عمان - رسمي الجراح

ان عملية الخلق الفني تمتد من ذلك الوميض الغامض في ثنايا العقل ومخازن الصور وحتى تقديمه منجزا فنيا يصبح فيما بعد عملا ابداعيا من حق المتلقي والمتذوق ولتلك العملية أبعادا فسيولوجية وسيكولوجية و أدائية وتقنية ومعرفية, وهي عملية تمر بمراحل كثيرة.

تعد مرحلة الخلق الفني الإرهاص الأول للمخيلة لاستنباط او استحضار صورة ما واعتمادها كصيغة صورية ومن ثم تحويلها لفكرة عقلانية ومن ثم أعادة بلورتها على شكل صورة او تجسيمها ماديا كمعطى قابلا للتلقي , وفي المرحلة اللاحقة من عملية الخلق ستكون فنا لم يسبق لأحد ان ابتكر تلك الفكرة او الهيئة الجديدة التي اتى عليها ذلك المنجز.

من هنا تأتي عملية العصف الذهني وضرورتها للفنان المفكر وليس للفرد العادي الذي لا يجتهد في البحث ولان وظيفته التلقي لا أكثر , في حين ان المبدع مطالب وبشكل مستمر بتحويل الأحاسيس و الأفكار الأولية الى شيء مادي ملموس ومحسوس ليتعاطى معها العقل الواعي.

الخلق الفني لا يعني تلك المرحلة التي يقف فيها الفنان أمام الكانفس او المنحوتة او خلف طاولة التصميم ويكون قد اعد مسبقا تخطيطات أولية بل انها المرحلة السابقة التي خاض فيها العقل مخاضا عسيرا لتوليد فكرة ما او بناء تصور محدد عما سيكون منجزا إبداعيا لاحقا.

مسالة الخلق الإبداعي تتم عبر مراحل كثيرة طويلة وعسيرة ومن خلال تدريج الفكرة رويدا رويدا وبتأن حتى يصل بها الفنان الى المتلقي لبا جماليا خالصا من كل الشوائب , ومرحلة الفكرة الفنية الاولية تلمع في غياهب الدماغ ومضة بعيدة تكون ملامحها ضبابية في البداية , ثم ما تلبث تتكرر وتتكرر وتلح على الفنان بالخروج حتى يتم استحضارها بالتفكير والتمحيص وطرح الاحتمالات وتصورها بين الفينة والأخرى حتى تستقر صورة الفكرة في المخيلة.

أذن التحفيز والاستحضار للمخيلة لجلب الصورة والتي هي بالأساس الفكرة ذاتها أمرا تأسيسيا لما ستم البناء عليه لاحقا , لان التحديد السليم للفكرة وملامحها يجعل بلورتها إبداعيا أمرا يسيرا وقابلا للتطبيق فيما بعد والمراحل اللاحقة ثم ان تسجيل الملاحظات وتدوينها امر مفيد جدا لرصد تطور وولادة الفكره.

ان ملامح الصورة تكون في بداياتها مغلفة بالهواجس والخوف من فقدانها او تلاشي بعض ملامحها او الخشية من عدم تحقيقها للنجاح المطلوب او الحضور الفاعل لدى الجمهور و فشل فعلها التاثيري لدى المتلقي وان لا تصبح فيما بعد مادة قابلة للتعاطي مع متلقيها , كل ذلك يرافق التداعي الذهني للفكرة وهو أمر طبيعي.

يترافق تداعي الصورة الفنية بثراء المخيلة وهو شرط المبدع الذي يمتلك الحرية المطلقة فيما التداعيات الأخرى تسند الفكرة وتمنحها من شخصية الفنان المبدع الكثير , والتداعيات هي الفكر الفني و المرجعيات لدى الفنان و تاريخ الفن و سيرة الفنان و المكان الأول في طفولته وسيرته الشخصية و علاقته بالمحيط و الأحداث الجسيمة التي مر بها والحالة العاطفية والاجتماعية و الاقتصادية و السياسية و نظرته للعالم بشكل عام و غيرها من التأثيرات والتداعيات التي تظهر وتختفي خلال الأداء الفني.

بعد عملية الشد والجذب بين المخيلة و الصورة يأتي تخليص الفن من اللافن وهي عملية مخاض عسيرة ولان الفنان مطالب بخلق جديد , ففي كثير من الأحايين تظل الصورة – الفكرة تراود الفنان وتجيء وتذهب ولا يتم تلبية الطلب بالتنفيذ السريع لان العملية مرتبطة بالكثير من العوامل منها نضوج الفكرة و الكيفية التي ستكون عليها العملية الإبداعية و طريقة الأداء و كيفية شكل الصياغة الفنية و كيفية التقاط مفتاح الفكرة.

عند الشروع في المراحل الاخيرة وهي الأداء العملي وبعد تجاذبات المخيلة الكثيرة يكون العقل رسم مخططات كثيرة لفكرته ثم حفظها باكثر من صوره ,وبعد ذلك تتداعى تلك التفاصيل تباعا ولا شعوريا , ويستمر الأداء بصورة تراكمية حتى تغدو الفكرة أمرا واقعا وإنجازا فنيا وحقيقة أبداعية تشتمل الشروط الفنية جميعها.

يملك الفنان حرية البناء والهدم في نفس الوقت وله الخيار في الطرح والاستثناء في العملية الفنية وهي بمثابة نشوء منطقي فكري متسلسل وهو بمعزل عن الايدولوجيا و العقل والأخلاق و المحددات لكنها تؤثر بقدر محدد, فالفنان ينقل ما تحمل مخيلته من ترتيب لمشهد انطلقت شرارته سابقا الى أللوحه.

يذكر بونار نويل في كتابه رينيه ماغريت بان الفنان البلجيكي السوريالي ماغريت كان يرسم أكثر من مئة تخطيط قبل تنفيذ كل لوحة، وهي تخطيطات من نوع خاص من البروفات النظرية، لتأسيس ما يعتقد بأنه معطى عبر نظام حلول أو سحري في شخصية الكائن الإبداعي القادم.

وعلى نحو أكثر غرابة، كان الرسام الحدثي الحركي الاميركي « جاكسون بولوك « صاحب المدرسة التلطيخية او الرشق باللون يتأمل الفراغ الأبيض لقماش اللوحة ـ الحلبة، لأسابيع قبل الشروع في العمل.