الذي قتل أحمد نصر جرّار في جنين وقتل قبله عشرات بل مئات من المقاومين في الضفة الغربية وغزّة وفي كل أرضٍ عربيّة، ليس الاحتلال الصهيوني وحده، وليس ما يسمى بالتنسيق الأمنيّ وحده، ولا الدور الذي يقوم به العملاء والمخبرون المأجورون وحده، ولا كلّ ذلك مجتمعاً وحده، بل إنّ ثمّة عاملاً آخر مهمّاً يصبّ في خدمة الأسباب السابقة كلّها، هو عشق كثير من أبناء أمتنا للثرثرة وبدوافع مختلفة، ذلك أنّ استخبارات العدوّ وعملاءه ومخبريه وغيرهم يستفيدون فوائد جمّة من صفة عشق الثرثرة المتأصلة في نفوس كثير من أبناء الأمّة.

وللثرثرة أشكال متعدّدة تطوّرت بتطور تكنولوجيا الاتصال وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي، فهناك ثرثرة في المجالس سواءً أكانت مجالس عزاء أم مجالس أفراح وجاهات أم ندوات أم لقاءات عابرة، وهناك ثرثرة عبر الاتصالات الهاتفية، وثرثرة على مواقع التواصل الاجتماعي كالفيس بوك والتويتر والواتساب وسواها، وثرثرة تعكس تعطش بعض المسؤولين والقيادات للإدلاء بتصريحات تسيء لهذا الطرف أو ذاك وتعزز الفتنة والانقسام بين أطياف المجتمع، وجميع هذه الأنواع من الثرثرة يسهل متابعتها ومراقبتها وتحليل محتوياتها والوصول إلى نتائج كثيرة منها والحصول على معلومات وحقائق لا تعدّ ولا تحصى.

وكثير من أبنائنا يعشقون الثرثرة عشقاً رغبةً في التباهي في امتلاك أفكار واقتراحات أو تباهياً بالتفرّد بمعرفة معلومات عن هذا الشخص أو ذاك أو هذا الأمر أو ذاك.

وقد صرّح أكثر من مسؤول صهيوني في أعقاب اغتيال الشهيد أحمد نصر جرّار أنّهم استطاعوا تحديد موقعه أكثر من مرّة من خلال مراقبة الاتصالات الهاتفية لأصدقائه وأقاربه والمتعاطفين معه كما كشفت عنها مواقع التواصل الاجتماعي.

إنّ المحتلين لا يستفيدون فقط من هذه (الثرثرة) في تحديد أماكن وجود المناضلين المطاردين فقط، بل يستغلّونها كذلك في نسبة تصريحات لهذا الطرف ضدّ طرف آخر من أجل إثارة الفتن بين القوى الفلسطينية وتعميق الخلافات بين تلك القوى ممّا يضعف قدرتها على مواجهة العدوّ وتنشغل بمواجهة بعضها بعضاً بدلاً من مواجهة العدوّ.

وثمّة مطبخ كبير لدى دوائر الاحتلال مهمّته نشر الأخبار الكاذبة والإشاعات لإثارة الفتن واستدراج عشّاق الثرثرة إلى مزيد من الثرثرة والإدلاء بمعلومات ونشر غسيل الخصوم، ممّا يستفيد منه الصهاينة فوائد لا تحصى.

إنّ قتل (الشهيد) أحمد نصر جرّار وكثير من الشهداء قبله على أيدي المحتلين الصهاينة، تتحمل مسؤوليته أطرافٌ كثيرة، لكنّ على رأسها، بعد الاحتلال نفسه، ثرثراتنا الزائدة وعشقنا المرضي للكلام دون حساب.

وحتّى نقطع عن عدوّنا وأعدائنا في كلّ مكان مصدراً أساسيّاً من مصادر حصولهم على المعلومات التي تلزمهم للقضاء علينا، لا بدّ لنا من تقليص الثرثرة والاقتصاد في الكلام الزائد إلى أدنى حدّ ممكن، وأن لا نقول في حواراتنا إلاّ ما ينفعنا نحن فقط ولا ينفع عدوّنا، ولا بدّ لنا من أن يراقب كلّ واحد منّا كلامه وهو يتكلّم أو كتابته وهو يكتب على الورق أو في مواقع التواصل الاجتماعي.

إنّ الثرثرة عدوّ قاتل فاقطعوا رأسه قبل أن يقطع رؤوسكم ويرشد عدوّكم إليكم.

salahjarrar@hotmail.com