رحاب أبو هوشر

في البال أسماءٌ لأدباء وفنانين من بلدان عربية عدة، رحلوا تباعاً مؤخراً، ليشكل رحيلهم خسارة زادت المشهد العربي قتامة. وحدث ما كان يحدث وسيحدث دائماً، أن يُحتفى بهم موتى بعد تغييب معظمهم أحياء، إذ سرعان ما يرافق تلك «الميتات» سباقٌ تنافسي بالكتابة عن المبدع الفقيد، ترثيه وتؤبنه، من قِبل مَن يعرفه ومَن لا يعرفه، ومَن اطّلع على تجربته وأعماله أو ذلك الذي لم يشاهد له عملاً أو يقرأ له شيئاً، والسباق متنوع ويتسع لمشاركة الأصدقاء وألدّ الأعداء أيضاً، ولا يكتمل المشهد إلا بمشاركة الجهات الرسمية، حتى لا يفوتها مزادُ الموت، فتتذكّر ما قدمه الفقيد للحركة الثقافية والفنية، بعد أن أنهكته تجاهلاً وإقصاءً، ويغدو الآنَ من رموز البلد!

كلمات رثاء مؤثرة وآراء نقدية وتصريحات حامية لزملاء المبدع الفقيد، تعيد اكتشافه، لتعرّفنا به مجدداً، تعداداً للمناقب والخصال، وإسهاباً في الحديث عن تجربته الإبداعية الفريدة ودوره في إثراء الحياة الأدبية أوالفنية. وكل ذلك ما كنا لنقرأه، وما كانوا ليقولونه لولا أنه مات، ولن يقال مثل ذلك المديح والثناء أو يُكتب إلا إذا مات المبدع، وبعد أن يموت!

هل يكفي الموت سبباً لكي يصبح الشاعر العادي محدود الموهبة، شاعراً كبيراً، والمتحول المرتزق مناضلاً عتيداً؟ وفي مستوى معاكس، ألا يمكن إدراك الأثر الإبداعي الكبير وقراءة المنجز الأدبي أو الفني لمبدعٍ ما إلا بعد موته؟ ألم يكن ذلك الفنان الموهوب أو الروائي المبدع جديراً بالإنصاف في حياته، من قِبل مَن ابتذلوا مفردة الحياة، واحتفالهم بها ليس إلا استعارة مجازية يستعينون بها في الكتابة أو لمداراة بغضهم لبعضهم بعضاً، كأن الموت شرطٌ نقديٌّ للالتفات إليه، أو أنه شرطٌ ثقافي للاعتراف بتجربته والاهتمام بها. وهل يمثل الموت حصانة ضد النقد في مستوى ثالث، ويمنح المبدع الراحل قدسيةً من نوع خاص!

يبدو أن إرثنا الثقافي والاجتماعي الجمعي يرخي بوطأته بالتعامل مع ثيمة الموت، وضباب كثيف يحيط علاقتنا بلحظتها، وتجعل منها علاقة إشكالية مختلطة، ترتهن للموت نفسه كحقيقة وجودية مزلزلة، ليس من السهولة التصالح معها، وفي جانب آخر يشبعها مخيالٌ ثقافي يرفع من منزلة الموت ويمجّده، ويسبغ عليه جلالاً، لعله جلال الخوف العميق ورهبة المصير المحتوم، وحزن النهاية التي يحدّق فيها الجميع. المراثي والكتابات التي تقطر تعظيماً وتفخيماً، إنما تفخم الموت وتمتدحه، لا تلك الأسماء التي ترحل عن الحياة الثقافية، لأن معظمها، سواء كانت ذات شأن إبداعي حقيقي أو إنساني استثنائي أو أقل من ذلك بكثير، فإنها تتساوى جميعاً بالنسبة للأحياء عندما يموتون، ويكتب فيهم!

المبدع يكافح من أجل الاستمرار في ممارسة الإبداع، والانحياز لقيم الحرية والإنسان، وسط تغييب المؤسسة الرسمية العربية وإقصائها، التي آخر اهتماماتها الثقافة والإبداع، ويبقى يطارد أيضاً اعترافَ المؤسسة الثقافية التي تسيطر عليها تكتلات العلاقات العامة و»الشللية» بإمكانياته ومنجزه الإبداعيين. إنه ببساطة يطالب بحقوق بديهية للمبدع -وأقصد هنا «الحقيقي، صاحب المنجز والموهبة»- في العالم الذي يدرك أهمية الإبداع ويحترم مبدعيه.

سينال ذلك الاعترافَ من كلا المؤسستين مرة واحدة، بعد أن يموت. سيسرُّ المؤسسةُ الرسمية الاستثمارَ في موته، فتَظهر في هيئة المؤسسة التي تحتضن الإبداع، وتدرك قيمة مبدعيها وتكرمهم، وربما تطلق اسمه على أحد الشوارع. إنها لا تقل شأناً عن مؤسسة الثقافة الفرنسية مثلاً! ما دامت قد اطمأنت إلى توقُّف حضوره، وانتهاء رفضه واعتراضه، وغياب أثره.

وأيضاً لن يمانع أحد في «الشلل الثقافية»، بإطلاق أرفع الأوصاف على المبدع الراحل، وهو مجرد كلام مجانيّ سيُطوى بعد شهور قليلة. وسنقرأ عمن اعتبروه بعد موته فقط: «الشاعر الكبير»، و»الفنان الذي لا يتكرر» وغير ذلك.

ستنشأ للفقيد الكبير صداقات مفاجئة بعد موته، أصدقاء لم يكونوا إلا أعداء حاربوه طوال عمر تجربته، ولم يفوتوا فرصة لذمّه إلا واغتنموها، أو إثارة الشبهات حوله وترويج الأكاذيب، إذا فشلوا في الطعن في موهبته. سيكتبون عنه بعد موته، وسيعمدون إلى اغتياله مرة أخرى، بينما يكيلون له المديح، سيدسّون له السمّ في عسل قولهم، وفي التحسّر واللوعة. كما أنهم يلمّعون أسماءهم الباهتة بموته الجديد الحارّ. فرصة يقتنصونها لنفض غبارٍ تراكمَ على أسمائهم وحضورهم، ببساطة لأنهم لا يبدعون ولا ينتجون، وهذه فرصتهم الوحيدة للظهور!

ما يزيد أمرَ الاحتفاء بالموت تهافتاً وزيفاً، عندما يكون المبدع الراحل قد مضى عليه زمن طويل من المرض أو العجز والنسيان، ثم تعمّ الفجيعةُ الأوساطَ الثقافية، ويتسابقون لتمجيده برثاء حارّ بوصفه صديقاً شخصياً لكل منهم، رغم أنه قضى سنواته أو شهوره الأخيرة في عزلة قاسية، دون أن يحظى بزيارة من أحدهم أو باتصال هاتفي.

إنه الموت، الذي ينهي حروباً مستترة وصراعات وأحقاداً مستعرة. كم يصبح لطيفاً جديراً بالجلال، وهو يزيح من أمامهم مشاكساً أو مغروراً، كان عقبةً في طريقهم لتصدُّر المشهد، ولِمَ لا؟ سيكتبون فيه معلّقات ما دام ملتزماً الصمتَ الآن، وأصبح مكانه شاغراً.