أبواب - تالا أيوب

تبلغ من العمر 25 عاما، تعمل في إحدى الشركات الخاصة، نشيطة، خلّاقة، لكنها تشكو من الخوف والقلق كثيرا، تتعب نفسياً عندما تقدّم مشاريعا وعروضا أمام الآخرين، تتوتر عندما تشارك باجتماع عمل أو عندما يطلب منها القيام بمهمة ما، تهاب المشاركة بأي نشاط اجتماعي اذ تظهر عليها ملامح الخوف فيرجف صوتها، ويرتعش جسدها، وتحمّر عيناها.

أثّرت مشكلتها على نموها المهني، ولم يقف الأمر عند هذا الحال، وإنما تطور الى قلق عام فأصبحت تقلق على عائلتها، وتخشى الوحدة بشكل كبير، ما أثّر على حياتها، فقررت مراجعة طبيب نفسي، ومع العلاج تبيّن بأن لديها انجازات كبيرة وضخمة مقارنة مع أقرانها وزملائها في العمل الذين يكبرونها ، ويفوقونها خبرة مهنية.

تردد عبارة «أنا لست جميلة» بشكل دائم، ويقارنها المقربون بأخواتها ما أثر التقييم السلبي على شخصيتها،وهي الآن ملتزمة بخطة علاج نفسي وتشهد تحسنا كبيرا بعد العلاج السلوكي المعرفي والدوائي.

كثيرون يعانون من القلق الاجتماعي، يرتبكون عند التحدث أمام عدد كبير من الناس، يتلعثمون، يرتجفون عند التعرف على أشخاص جدد فيعزفون عن التعامل مع الغرباء أو المشاركة في المناسبات الاجتماعية.

عانت رغده عادل -وهي معلمة في إحدى المدارس الحكومية- من القلق الاجتماعي في الصغر، اذ تبين ذلك بقولها لـ»أبواب-الرأي»: «كنت أعاني من القلق الاجتماعي منذ الطفولة، فقد كنت أرفض المشاركة بالحصص الدراسية خوفا من ان تكون إجابتي خاطئة فيسخر الآخرين بي».

وتكمل: «بدأ اضطرابي هذا منذ الصف الأول عندما أجبت إجابة صحيحة ولكن كره المعلمة لي جعلها تعنفني، ما دفعني للخوف من التكلم أمام الآخرين، ولم أفكر يوما ما في المشاركة بالإذاعة المدرسية، مع العلم بأن تحصيلي الدراسي عالٍ. بالإضافة الى أن اختلاطي بالناس كان معدوما أيضا، اذ كنت أقضي أوقاتا طويلة وحيدة في غرفتي، ولم أجلس مع ضيوف عائلتي يوما ما».

وتتابع: «انكسر حاجز الخوف لدي منذ اختلاطي بطلاب وطالبات الجامعة، عندما أُجبرت على تقديم مواد وشرحها أمامهم، فنالت اعجاب أساتذتي في الجامعة فدعموني بدورهم وشجعوني، ومع مرور الأيام أصبحتُ أكثر جرأة وقوة، ووجدت أن التعوّد على ذلك هو أكبر حافز لكسر مخاوفي، والحمدلله حاليا أدرب في عدة مجالات لأشخاص أكبر مني عمرا وأكثر مني ثقافة».

و تقول سائدة عفيف -وهي ربة منزل- : «أنا أحب الحياة الاجتماعية، وأحب الظهور، وأحب التعرف على أشخاص جدد، ولكن في الفترة الأخيرة لاحظت بأنني أتوتر قليلا في بداية مشاركتي بالاجتماعات التي بها أعدادا كبيرة، أو عند مقابلة شخصيات مهمة، أو اذا احتوت الجلسة على رجال كثر، ومع مرور الوقت تزول الرهبة رويدا رويدا».

وتبين تماره عباسي -وهي ربة منزل- : «أهاب التكلم أمام عدد كبير من الناس، فلدي محاضرة سألقيها أمام 40 شخصا في نيسان المقبل، وأستعد لها نفسيا من الآن، بينما ابني الذي يبلغ 10 سنوات ،لا يهاب ذلك أبدا لأنه معتاد على ذلك، ونمط التدريس اختلف عن السابق اذ ان كثيرا من الحصص الدراسية تتطلب مناقشة مشاريع أمام الطلبة ما يقوّي شخصيتهم بشكل واضح».

رئيسة قسمي علم النفس والتربية الخاصة في جامعة عمان الأهلية، وأستاذ مساعد في علم النفس الإكلينيكي الدكتورة فداء أبو الخير تعرّف اضطراب القلق الاجتماعي بقولها: «انه أحد اضطرابات القلق، يتسم بشكل عام بالخوف والتوجس والريبة من ممارسة أي تصرف أو سلوك أو أي نشاط أمام الغرباء، فيخافُ من تناول الطعام أو الشراب في مكان عام ويخاف من التكلم أو الإجابة عن التساؤلات أو طرح الأسئلة، وذلك ما نلاحظه في المدارس والجامعات يهاب الشخص المصاب به من محاورة شخص ما، ويخاف من الذهاب بمفرده الى مكان لا يعرف به أشخاص فنشعر بأنه يسير على الطرف، ويستقر في مكان بعيد عن الأنظار، والملمح الأساسي من اضطرابات القلق هو الخوف من انتقاد الآخرين له والسخرية منه سواء كان على الشكل، أو الردود، أو طريقة الكلام وغيره (...) فهو دائما يشعر بأنه محط أنظار الجميع «.

