ليث الرواجفة

إنّ أي عمل أدبي ما هو إلا خطاب إنساني موجّه يتخذ من اللغة وسيلة تواصل بين طرفين هما الكاتب والمتلقي، بهدف الإمتاع أو التأثير، أو التنوير والتثقيف، أو التوثيق والتأريخ، أو التعبير والبوح. وفي رواية «سيدات الحواس الخمس» للكاتب جلال برجس أضيف خطابٌ فلسفي قلّما نجده في الأعمال الروائية، وهو خطاب يقبع خلف البناء الروائي وهندسته من مكان، وزمان، وشخصيات، وأحداث، ورؤية... إلخ.

وتتشكل ملامح الطرح الفلسفي في الرواية الصادرة عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت (2018)، حين تتقاطع فيها الخطابات المتعارضة والمتناقضة على غرار ثنائيات: الغني والفقير، الفاسد والشريف، العقلاني والمتهور، القوي والضعيف، الذكر والأنثى، السلطة والشعب، ليتجلى كل ذلك في النهاية تحت خطاب «الأنا والآخر»، فكل طرف يجد نفسه «الأنا»، ويرى فيمن يختلف عنه ويعارضه ولا يتفق معه «آخرَ»، مع ضرورة الانتباه إلى أن «الأنا والآخر» جدلية تقوم على أساس وجود طرفين لا يكتمل الأول إلا بوجود الثاني داخل العمل الأدبي؛ أي أنهما مكملين لبعضهما بعضاً أدبياً.

جاءت أحداث الرواية في فترة زمنية حرجة، بين تاريخين مفصليين، تضخمت فيها «الأنا» وتأزم «الآخر»، وزادت حدة كل خطاب وتوترت العلاقة، فانقسما بين متهم وضحية، بين ناقم ومتعاطف، بين مظلوم وظالم، بين مستبد ومنصف، وكل طرف يشير بأصابع الاتهام نحو الآخر، حتى الفشل الداخلي -عربياً- تسيطر عليه نظرية المؤامرة ويعلَّق على شماعة «الآخر».

هذا الاختيار للفترة الزمنية جاء وفق خطة روائية متقنة تنسجم مع موضوعها (خطابها) الذي لم ينغلق على حيز واحد وقضية تخص مجتمعاً معيناً، بل توسع ليشمل قضايا إنسانية تبدأ من علاقة الإنسان بنفسه وحواسه وتنتهي بوجوده وقيمته وأثره، مما أثرى العمل، وفتح باب التأويل والتحليل على مصراعيه، ذلك إلى جانب المكان الذي دارت عليه أحداث الرواية، فهو يحمل جدلية «الشرق والغرب»، وموقف كل طرف من الآخر، والمشاكل الداخلية التي تعصف بها المنطقة، وهذا ينسحب على الشخصيات التي يتضح لمن يتتبعها أنها تحمل خطاب «الأنا»، والروائي لم ينحَز لأيّ جانب، فترك فسحة تحديد «الآخر» للقارئ، مما يعني أن القارئ طرف مهم في بناء الرواية وكان حاضراً بقوة، ولم تقدَّم الأفكار والرؤى بشكل مباشر له.

ونبدأ ببطل الرواية «سراج عز الدين» الذي حمل في داخله كل السمات الإنسانية التي تجعل من الإنسان إنساناً كما ينبغي، فهو امتلك قوى خارقة للعادة منذ طفولته استمدها من حواسه الخمس، وميزته عند أمه ولم تميزه عند الآخرين لنفوره وانطوائه عنهم، يحب الموسيقى ويهوى العطور، وهو فنان تشكيلي، له عاطفة وعالم داخلي انعكس على تصرفاته وسلوكه الخارجي، وهو مؤسس «جاليري الحواس الخمس»، حمل خطاباً واعياً ومثقفاً وصحياً طيلة البناء السردي ومجرياته.

أما «سليمان الطالع» فهو النقيض لـ»سراج»، نجده فاسداً مفسداً لكل مَنْ حوله، أفسد «ريفال» زوجة «سراج»، وأفسد «رعد عبدالجليل» الصحفي والإعلامي الذي كان شريفاً، أفسد نفوس الناس حين تورط في قضية «البورصة» وأطمعهم حين أطعمهم المال، أفسد وجه المدينة (عمّان) بمبانيه وشركاته التجارية الربحية، وهو مؤسس مكان من بعده لابنه «جعفر» المتغطرس بجبروت والده، حمل «سليمان الطالع» خطاباً سلبياً جاهلاً نرجسياً طيلة البناء السردي ومجرياته.

