أبواب - رزان المجالي

« في صبيحة أحد أيام الخميس ،طلبت المعلمة منا توقيع أولياء الامور على موافقة خطية للذهاب في رحلة مدرسية الى عجلون ،غمرت الفرحة قلبي الصغير وكنت متلهفة للذهاب والاستمتاع مع صديقاتي خصوصا وأنني حرمت من الرحلة في العام الماضي بحجة اصابتي بالسكري».

رجعت للبيت والفرحة العارمة تظهر على وجهي وطلبت من والدي التوقيع على الموافقة ،وقع والدي بكل ثقة وبلا تردد فهو يعرف قدرتي على ادارة السكري في كل مكان ،وبدأت مع صديقاتي اعداد مخطط لمستلزمات الرحلة. جمعت المعلمة الموافقات والرسوم واعطتها لمرشدة المدرسة المسؤولة عن تنظيم الرحلات وبعدها حضرت المعلمة واخبرتني انني لن اذهب معهم الى هذه الرحلة ايضا بحجة عدم قدرة المدرسة على تحمل المسؤولية بسبب مرضي.»بهذه الكلمات وبلهجة تعلوها غصة كبيرة تشرح الطفلة لانا مصباح معاناة تمييزها في المدرسة حيث تحرم هي ومن شابهها من الرحلات والنشاطات المتنوعة المدرسية.

أما الطالب مالك الكايد فيقول:» كانت المدرسه وما زالت لا تهتم بالطالب المصاب بالسكري كما يجب لانها حالات نادره وكنت الوحيد بالصفوف الابتدائيه ولم يكن هناك أي اهتمام بي او حتى تثقيف لهذا المرض ،وأذكر اني كنت بأمس الحاجه للذهاب الى دورة المياه او لشرب الماء او بحاجه لاخذ قياس سكري ولم اكن استطيع لانهم كانو يعتبرون الامر طبيعيا ،كان ابي يذهب باستمرار الى المدرسه ولكن دون جدوى.حتى اني اشعر بهبوط السكر في المدرسه ولااجد من يهتم بي.»

أما عائلة الطالب « الياس « فقد اجبرت على تغيير المدرسة إلى أخرى خاصة ،بعيدة عن منزلهم ،مما يزيد من اعبائهم المالية في مقابل تلقي ابنهم المصاب بالسكري العناية اللازمة في المدرسة.

ويستذكر الطفل انس الترك حادثة له في المدرسة حيث كان يشعر بدوار ورجفة وتعب شديد في احد ايام الشتاء « كنت اعرف انها اعراض هبوط في السكر وطلبت من المدرس ان يعطيني القليل من السكر حيث رفض خوفاً علي من ارتفاع السكر «. ويقول «انت بردان بس»ويقربني من المدفأة حتى دخلت في غيبوبة هبوط فاتصل بأمي لتسعفني «. ويكمل « ومرة ثانية عندما شعرت بالتعب الشديد والرجفة وبدأت افقد السيطرة ،شعرت بدوار اخذني الاستاذ الى دورة المياه ووضع راسي تحت الماء ظنا منه انه دوار عادي وصحوت على سرير الطوارئ وكل ملابسي مبتلة بالماء واصبت بعدها بالرشح».

أعباءٌ مالية إضافية وقعت على عاتق أهالي المصابين ، حيث يلجأ الغالبية منهم إلى تسجيل ابنائهم في المدارس الخاصة ، بدلاً من المدارس الحكومية وذلك لضمان الحصول على رعاية أفضل.يعتبر داء السكري أكثر الأمراض المزمنة شيوعاً في فترة الطفولة ، ، حيث يصيب نحو 1 من كل ألف شخص تحت سن 19 سنة، و بإعتبار المدرسة اولى مراحل حياة الطفل حيث يقضي الاطفال فيها وقتا طويلا ويحتاجون فيه الى عناية ورعاية صحية بشكل مستمر فإن هذا يتطلب من الجميع مسئولية ضمان حقوقهم في الرعاية من حيث توافر كادر مدرسي ذو خبرة ودراية بالسكري وذلك لتوفير البيئة الآمنة لهم و التأكيد على تحقيق التحصيل الدراسي و الأكاديمي المناسب لطالب السكري.

وتشرح د. نديمة شقم رئيسة الجمعية الاردنية للعناية بالسكري العوائق الرئيسية التي يقابلها طالب السكري وهي ،على سبيل المثال لا الحصر، النقص الكبير في الحصول على العناية بالسكري وايضاً نقص خبرة إدارة المدرسة بكيفية التعامل مع خطة الرعاية العلاجية لطالب السكري أثناء تواجده في المدرسة أو خلال أنشطة المدرسة الخارجية. مما سينتج عنه الكثير من العوائق مثل: عدم تلقي طالب السكري الرعاية الكافية عند حدوث حالات طارئة، تعرض بعض الطلاب لمعاملة غير لائقة بسبب السكري، زيادة تغيب الطالب عن الدروس المهمة و عدم إشراك الطالب في حصص الرياضة والرحلات الخارجية.

