علي القيسي

كان يرى في أحلامه وجوهاً غريبة تشبه وجوه الشياطين كما كان يتخيلها ذلك الطفل.

يحدّث أمه بذلك عند الصباح، وأحيانا ينهض من نومه فزعا مذعورا، تحتضنه أمه، تبسمل وتحوقل وتتعوذ من الشيطان، تحاول أن تهدئ من روعه. كان يرى الموت على هيئة شبح بشع المنظر مخيف، شبح يقبض أرواح الناس خاصة صغار السن. كوابيس تنتاب الصغير، يرى أطفالا يموتون أمامه، هكذا ينامون ولا يفيقون، استقر ذلك في وجدان الطفل، ونما معه عبر سنوات عمره.

الموت.. هذه المفردة باتت تطارد الفتى كالشبح في اليقظة والنوم، في الحل والترحال، تناهى إلى مسمعه حين أصبح شابا يافعا موت صديق له في الحارة التي يقطنها. موت شاب من جيله، هكذا دون سبب. انهار من وقع الخبر عليه كوقوع الصاعقة، وأخذ يبحث عن سبب موت شاب فجأة دون مرض. هرول للأطباء يسألهم عن السبب وراء موت الصغار دون مرض واضح، وألحّ عليهم بإجراء ما يلزم من الفحوصات الطبية، كي يطمئن على حاله.

موت الشاب الصغير أذهله. كان صديقاً له ويقطن في الحارة نفسها. انتابته حالة من الفزع الشديد، إثر موت صديقه بغتة. عرضته أسرته على أطباء كثيرين، قال أحدهم: «ولدكم مصاب بالرعب، وهذه حالة نفسية وعصبية، سببها صدمة نفسية.. ولا بد من العلاج والجلسات المنتظمة». وقال آخر؛ وهو طبيب عام: «أسلوب التربية له دور في هذا الرعب الذي يسكن هذا الفتى». وقال ثالث وهو طبيب أسرة واجتماع: «هذا الفتى يعاني من الانطواء والخوف الاجتماعي، وأيضا حساسيته مرهفة، وهو رقيق، وهذه الصفة قادرة على التأثير المباشر والخطير على نفسية الفتى وسلوكه، لا سيما في مجتمع لا يحترم المشاعر والعواطف».

عاد الفتى ووالده إلى البيت دون أن يتخذا قرارا أو ينفذا ما اقترحه الأطباء.

كوابيس مخيفة غدت ترعب الفتى حين يأوي إلى النوم، يرى أشباحا تطارده، غريبة الأشكال.. ترتعد فرائصه، يحاول الهروب من أمامها، شيء يمسمره في مكانه. كأن رجليه منزرعتان في الأرض، يحاول الصراخ بأعلى صوته، فلا يخرج الصوت، يحاول تحريك يديه لعله يصحو من كابوسه العميق، فجأة يخرج صوته شاقّا صمت المكان، يصحو من جنونه المفزع الكابوسي، يردد: «الحمد لله» ثلاثاً، يتعوذ من الشيطان، فيما جسده يتصبب عرقا وهو بالكاد يبلع ريقه من الخوف والجفاف.

منذ تلك اللحظة أضحى يخشى النوم ويكرهه، انتابته حالة من القلق الشديد على صحته وأحواله النفسية، تراجعَ تحصيله العلمي في المرحلة الإعدادية، تراجعت صحته، بات يحجم عن الطعام والشراب.

ذات يوم فيما كان يقف في باب منزله، مرت من أمامه تلك الفتاة، تأملها حتى اختفت عن ناظريه، فتاة في ربيعها السادس عشر، طويلة القامة نسبيا، ذات وجه بيضاوي وضاح، وشعر أسود. أربكته الفتاة، وأخذ يشغل جزءاً من دماغه فيها. في اليوم الثاني شاهدها في دكان الحارة، ارتبك أمامها، نظرت نحوه على استيحاء، حاول جمع أطراف شجاعته المتبقية، كي يسألها أي سؤال عابر ليلفت انتباهها إليه، ولكنه لم يستطع، فصاحب البقالة يعرف والده وخشي من تسريب الخبر.

حاول اللحاق بها في الشارع العام، انتبهت لوقع أقدامه خلفها، تشاغلت بأشياء كانت بيدها، افتعلت حركة ما، أسقطت شيئا من يدها على الأرض، وبسرعة التقط ما وقع على الأرض،، ناولها إياه، شكرته، سارا معا لكن بخوف وارتباك، تجاذبا أطراف الحديث، أعطته قصاصة عليها رقم هاتفها. بات مشغولا وعاشقا ينتظر هاتفها وتنتظر مهاتفة منه، شيئا فشيئا أمسى لا يبالي فيمن يموت من حوله، هاجس الرعب بدأ يذوب من حياته. الفتاة سكنت روحه وقلبه ومشاعره؛ ينام على طيفها ويصحو كذلك، وأصبح لا يرى كوابيس ولا يخشى موتا.