أما خطاب «المرأة» فقد جاء وفق صوتين: الأول صوت «سراج عزالدين» الذي رأى في حواء «وطناً كبيراً» طيلة الرواية، والصوت الثاني على لسان (ريفال/ كندة/ سوار/غادة/ دعد/ ليلى/ وداد/ جينفر).

وارتبط خطاب «المرأة» بالآخر (الرجل)، فمن خلال الرواية نجد أن المرأة ضحية للذكورة المتفشية في بيئتها ووطنها، نتيجة العادات والتقاليد السلبية، والعرف المتوارث الذي منح للرجل أفضلية على المرأة. ومن سير السرد الروائي نلمح أن الذكورة والأنانية لا تعرف مجتمعاً محدداً، بل هي منتشرة في جغرافيا الأرض كافة، فها هي «جينفر» قُتلت في أميركا التي يقال إنها أكثر بقاع الأرض وعياً وتحضّراً واحتراماً للمرأة، يقول الراوي: «لم يطل الوقت ليكتشفوا أن ديفيد آدمز عشيقها السابق هو من قتلها» (ص362).

وقد سار خطاب «المرأة» وفق خط تصاعدي بدأ من رأس هرم الأسرة (الأب) الذي حين ميز بين أبنائه وبناته، تسبب في انكسار ابنته التي تساءلت مستنكرة: «ما الذي كان سيجري لو قبل أبي بفكرة أن الفتيات يمكنهن أن يعمرن العالم؟» (ص124)، وبطبيعة الحال الأب يورث هذه الأفكار والصفات لأبنائه من بعده، فنسمع صوت «أنا أنثوية» داخل الرواية تشكو وتقول: «أخذ شقيقاي ينصبان نفسهيما وصيَّين عليّ. انقطعت بناء على أوامرهما علاقتي بصديقاتي، وفيما بعد أُجبرت على ترك العمل بذريعة خوفهما عليّ من اختلاطي بالرجال الذين أعمل بمعيتهم» (ص259)، مما ساهم في انعزالها، وزاد وحدتها وغربتها في هذا العالم.

وشمل خطاب «المرأة» الزوجَ المنحرف، المدمن على الكحول والمخدرات ولعب القمار، والذي «أصبح يعود على البيت ثملاً يهشم كل ما تقع عليه عيناه» ويعتدي على زوجته (ص235). هذا الزوج تسبب في دمار زوجته وانهيارها أمام وحشيته.

وقدمت الرواية نموذجاً على اصطدام المرأة المطلّقة بنظرة مجتمعية سلبية لها، مما يكبّلها في طلب حريتها ويحكم عليها بالعذاب الأبدي، تقول الأنا الساردة: «تحولت حياتنا إلى ملعب للخلافات والشتائم والإهانات، لذلك قررت الانفصال عنه. حينها واجهني أهلي بما يحملون من معتقدات اجتماعية عن فكرة الطلاق. لذلك وبعد محاولات انفصلت عنه في البيت، هو ينام في غرفة بعدما يعود من أحضان عشيقاته، وأنا أنام في غرفتي أفكر بما يمكنني أن أتخلص من تلك العبودية» (ص65).

وبناءً على ما سبق، نلاحظ أن خطاب المرأة بدأ من معاناتها الأسرية ومن ثم التحديات التي واجهتها مع الزوج والمجتمع، ولكن خطابها لم يقف عند هذا الحد، فتوسّع ليشمل الوطن، حين قررت إحدى الشخصيات الهروب منه، فتسرد: «لم آتِ إلى هنا بحثاً عن فرصة تدفع بي إلى عالم الثراء. بل أتيت هنا لأعيش في مجتمع لا يحدد حريتك، ويقف لك بالمرصاد طوال يومك» (ص259)، فخطاب المرأة كان يبحث عن الحب والرقة والحنان والعقل المتفهم والثقافة العالية وسماع صوتها واحتضان آلامها. وحملَ خطاب كلّ من هذه النسوة داخل الرواية رسالةً تنتقد المجتمع نقداً بناءً يصب في صالحهن مما ينعكس على مصلحة الوطن عموماً، وأبرز خطابُهن عجزَهن أمام واقع مؤسف، وقوتهن وقدرتهن أمام مستقبل ضبابي، وترددت بحة أصواتهن التي يملؤها الرقة والحنان، في مسمع القارئ لبراعة الروائي في توظيف لغة شعرية عالية المستوى.