وتكمل معددة أعراض هذا الاضطراب: «تسارع في ضربات القلب، تسارع في التنفس، احمرار في الوجه، التعرّق، وأحيانا يحصل انقباض في المثانة فيحتاج الى استخدام دورة المياه، يتحمل ضغط وتوتر عاليين جدا كي يبقى في المكان ذاته، أو يكمل ممارسة الشيء ويصيبه حالة من التلعثم والتأتأة وبمثل هذه المواقف لا يتمكن أن يكون هناك أي تواصل بصري فلا ينظر الى عيون الآخرين عند التواصل معهم بشكل عام».

وتتابع: «وهناك اختلاف بين شخص وآخر فمنهم من الممكن أن يحدث لهم ألم في البطن أو صداع في الرأس أو يصيب بالدوار ومنهم يشعر بالغثيان وهكذا، ما يشكل ضيق للشخص نفسه، فيشعر بعدم الرغبة في الخروج خوفا من الانتقاد فيمتنع عن تلبية الدعوات فتصبح لديه مشكلة في التعامل مع الأشخاص وانسحابية واحساس بمشاعر سلبية واحباط، وقد يتطور الى اكتئاب، اذ ان القلق الاجتماعي قد يتسبب في كثير من الاضطرابات أو قد يكون مع اضطرابات أخرى أو يكون نتيجة لمشاكل».

وتلفت الى ان الأشخاص الذين لديهم مشاكل صحية أو خلقية كأن تكون عندهم مشكلة في المشي أو في الوجه وغيره (..) مثلا عندهم قابلية للإصابة باضطراب القلق الاجتماعي ومن الممكن تطوره، والاضطرابات التي من الممكن أن تكون متزامنة مع اضطراب القلق الاجتماعي كثيرة منها: الاكتئاب، القلق العام، اضطرابات المخاوف المحددة، والهلع، اساءة استخدام المواد وهو الادمان.

وتشير الى أنهم كأخصائيين لا يفضلون تشخيص الاضطرابات من خلال مواقع التواصل الاجتماعي؛ لأن الأمر معقد نوعا ما، اذ يتوجب عليهم تحديد سبب ما يشعرون به، اذ من المحتمل أن يكون القلق الاجتماعي سبب هذه الاعراض، أو قد تكون هذه الأعراض تسبب القلق الاجتماعي، لأن بعض العوارض لا تذكر، وأحيانا تتم ملاحظتها على الشخص نفسه عند التعامل والتكلم معه.

أما طريقة العلاج فتبينها: «يتفاوت من شخص لآخر، ، وتعتمد على شدة الاضطراب أيضا، وهناك حالات يلزمها علاج دوائي وحالات تحتاج علاجا غير دوائي «.

وتتابع: «ونحن نختص بالعلاج غير الدوائي وهو العلاج المعرفي نعدّل الأفكار التي بها مبالغات وتضخيم للأمور، بالاضافة الى العلاج السلوكي نعلمه كيفية الاسترخاء، ونعرض المواقف أمامه لو بالتخيل بداية ومن ثم نبدأ بالمواقف الفعلية للمواقف التي تسبب له هذه المخاوف والقلق بعد تعديل أفكاره وتخفيف حساسيته رويدا رويدا، وبالتالي يصبح لدينا علاج للأفكار ومن ثم السلوكيات والاستجابات وهكذا».

أما عن مسببات الاضطراب فتعرضها: «أسباب وراثية (موجودة في تاريخ العائلة ، أو تتوارثها من تقليد العائلة (وراثة اجتماعية أو نمذجة)) اذ يكون لدى الوالدين خجل شديد ولكنه لا يصل الى حد الاضطراب الا انه يعلم الأبناء الخجل والانسحاب والتجنب وعدم القدرة على المواجهة والمجابهة فهو يقلد هذه السلوكيات وبالتالي يصبح الاضطراب».

وتكمل: «السبب الاخر هو التربية ونمط التنشئة الأسرية اذ ان الأطفال الذين يتعرضون للتهميش والتخويف من الكلام وطمس شخصيتهم من الممكن ان يصبح لديهم اضطرابا اذ ان ثقتهم بذاتهم تكون مهزوزة، والمقارنات بين الأفراد ترفع التركيز لما يقوله الآخرون وتقديري لذواتهم يتأتى من نظرة الآخرين لهم،إضافة إلى ما يسمى هشاشة المناعة النفسية فإذا تعرض الشخص لأي نوع خبرة من التهميش والسخرية أمام الآخرين من الممكن ان يتحول الى اضطراب القلق الاجتماعي (...)».