورسم والإبداع بشكل عام، وكيفيّة خلق النصوص الشعرية الخالدة بوجه خاص. وفي كتابه الرائع «ثلاث سنوات ونصف السنة مع ناظم حكمت» يقول زميله الكاتب الروائي التركيّ أورخان كمال الذي كان سجيناً معه: «لقد قال لي ناظم في أحد الحوارات: هناك فرق بين الثرثرة وبين النص الأدبي الإبداعي الذي يتألق».

ومن سجنه أطلق ناظم قصائده صارخةً كالأقمار الحمراء، كأمواج ثائرة تزخر ثوريةً وإبداعاً وإنسانيّةً ضد الحكم الإقطاعي، فلم يكن يؤمن بالحدود المادية وجدران السجن، وتهاوت جدران السجون أمام عواصف أشعاره النارية الصادقة عشقاً ووطنيّة. وعلى الرغم من سجنه فقد سهرت مدينته الحبيبة إسطنبول، ورقصت بحريّة تحت أمطار قصائده الحارّة وأشواقه الناريّة حتى الفجر.

وتحت تأثير الغضب الثقافي والشعبي الذي أسهم في إطلاقه الشاعر الفرنسي لويس أراغون (الذي فضح جرائم بلاده الاستعمارية في الجزائر التي أيّد ثورتها كرئيس لرابطة الكُتّاب في فرنسا)، ومطالبة المُثقّفين الفرنسيين الكبار مثل الفيلسوف جان بول سارتر والشاعر بول ايلوار بالحرية الكاملة لناظم حكمت.. أُطلق سراح ناظم حكمت شاعر تركيّا الكبير لينعم بالحرية.