وظهر الخطاب الإعلامي في الرواية بطريقة مميزة تسمح بإدراجه في خانة «الأنا والآخر»؛ لأنه ساهم إلى حد كبير في تعرية شخصيات وتعتيم أخرى أمام الرأي العام، ومثال ذلك دور «رعد عبدالجليل» في تلميع صورة «سليمان الطالع» رغم فساده وإخراجه من «الأنا» الفاسدة إلى «آخر» غريب عنه، فـ»رعد» هو صحفي كان شريفاً في بداية مشواره، ومداد قلمه لا يبلل صفحات مقالاته إلا بكلمات الحق ومحاربة الفساد: «كان وقتها ما يزال صحافياً نزيهاً. تناول عدداً من الأسماء التي كانت تنهب في السر» (ص64)، ولكن المال والشهرة أغرياه، وأخذته أنانيته إلى طريق الفساد مع «سليمان الطالع» الذي لم يرحمه من سوط سلطته حين أودى به إلى السجن لأنه هاجمه في مقالاته، واعترف «رعد» بفساده بعد ذلك لزوجته حين قال: «إن ما لمسته سابقاً محض شعارات لا غير» (ص66). ومن الأمثلة كذلك شخصية «ريفال» التي كانت تعمل مذيعة تلفزيونية ومقدمة لبرنامج «السر»، حيث استضافت في إحدى حلقاته «سراج»، الذي تحدث بكل صراحة وشفافية عن نفسه دون مواربة أو تجميل وتلميع، وتحدث عن نظرته لـ»سليمان الطالع»، مما ساهم في تعرية «الآخر» إعلامياً ووضوح «الأنا» التي أثارت جدلاً واسعاً.

وظهر في الرواية أثر الإعلام بمحاربة الفساد وبثه الرعبَ في نفوس الفاسدين، ومثال ذلك ما حدث لـ»سليمان الطالع»، يقول الراوي: «ألقى نظرة على صحيفة كان يقرأ فيها مقالة عن الفساد الذي كثر المطالبون مؤخراً بكشف أوراقه، وبضرورة محاكمة رموزه. أرخى رأسه على قبضة يديه المتشابكتين؛ إذ بدا مزاجه مشوباً بشيء من التوتر الخفي، فتنهد عميقاً يحاول الاسترخاء ثم شرب جرعة ماء من كأس أمامه» (ص107-108)، فالخطاب الإعلامي داخل الرواية كان منقسماً لصوتين: الأول يمثل الإعلام النزيه كسلطة رابعة تراقب وتقيم وتحاسب وتنقد، والصوت الثاني يمثل الإعلام الفاسد الذي يجمل البشع ويلمّع الباهت. وتقصّى الخطاب في الرواية أثر الإعلام على المتلقي، ودوره في نهوض المجتمع أو في تراجعه وانغلاقه وخوفه.

أما الخطاب الديني فقد جاء أحادي الجانب وفق «أنا» متطرفة تنظر إلى أي «آخر» على أنه عدو، ولا سبيل لمواجهته إلا بالموت، ومن ثم، ظهر بصورته الآنية على أرض الواقع كما هو، خطاباً يشهره الجاهل ويشوه به صورة الإسلام السمحة، فنجد «الشيخ القبضاي» الذي كان لصاً ورئيساً لعصابة تعمل لصالح رجال أعمال ومتنفذين، يتحول بعد سنوات إلى رجل دين يحلّل ويحرّم كما شاء، وبحسب ما يُملى عليه من أسياده الفاسدين، وهو يتحدث في مقطع فيديو عن جاليري الحواس الخمس: «يصفه بالفسق الفني وبترويج الكفر، ويصدر فتوى بتحريم ارتياده» (ص336). وآتى هذا الخطاب المتطرف أُكله في نهاية الرواية، يقول الراوي: «القبضاي فخّخ الجاليري بالمتفجرات. كانت هذه الكلمات آخر ما قيل هناك، إذ تهاوى مبنى جاليري الحواس الخمس، وتطايرت منه الشظايا، والأدخنة والغبار، ولم ينجُ أحد ممن كانوا فيه» (ص396).

وهذه النهاية قريبة من فكرة التطهير التي اتسم بها المسرح اليوناني والإغريقي قديماً، ففي النهاية المؤلمة يكمن الأثر الأكبر في المشاهد/ القارئ، وتصل الرسالة والمقصدية من العمل بأوضح صورة لها.