وتضيف :»يجب على المدرسة توفير عيادة طبية تضم طبيباً او ممرضاً او حتى شخصا لديه اهتمام وإلمام طبي. ويجب ان يلم مدرس الفصل بفكرة ولو مبسطة عن مرض السكري وعلامات انخفاض السكر وإيضاً بإرتفاعه وماذا عليه عمله عند حدوث ذلك، وأيضاً السماح لطفل السكري بأخذ المزيد من الوقت لتناول طعامه وإنهائه وإلا سيؤثر ذلك سلباً على مستوى السكر في الدم والسماح له بزيارة دورة المياه عند احساسه بذلك وحتى اثناء الحصص الدراسية، والسماح له بعمل تحليل السكر في اي وقت يشعر به الطفل بأنه بحاجة لذلك وإعطاء مريض السكري مرونة في مواعيد حضور المدرسة او الخروج منها او حتى الغياب وذلك في وجود مبرر طبي لذلك. والسماح للطالب المصاب بالسكري بتناول الوجبات الخفيفة او الرئيسية في الأوقات دورة المياه عند الحاجة كما وله الحق في ممارسة الأنشطة والتمارين الرياضية والاشتراك في الرحلات الميدانية الخاصة بالمدرسة مع أخذ الإحتياطات اللازمة لضمان سلامته. والالتزام بمعاملة طالب السكري بالمساواة مع زملائه».

ويشدد اخصائي الامراض الباطنية د. عادل حمزة على أهمية الانتباه الدائم لطفل السكري وعدم اهمال أي اعراض تشير للانخفاض او الارتفاع حيث يقول :» إن التعامل مع الاطفال المصابين بالسكري امر حساس وهام ويبدأ هذا التعامل الصحيح اولا من البيت حيث يتم فهم الاعراض وكيفية اعطاء الدواء وترتيب الكمية طبقا للفحوصات الطبية ومتابعتها وفهم مبدأ التوافق بين كمية الدواء وكمية الغذاء المطلوبة».ويضيف :»ثم تنتقل هذه المسؤولية للمدرسة حيث يتم متابعة الحالة بنفس المفاهيم والمقاييس مع ضرورة التأكيد على المراقبة الحقيقية لمعرفة الأعراض التي تسبق الغيبوبة ومنها الصداع ورجفان اليدين والتعرق والعصبية والشعور بالدوخة والاعياء والمبادرة السريعة بإعطاء الطفل محلول السكر بالفم.وهذا امر هام لتفادي حصول الغيبوبة.وهذا يتطلب وجود فريق طبي يقوم بعمل اسعافات أولية لإعطاء حقنة الجلوكوز وإجراء فحص السكر البسيط مع ضرورة توفر اجهزة قياس الحرارة مع ضرورة الاسراع في نقل الأطفال المرضى للمستشفى وذلك لمتابعة العلاج».

وبحسب المحامية في المركز الوطني لحقوق الانسان بثينة فريحات فإن المادة 6 فقرة هـ من قانون التربية والتعليم رقم 3 لسنة 1994 وتعديلاته تنص على «توفير الرعاية الارشادية والصحية والوقائية الملائمة في المؤسسات التعليمية الحكومية والاشراف على توافرها بالمستوى الملائم في المؤسسات التعليمية الخاصة»، وتمنح هذه الفقرة المهتمين بتطوير الرعاية الصحية في المدارس الحق باتخاذ أي اجراءات يرونها مناسبة لرفع مستوى الرعاية الصحية في المدارس.

ويورد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ان للأطفال الحق في الرعاية والمساعدة ، اقتناعاً منها بان الأسرة هي الوحدة الأساسية للمجتمع والبيئة الطبيعية لنمو ورفاهية جميع أفرادها خاصة الطفل فهو يحتاج لرعاية خاصة كما ذكرت في إعلان جنيف 1924، وقد نصت المادة (24) بند (1) من اتفاقية حقوق الطفل على التالي:” تعترف الدول الأطراف بحق الطفل بالتمتع بأعلى مستوى صحي يمكن بلوغه وبحقه في مرافق علاج الأمراض وإعادة التأهيل الصحي وتبذل الأطراف قصارى جهدها لتضمن ألا يُحرم اى طفل حقه في الحصول على خدمات الرعاية الصحية».

وتقول الفريحات أنه :»من خلال عدة شكاوى وردت للمركز الوطني لحقوق الانسان، فإن بعض المدارس ما زالت تمارس التمييز ضد هذه الفئة ،لنقص التوعية بالتعامل مع هذا المرض ، لابد من وجود خطة متكاملة لرعاية طالب السكري وتنفذ هذه الخطة بتعاون تام ومسؤولية لازمة بين كل من أولياء الأمور وإدارة المدرسة والجهات الصحية المختصة. ومسؤولية المدرسة بأيجاد أنشطة بديلة تناسب اطفال السكري مثل لعب الشطرنج وغيرها من الألعاب التي لا تتطلب جهداً بدنياً كبيرا، وهذا من شأنه ان يقلل من حالة الإحباط التي يعيشها الطالب في مدرسته».

وعلى الرغم من أن أدارة الصحة المدرسية في وزارة الصحة تسعى مستقبلاً الى انشاء عيادات في كل مدرسة حكومية يتعدى طلابها 1000 طالب ، وتعيين ممرض في المدارس الصغيرة والتي لا تتجاوز 500 طالب ، بحسب مدير المديرية د. خالد الخرابشة ، إلا أن هذا لن يكون كافياً بحسب المختصين بحقوق الطفل ، حيث أن مدارس القرى والمحافظات قد لا يتعدى عدد طلابها ال 1000 طالب.

أطفال صغار لم يمنعهم المرض من حب الحياة ، بل كان الرضى رفيقهم الذي يخفف عنهم تعب هذا المرض ، ليصطدموا بواقع مدرسي محبط يخلو من تحمل المسؤولية ،فهل يمكن مساعدتهم للتعلم مع ألم مرض لا علاقة لهم بإصابتهم به .